سؤال وجواب : الحرب المقدسة، الاستشهاد والإرهاب
سؤال وجواب : الحرب المقدسة، الاستشهاد والإرهاب

سؤال وجواب: الحرب المقدسة، الاستشهاد والإرهاب

حاورته: فاتن حمودي

“كنت أسعى إلى أن يطلع القارئ العربي على بحث جاد في الجذور اللاهوتية، اليهودية والمسيحية، للعنف في الغرب”، هو ما قاله الدكتور بدر الدين عرودكي وانا أحدثه عند دوافع ترجمته لكتاب،”الحرب المقدسة، الاستشهاد والإرهاب، أشكال العنف المسيحي في الغرب”، تأليف فيليب بوك، أستاذ تاريخ القرون الوسطى بجامعة فيينا، الصادر عن منشورات جسور.

ونظراً لأهمية موضوع الإرهاب، ونحن نعاني من تداعياته اليوم، كونه يشكّل حجة حقيقية لحروب تثيرها الدول الكبرى علينا، وبنفس الوقت حجة في يد الأنظمة الاستبدادية لقمع شعوبها، وهو ما أكده نعوم تشومسكي حين ربط, جذور القوة والإرهاب بعمق الثقافة الأمريكية.

حول الكتاب، والجذور اللاهوتية للإرهاب،والدوافع الكامنة لصناعة الإرهاب ومحاربته في نفس الآن….كان لنا هذا الحوار مع الناقد والمترجم والمثقف المنتمي بدر الدين عرودكي.

* ما الذي دفعك لترجمة الكتاب في هذه اللحظة بالذات؟

** في عنوان الكتاب، الطويل نسبيًا، ما يستثير فضول أي إنسان مولع بالقراءة. وهذا ما حدث لي حين اكتشفت الكتاب في الشهر الثالث من عام 2017، أي عند صدوره بالفرنسية، في مكتبة “الديوان” بباريس. إذ ما إن تصفحت عناوين فصوله حتى وجدت أن من الضرورة بمكان ترجمة هذا الكتاب ووضعه بين يدي القارئ العربي. (تمامًا كما فعلت حين ترجمتُ أول وربما أهم تحليل لعملية تفجير برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك، في 11 أيلول/سبتمبر عام 2001، قام به جان بودريار ونشره في صحيفة اللوموند قبل أن يتبعه بعدد من المقالات قمت بعد ذلك بجمعها في كتاب نشره المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة في إطار المشروع القومي للترجمة وحمل عنوان المقال الأول: روح الإرهاب). لكن اهتمامي يومئذ كان ينصب على العثور على دار نشر تتبنى القيام بنشر ترجمة عربية للكتاب يقوم بها أحد مترجميها. وكان أن طلب إلي أن أترجم هذا الكتاب الذي قضيت خمسة عشر شهرًا في ترجمته ومتابعة العمل مع الفريق الفني في دار النشر حتى صدور الترجمة أخيرًا.

* هل أردت أن تبرئ الإسلام من الإرهاب وتشير من خلال الترجمة إلى المسيحية؟

** لستُ مؤلف الكتاب بل من ترجمه. ولم يكن قيامي بترجمته، بل والدعوة إلى ترجمته عند صدوره، يهدف إلى تبرئة الإسلام أو اتهام المسيحية. بل كنت أسعى إلى أن يطّلع القارئ العربي على بحث جاد في الجذور اللاهوتية، اليهودية والمسيحية، للعنف في الغرب وهو يغطي ما يقارب ألفي سنة من التاريخ، وعلى وجه التحديد، من سنة 70 ميلادية وحتى عام 2003، أي العام الذي غزت فيه الولايات المتحدة العراق.

والحقيقة أن بعض المدونين من الغربيين، من اليمين المتطرف خصوصًا ــ كما كتب المؤلف في مقدمته للطبعة العربية ــ استنتجوا أن هذا الأخير أراد “إعفاء الإسلام (بالمفرد) من كل عنف، بوضعه على عاتق المسيحية سنَّة العنف”، وأن البعض الآخر من العرب قد استنتج أن الكتاب “هجاء مبرر ضد الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية”، هذا في حين أن الكتاب لم يكن في واقع الأمر يرمي لا إلى هذا ولا إلى ذاك.

* هل تعتقد بأن الكتاب سيثير ضجة بين صفوف المسيحيين؟

** لابد من التنويه أولًا بأن الكتاب هو كتاب مؤرخ فرنسي مارس تدريس تاريخ القرون الوسطى في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية وفي جامعة فيينا بالنمسا، أعني أننا لسنا إزاء منشور أيديولوجي بل أمام بحث علمي يعتمد الوثائق التاريخية والتحليل العقلاني والتوثيقي في محاولة فهم جذور العنف الغربي (والعنف ليس وقفًا على الغرب بطبيعة الحال) التي عثر عليها في اللاهوت المسيحي. ولأنه كتاب ينطوي على تحليل صارم، فهو يدعو للتفكير وللتأمل وللبحث.

أفهم أن يثير الكتاب انطلاقًا من عنوانه ضجة ما. سوى أن القارئ سرعان ما سيكتشف أنه إزاء بحث علمي لا صلة له بالتأويلات الأيديولوجية أو تلك التي تستخدم قصدًا في ميدان الصراعات السياسية ولا تستند إلى أي قاعدة علمية في فهم وفي تفسير أحداث التاريخ الكبرى خصوصًا.

* هل ترى أن هذا الكتاب يكشف الغطاء عن العنف والإرهاب ويقارب اللحظة المعاصرة التي نحياها في عالم يصنع الإرهاب من خلال شركات ومافيات غرضها تشويه العرب والإسلام؟

** أرى أن علينا أن نميّز هنا تعدد الزوايا التي تجري اعتبارًا منها قراءة موضوع الإرهاب. أهمها، كما يبدو لي أولًا، الفعل الإرهابي نفسه، في دوافعه وفي أهدافه وفي المبررات التي يقدمها فاعلوه له؛ وهناك ثانيًا، قراءة هذا الفعل من قبل المستهدفين به والذي يستدعي بدوره القراءة اعتبارًا من زوايا فرعية أخرى: ضحايا الفعل الإرهابي أنفسهم، السلطة التنفيذية وهوية ممثليها السياسية أو الأيديولوجية في البلد المستهدف، وسائل الإعلام المختلفة في البلد مع ملاحظة تنوع اتجاهاتها السياسية والأيديولوجية إذا كان النظام ديمقراطيًّا.. في ضوء ذلك يمكن القول إن الكتاب يتناول الفعل الإرهابي نفسه وما ينطوي عليه من عنف مادي ويبحث في دوافعه وفي أهدافه والجذور اللاهوتية القديمة، سواء في العهد القديم (التوراة) أو في العهد الجديد (الأناجيل الأربعة)، التي رأى المؤلف أنه يستند إليها. ولأن المؤلف اختار هذا الإطار بالذات لدراسته فقد كان بصورة غير مباشرة يضع النقاط على الحروف في ما يخص كل الترهات التي اعتمدتها وسائل الإعلام الغربية، واليمينية المتطرفة منها بوجه خاص، في تسليطها الضوء على الإسلام (ومن ثمَّ على العرب والمسلمين بلا تمييز) بوصفه مصدر الإرهاب الوحيد.

ومن هنا ما واجهه الكتاب من هجوم من بعض الأوساط اليمينية وخصوصًا لمقاربته خطاب بوش عشية غزو العراق وهو “يتكلم عن الحرب من أجل (الحرية) وعن (الرسالة) الأميركية ذات الدلالة (العالمية)” مستدعيًا “صيغًا استخدمها عدد كبير من الغربيين الآخرين قبله بكثير”، ولأنه بيَّنَ “كيف أن مفاهيم حرب أمريكا البروتستانتية قبل عام 1776 وبعده استنفرت أشكالًا شديدة القدم آتية من اللاهوت الغربي”.

* الكتاب يبحث في أشكال الإرهاب المسيحي.. كيف تتجلى هذه الأشكال؟

** لنقل إنه يبحث في أشكال العنف المسيحية في الغرب التي تجلت في لحظات مختلفة من التاريخ بدءًا بما يعرف بثورة اليهود ضد المحتل الإمبراطوري الروماني بين عامي 66 و 73 ميلادية، والتي عرفت بحرب اليهود حسب المصدر التاريخي الرئيس (أي مؤرخها فلافيوس جوزيف) الذي يشهد عليها كما يشير المؤلف، ومرورًا بتطور النزعة القيامية المسيحية، والاستشهاد المسيحي القديم، وضروب الاضطهاد التي كابدها أوائل المسيحيين، والحملة الصليبية الأولى، والثورات الهوسية في عام 1420، والثورة الفرنسية، وحروب الدين في أوربا، وأمريكا القديمة، والتطهيرات البولشفية، وفصيل الجيش الأحمر الألماني.. وصولًا إلى الإرهاب المعاصر والحروب التي اعتمدت المفاهيم اللاهوتية المسيحية من أجل تبريرها كما ظهر ذلك واضحًا في نداء جورج بوش الإبن خلال تدشينه الرسمي للحرب ضد الإرهاب..إلخ.

على أن المثير في هذا البحث يتجلى في مراحل عرفها تاريخ أوربا كالثورة الفرنسية التي كانت في وجه من وجوهها ثورة على الكنيسة، أو كالثورة البلشفية التي كانت هي الأخرى قطيعة حاسمة مع الدين والمفاهيم الدينية، أو حتى خلال الفترة التي نشطت خلالها فصائل الجيش الأحمر الألمانية، كانت تعتمد في ممارساتها مفاهيم ذات جذور لاهوتية كانت من قبل، وهي تمارس بين عامي 1792 و 1794 مثلًا (الثورة الفرنسية) أو في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين (الثورة البلشفية) أو بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي (فصيل الجيش الأحمر)، فعّالة وسائدة في القرن الحادي عشر.

* لماذا يتستر الغرب على الإرهاب المسيحي وينسب كل شيء إلى الإسلام؟

** لنقل إن قسمًا هامًا من الإعلام الغربي هو الذي يفعل ذلك تحت التأثير المتزايد للشعارات الشعبوية التي يطرحها في سوق التنافس السياسي اليمين المتطرف في معظم دول أوربا. هذا الكتاب (وإن بقي أثره محدودًا على الجماهير الغربية ) مثل واضح على ضرورة عدم التعميم.

* أثناء ترجمتك وقراءتك للكتاب، هل ترى ثمة قواسم مشتركة بين ضروب الإرهاب؟ وما الدوافع الحقيقية التي تقف وراء العنف والإرهاب؟

** لاشك أن ثمة قواسم مشتركة بين ضروب الإرهاب جميعها، ولاسيما تلك التي مارستها الإمبراطوريات التوسعية شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا. أما الدوافع الحقيقية فهي، على تعددها في الظاهر، ترتدّ إلى دافع أساس: الهيمنة السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى.

* حسنًا، هل كان الإرهاب يعتمد الدين فقط؟ ألم تكن الثورة الفرنسية في مرحلة من مراحلها إرهابية؟

** لا حديث في الحقيقة عن اعتماد الدين بل عن جذور لاهوتية للإرهاب تجلت في المفاهيم المعتمدة ذات الجذور اللاهوتية المسيحية في تبرير مختلف ضروبه. أما أن الثورة الفرنسية (العلمانية) كانت في مرحلة من مراحلها إرهابية، بل وأطلق على مرحلة من مراحلها “مرحلة الإرهاب”، والتي امتدت على وجه الدقة بين 5 أيلول/سبتمبر 1793 و 28 تموز/يوليو 1794، فلم يكن إرهابها “علمانيًا” محضًا. ذلك أنها وقد وضعت الدين والعبادة في صلب اهتماماتها، سواء من أجل نزع الطابع المسيحي عن فرنسا كما يقول مؤلف الكتاب، أو من أجل إنشاء دين مدني يستطيع الإسهام في تكوين الأمة ووحدتها كما كان يدعو جان جاك روسو، فقد استعارت في لغتها الثورية الكثير بطريقة واعية وإرادية تارة وبغير علم تارة أخرى من الخطابات الكاثوليكية والإصلاحية، وهو ما أدى إلى استثارة الصراعات ومن ثم ضروب العنف. لا بل إن هناك عدد من المؤرخين أشاروا إلى أي درجة كان الإرث الثقافي والقاموس الكاثوليكي حاضريْن في الفكر الثوري. “فإلى جانب المرجعية القديمة، ثمة بنوّة التقاليد الدينية والإرث الكاثوليكي” كما يقول أنطوان دو بيك. بل إن المؤلف يشير إلى “أن سلسلة طويلة من الباحثين أدركوا، منذ أن وقع الحدث (أي الثورة الفرنسية)، أن الثقافة السياسية للثورة (بما في ذلك ذروتها الشهيرة، إرهاب سنوات 1792/1793 ــ 1794) يمكن أن تعتبر على نحو مفيد بوصفها حدثاً دينيًا.

** ما الفرق بين الإرهاب اليوم والإرهاب في الماضي؟

** فضلاً عن الفروق في الأدوات المستخدمة في الإرهاب على امتداد العصور وتعدد الأمكنة والفاعلين، هناك الفرق الأساس الذي يتجلى اليوم في أن صدى الفعل الإرهابي في الماضي لم يكن يصل إلى أسماع الناس في البلد أو المنطقة التي اقترف فيها إلا بعد أسابيع أو أشهر إن لم يكن بعد سنوات. في حين أن صدى أيّ فعل يتسم بالعنف اليوم، إرهابيًا كان أم لم يكن، ينتشر في الثانية التي تلي اقترافه في أرجاء الكرة الأرضية كلها. ومن هنا اكتسب الإرهاب طابعًا دوليًا بحيث صارت الدول الكبرى تبرر حروبها المتوالية خارج حدودها باسم القضاء على الإرهاب من أجل أمن شعوبها، مثلما صارت الدول الصغرى تتخذ من حربها ضد الإرهاب حجة تراها صالحة ومبررة لقمع شعوبها.

* في كتابه حول تاريخ التعذيب في الإسلام بدا الهادي العلوي وكأنما يوجه للإسلام صفة الإرهاب ضمنًا..لِمَ يتهم الدين دومًا بالإرهاب بعيدًا عن الدوافع الأخرى؟

** ربما كان بوسع مؤلف كتاب “الحرب المقدسة، الاستشهاد والإرهاب”، لو علم بكتاب الهادي العلوي الذي تشيرين إليه، أن يعتمده مرجعًا للتوسع في بحثه الذي كتبه كملحق للطبعة الفرنسية والذي سيجده القارئ العربي في الطبعة العربية. ذلك أنه أراد بهذا البحث كما أرى أن يدفع عن نفسه تهمة تنزيه الأديان الأخرى، سؤالك يستدعي توضيحًا هامًّا. لا يجري الحديث بالضرورة عن الدين كدافع للإرهاب بحيث يمكن في هذه الحالة أن نتساءل عن إمكان وجود دوافع أخرى غير دينية. إذ حتى لو كانت الدوافع هي التوسع أو الاستعمار أو التسلط، كان الدين، أو بالأحرى المفاهيم اللاهوتية في تأويلاتها المختلفة للنصوص المقدسة، تستخدم لتبرير هذه الدوافع كما سبق وأشرت إلى حديث المؤلف عن خطاب جورج بوش قبيل غزو العراق وتبريرًا له، أو عن استخدام الثورة الفرنسية مفاهيم لاهوتية تعود إلى القرن الحادي عشر.

ليفانت – خاص 

شاهد أيضاً

محمد محمود بشار

سقوط المؤسسات الإعلامية أمام الكورونا

من الذي يتحدّى الكوروونا؟ في زمن الكورونا لا وجود للرحمة. إنه الخوف فقط من موت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.