عن سرقة الموسيقا والفولكلور المباح كمدخل إلى نفي الوجود الكردي

همبرفان كوسه
همبرفان كوسه

يروي البروفسور التركيّ، إسماعيل بيشكجي، في كتابه؛ كردستان مستعمرة دوليّة، أنّ سرقة الثقافة الكردية من السياسات المهمة للأيديولوجية الرسمية التركية لتدمير الثقافة الكردية اعتماداً على الفنانين والباحثين الكرد. إذ أنّ الدولة كانت تحتاج لبلوغ هذا الهدف أن تتبع الأسلوب التالي: تعتمد أولاً الحصول على الأغاني الشعبية الكردية وبصيغتها الأصلية. يتولّى تنفيذ هذه المهمة مجموعة من الخبراء في الموسيقا والأدب الشعبي والفولكلوري، إلى جانب عدد من ضباط الجيش. ثم تترجم نصوص تلك الأغاني إلى اللغة التركية وتضاف تعديلات على مضمونها. كما تكيّف ألحانها لتنسجم مع الموسيقى التركية. ويستمر إدخال التعديلات على الأغنية الكردية الشعبية فترة معينة.

وخلال هذه الفترة يلعب خبراء أتراك في الأغاني الشعبية أمثال محمد أوزبيك دوراً كبيراً في هذه العملية، وبعد ذلك تذاع الأغنية بحلتها الجديدة وتعرض على شاشة التلفزيون ويختار الخبراء مطربين من أصل كردي لأداء هذه الأغاني. وكانت الغاية من اختيار مطربين من أصل كردي ميزتين: أولها أن الصوت الكردي ملائم لأداء الأغاني الشعبية الكردية، ثم إن أداء هؤلاء المطربين لأغنية كردية الأصل بلغة تركية يلعب دوراً مهماً في دعم جهود تتريك الأكراد.

كان النظام السوري وأجهزته الأمنية الثقافية والاجتماعية والدرامية والرياضية تقلّد السياسات التركية نحو الكرد، وإن كان باختلاف الفترة الزمنية والكم. سبق وأن قال رئيس النظام السوري أن نموذج التعامل التركي مع الكرد هو أفضل نموذج ويجب أن يعمّم لاحتواء القومية الكردية وصهرها ضمن العربية والتركية. إلى جانب اللغة والأرض والجغرافية والتاريخ، سلب النظام السوري، عبر الدراما والفن، أغاني كردية وموسيقى كردية ونسبها إلى الدراما العربية، وهي السياسة القائمة إلى اليوم، وزادت عن قبل. ويمكن تقديم نموذج هامّ جداً عن هذه السرقة.

في عام 2016، عُرض مسلسل سوري اسمه “نبتدي منين الحكاية”، من إخراج سيف الدين سبيعي وفادي قوشقجي، والتأليف الموسيقي لـ آري جان ويحيى تللو. قام مؤلف موسيقى هذا المسلسل بسرقة أغنية كرديّة واستخدمها على شكل كوبليه (وهي كلمة فرنسية تعني الإعادة) للأغنية الكردية الأصلية، واستخدم الموسيقى لأغنية عربية في شارة مسلسل سوري عربي. الأغنيّة المسروقة للفنان الكردي الشهير هوزان سرحد.

والحال، أنّ غياب الحالة المعرفيّة والمؤسّساتية الكرديّة حالت دون أن يتمكن الكرد من مجابهة النظام السوريّ ومؤسساته الأمنيّة الثقافية والبحثيّة في إسقاط الشرعيّة عمّا يقدّمه كمداخل للفن والفولكلور والتاريخ والوجود الكرديّ في سوريا. تباعاً، تحوّلت المرويات الكرديّة إلى التركيّة حتى صارت إرثاً ثقافيّاً ومجتمعاً تركيّاً، وتباعاً تحوّلت المرويات الكرديّة في سوريا إلى العربيّة.

خلال الثورة السوريّة، شكّل الكرد الأقليّة الأكثر خصوبة ليعيد فيها النظام إنتاج نفسه، فبدأ تركيز النظام السوريّ على إظهار الوجود الكرديّ في سوريا من خلال الدراما السوريّة ومن خلال السماح لفنانين الكرد تقديم حفلات فنيّة في مناطق سيطرته. كان النظام السوريّ، وخلال هذه النشاطات يقدّم الكرد كأناس قرويون لا يفهمون قيم الحضارة والتمدّن التي يتمتّع بها المجتمع السوريّ، ولا يملكون القدرة على فهم الحياة المعرفيّة التي تخوّلهم للدخول في الحياة السياسيّة، ويقدّم القضيّة الكرديّة على أنّها قضيّة لغة وأعياد شعبيّة.

وفي مطلق الأحوال فإنّ النظام السوريّ رسّخ من خلال هذه النشاطات فكرة أنّ الأقليّة الكرديّة هي أقليّة لغويّة كجزء من القوميّة العربيّة، تملك الحقّ في بعض القضايا الثقافيّة المحدودة، وكذا ذلك شبّه القضيّة الكرديّة بقضيّة الأقليات الثانية التي لا تملك ثقلاً ديموغرافيّاً ولا تسعى إلى قضايا قوميّة ذات أبعاد تاريخيّة وقوميّة.

ويسعى النظام السوري إلى توفير كل أسباب استمرارية هذه المشاريع التي تسعى إلى نفي وطمس الهوية الكردية وتشويهها. بمعنى آخر، يتم تقديم شكل جديد من الفولكلور الكردي في المنطقة، هذا الشكل الذي يقدم صور ثانية عن الكرد ورمزيّة ثانية لا تشبه حياتهم الأساسيّة، وطالما أن الكرد نقلوا تاريخهم وحكاياتهم المجتمعية عبر الأغاني الفولكلورية، فأي تغيير أو تآكل يحدث مع هذه الأغنية فإنه يحدث مع صورة وهوية المجتمع الكردي.

ولطالما كان النظام السوريّ يروّج لفكرة الهويّة الجامعة، تلك الهويّة التي تجد في الهويات السوريّة المتعددة جزءاً من الهوية العربيّة. ولأن تسير الأمور على ما يرام، فإن قيام فنانين كرد سابقاً بسرقة الموسيقى الكرديّة ودمجها مع الأغاني العربيّة، والسرقة الحديثة التي يقوم بها الفنانون الكرد للموسيقى الكرديّة وجعلها شارة مسلسلات سوريّة هي في الأساس تطرح وجهة نظر النظام السوري للقضايا السياسيّة والمجتمعيّة السوريّة، هي في الأساس مكمل لهذه الحالة وهذا الدمج الذي يسعى إليه النظام السوري.

صحيح أن النظام السوري صار يسمح للأغاني والثقافة الكرديّة ترى النور في دمشق، في الدراما والمراكز الثقافيّة، لكن هذا النور كان ولا يزال يهدف إلى إزالة المجتمع الكردي وخصوصيته ودمجه مع المجتمع العربي. زِد على ذلك تقديم الكرد على أنهم بدائيون ولا يتأقلمون ويعرفون الحياة، وكان ويزال كل ذلك بيد الكرد بمعرفة ودون ذلك. هذه هي صيغة الوجود الكردي بالنسبة للنظام السوري. توفير بيئة وظروف للظهور في سوريا، تطيح بالوجود الكردي.

همبرفان كوسهصحافي كردي

يروي البروفسور التركيّ، إسماعيل بيشكجي، في كتابه؛ كردستان مستعمرة دوليّة، أنّ سرقة الثقافة الكردية من السياسات المهمة للأيديولوجية الرسمية التركية لتدمير الثقافة الكردية اعتماداً على الفنانين والباحثين الكرد. إذ أنّ الدولة كانت تحتاج لبلوغ هذا الهدف أن تتبع الأسلوب التالي: تعتمد أولاً الحصول على الأغاني الشعبية الكردية وبصيغتها الأصلية. يتولّى تنفيذ هذه المهمة مجموعة من الخبراء في الموسيقا والأدب الشعبي والفولكلوري، إلى جانب عدد من ضباط الجيش. ثم تترجم نصوص تلك الأغاني إلى اللغة التركية وتضاف تعديلات على مضمونها. كما تكيّف ألحانها لتنسجم مع الموسيقى التركية. ويستمر إدخال التعديلات على الأغنية الكردية الشعبية فترة معينة.

وخلال هذه الفترة يلعب خبراء أتراك في الأغاني الشعبية أمثال محمد أوزبيك دوراً كبيراً في هذه العملية، وبعد ذلك تذاع الأغنية بحلتها الجديدة وتعرض على شاشة التلفزيون ويختار الخبراء مطربين من أصل كردي لأداء هذه الأغاني. وكانت الغاية من اختيار مطربين من أصل كردي ميزتين: أولها أن الصوت الكردي ملائم لأداء الأغاني الشعبية الكردية، ثم إن أداء هؤلاء المطربين لأغنية كردية الأصل بلغة تركية يلعب دوراً مهماً في دعم جهود تتريك الأكراد.

كان النظام السوري وأجهزته الأمنية الثقافية والاجتماعية والدرامية والرياضية تقلّد السياسات التركية نحو الكرد، وإن كان باختلاف الفترة الزمنية والكم. سبق وأن قال رئيس النظام السوري أن نموذج التعامل التركي مع الكرد هو أفضل نموذج ويجب أن يعمّم لاحتواء القومية الكردية وصهرها ضمن العربية والتركية. إلى جانب اللغة والأرض والجغرافية والتاريخ، سلب النظام السوري، عبر الدراما والفن، أغاني كردية وموسيقى كردية ونسبها إلى الدراما العربية، وهي السياسة القائمة إلى اليوم، وزادت عن قبل. ويمكن تقديم نموذج هامّ جداً عن هذه السرقة.

في عام 2016، عُرض مسلسل سوري اسمه “نبتدي منين الحكاية”، من إخراج سيف الدين سبيعي وفادي قوشقجي، والتأليف الموسيقي لـ آري جان ويحيى تللو. قام مؤلف موسيقى هذا المسلسل بسرقة أغنية كرديّة واستخدمها على شكل كوبليه (وهي كلمة فرنسية تعني الإعادة) للأغنية الكردية الأصلية، واستخدم الموسيقى لأغنية عربية في شارة مسلسل سوري عربي. الأغنيّة المسروقة للفنان الكردي الشهير هوزان سرحد.

والحال، أنّ غياب الحالة المعرفيّة والمؤسّساتية الكرديّة حالت دون أن يتمكن الكرد من مجابهة النظام السوريّ ومؤسساته الأمنيّة الثقافية والبحثيّة في إسقاط الشرعيّة عمّا يقدّمه كمداخل للفن والفولكلور والتاريخ والوجود الكرديّ في سوريا. تباعاً، تحوّلت المرويات الكرديّة إلى التركيّة حتى صارت إرثاً ثقافيّاً ومجتمعاً تركيّاً، وتباعاً تحوّلت المرويات الكرديّة في سوريا إلى العربيّة.

خلال الثورة السوريّة، شكّل الكرد الأقليّة الأكثر خصوبة ليعيد فيها النظام إنتاج نفسه، فبدأ تركيز النظام السوريّ على إظهار الوجود الكرديّ في سوريا من خلال الدراما السوريّة ومن خلال السماح لفنانين الكرد تقديم حفلات فنيّة في مناطق سيطرته. كان النظام السوريّ، وخلال هذه النشاطات يقدّم الكرد كأناس قرويون لا يفهمون قيم الحضارة والتمدّن التي يتمتّع بها المجتمع السوريّ، ولا يملكون القدرة على فهم الحياة المعرفيّة التي تخوّلهم للدخول في الحياة السياسيّة، ويقدّم القضيّة الكرديّة على أنّها قضيّة لغة وأعياد شعبيّة.

وفي مطلق الأحوال فإنّ النظام السوريّ رسّخ من خلال هذه النشاطات فكرة أنّ الأقليّة الكرديّة هي أقليّة لغويّة كجزء من القوميّة العربيّة، تملك الحقّ في بعض القضايا الثقافيّة المحدودة، وكذا ذلك شبّه القضيّة الكرديّة بقضيّة الأقليات الثانية التي لا تملك ثقلاً ديموغرافيّاً ولا تسعى إلى قضايا قوميّة ذات أبعاد تاريخيّة وقوميّة.

ويسعى النظام السوري إلى توفير كل أسباب استمرارية هذه المشاريع التي تسعى إلى نفي وطمس الهوية الكردية وتشويهها. بمعنى آخر، يتم تقديم شكل جديد من الفولكلور الكردي في المنطقة، هذا الشكل الذي يقدم صور ثانية عن الكرد ورمزيّة ثانية لا تشبه حياتهم الأساسيّة، وطالما أن الكرد نقلوا تاريخهم وحكاياتهم المجتمعية عبر الأغاني الفولكلورية، فأي تغيير أو تآكل يحدث مع هذه الأغنية فإنه يحدث مع صورة وهوية المجتمع الكردي.

ولطالما كان النظام السوريّ يروّج لفكرة الهويّة الجامعة، تلك الهويّة التي تجد في الهويات السوريّة المتعددة جزءاً من الهوية العربيّة. ولأن تسير الأمور على ما يرام، فإن قيام فنانين كرد سابقاً بسرقة الموسيقى الكرديّة ودمجها مع الأغاني العربيّة، والسرقة الحديثة التي يقوم بها الفنانون الكرد للموسيقى الكرديّة وجعلها شارة مسلسلات سوريّة هي في الأساس تطرح وجهة نظر النظام السوري للقضايا السياسيّة والمجتمعيّة السوريّة، هي في الأساس مكمل لهذه الحالة وهذا الدمج الذي يسعى إليه النظام السوري.

صحيح أن النظام السوري صار يسمح للأغاني والثقافة الكرديّة ترى النور في دمشق، في الدراما والمراكز الثقافيّة، لكن هذا النور كان ولا يزال يهدف إلى إزالة المجتمع الكردي وخصوصيته ودمجه مع المجتمع العربي. زِد على ذلك تقديم الكرد على أنهم بدائيون ولا يتأقلمون ويعرفون الحياة، وكان ويزال كل ذلك بيد الكرد بمعرفة ودون ذلك. هذه هي صيغة الوجود الكردي بالنسبة للنظام السوري. توفير بيئة وظروف للظهور في سوريا، تطيح بالوجود الكردي.

همبرفان كوسهصحافي كردي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit