بسام سفر
بسام سفر

خرق تطبيعي على أعتاب السودان

تبدو عمليات التطبيع مع العدو الصهيوني في الشكل, وكأنها تجري من خلال توريط قيادات عربية جديدة في دعم نتنياهو انتخابياً عبر الهيمنة السياسية “السوقية” في الحياة السياسية العربية العامة من خلال استغلال البلدان الفقيرة والمأزومة داخلياً بسبب الحاجة إلى ميزانيات خاصة بعد سرقة ميزانياتها لسنوات من قبل الديكتاتور وحاجاتها إلى رفع العقوبات الأمريكية عنها, ولا غرابة في ذلك, إذ أن بلد مثل روسيا يسعى دائماً لرفع العقوبات الأمريكية والأوروبية عنه, لكن أن يكون مفتاح رفع العقوبات شخصية صهيونية مثل “بنيامين نتنياهو” التي آخر همها دعم السودان لدى الإدارة الأمريكية, فالقضية بالنسبة له أولاً زيادة الأسهم الناجحة في حملته الانتخابية للحصول على الأكثرية في الكنيست القادمة.

من هذه البوابة جاء لقاء عنتيبي في أوغندا بين رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان مع رئيس حكومة تصريف الأعمال في “إسرائيل” نتنياهو, وتعزيز الحضور الإسرائيلي في القارة السمراء، وعدم مواجهة “صفقة القرن” عربياً.

إن عسكر السودان في سدة السلطة السياسية كما كل عسكر في أي بلد, فلا هم سياسيين, ولا هم حقوقيين إنسانيين، وإنما أداة يلعب بها الخارج, فلا هم قادرون على رفع اسم بلادهم من قائمة الإرهاب الأمريكية، ولا هم قادرون على دفع بلادهم بالعمل خطوة نحو زيادة النمو الاقتصادي, والخروج من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودان, وفي المقدمة منها “أزمة الوقود” خلال هذه الفترة حيث طوابير السيارات أمام محطات الوقود في العاصمة “الخرطوم” وغيرها من مدن البلاد. فالأزمة الاقتصادية تخلق التشويش لدى مركز صناعة القرار السياسي في السودان الأمر الذي يضع هذا القرار بين حجري رحى الابتزاز السياسي والتنازلات المؤلمة, ويضاف إلى ذلك عودة السودان للتفاعل مع المجتمع الدولي بعد العزلة الطويلة من حكم الديكتاتور عمر البشر.

هذه أهم أسباب البرهان, فما هي دوافع نتنياهو خارج العملية الانتخابية حيث تورد ذلك صحيفة “يديعوت أحرونت” العبرية مساء الاثنين 3/2/2020, عن مصدر إسرائيلي لم تسمه أن “لقاء نتنياهو البرهان يمكن أن يقود لمرور الرحلات الجوية الإسرائيلية فوق السودان”, وذلك يقلص عدد ساعات السفر إلى البرازيل وأمريكا الجنوبية ثلاث ساعات.

ويرغب نتنياهو أن يعيد (7) آلاف لاجئ سوداني يتواجدون في إسرائيل لبلادهم, واستغلال الموقع الجيوسياسي للسودان في العمق الإفريقي برغبة تجفيف بؤرة احتمالات المواجهة الشعبية الرافضة لصفقة القرن الأمريكية. اللقاء فرض حركة سياسية عميقة بين القوى السياسية في السودان المشاركة في الحكومة الانتقالية خصيصاً أن رئيس الحكومة عبد الله حمدوك سارع إلى نفي علمه واستشارته قبل اللقاء في بيان صدر مساء الاثنين 3/2/2020.

وكانت قوى “الحرية والتغيير, (الشريك المدني خلال الفترة الانتقالية)” قد وصفت اللقاء بأنه يشكل “تجاوزاً كبيراً للسلطة التنفيذية وانفرداً بالقرار السياسي للبلاد, وأنه يعيد رسم تشكيل المشهد السوداني داخلياً, وعلى ما يبدو أن السيناريوهات الكارثية ستكون الأعلى حظاً من خلال ارتفاع معدلات الاستقطاب والاحتقان الداخلي, وانعكاس ذلك في إعادة خارطة التحالف الوطنية من جديد تستند إلى الموقف من التطبيع مع إسرائيل”.

وجاءت ردت فعل مدير السياسية الخارجية للمجلس السيادي في السودان رشاد فرح الطيب السراج في تقديم رسالة استقالة قال فيها: “بعد سنوات حافلة بالعطاء, أجد اليوم عسيراً ومستحيلاً على نفسي الاستمرار في موقعي, إذ يتعين على أن أخدم في حكومة يسعى رأسها للتطبيع والتعاون مع الكيان الصهيوني, الذي يحتل القدس الشريف ويقتل أهلنا في فلسطين ويعربد في وطننا العربي دون رادع”.

وأصدر تجمع المهنيين السودانيين بياناً جاء فيه أن “الذي ابتدر ونسق مواكب التنحي التي قادت نهاية المطاف لعزل الرئيس عمر البشير, إن تبني القوات المسلحة مخرجات عنتيبي يعد تجاوزاً آخر أكثر خطورة وانحرافاً مريعاً عن مجرى الثورة وأهدافها”.
ونبّه البيان إلى أن “تدخل الجيش يخل بقوميته وحياده ويخرج عن مهامه للتدخل السافر وغير المقبول في الحياة السياسية والسلطات المدنية مما يهدد الفترة الانتقالية والوثيقة الدستورية”.

وطالب التجمع البرهان الفصل بين مهامه وموقعه داخل مجلس السيادة من جانب, وموقعه داخل القيادة العامة للقوات المسلحة والابتعاد عن استخدام الجيش كذراع سياسي”.
ورفض حزب الأمة القومي أحد أكبر الأحزاب في التحالف هذا التوجه على لسان زعميه الصادق المهدي في مؤتمر عقده الخميس بتاريخ6/2/2020, قال فيه: أن” أي اتجاه للتطبيع مع إسرائيل هو قضية خلافية لا يجوز طرحها في فترة انتقالية بمهام محددة”.

وأضاف المهدي أن “الرجوع للحق فضيلة, وهذا ما ننشده من البرهان, وإدخال الجيش في المسألة غلط كبير”.
ومن جانبه أعلن الناطق باسم الحزب الشيوعي السوداني فتحي الفضل أنه “ليس من المهم إن كانت الحكومة تعلم بشكل مسبق باللقاء، بل يجب على الحكومة والنظام ومجلس السيادة السوداني أن يوضحوا أذا كانوا الشركاء في مشروع بيع القضية الفلسطينية بمقابل حفنة من الدولارات”.

وتساءل الفضل, من يحكم السودان ومن هو المسؤول عن السياسة الخارجية ؟!.

وأصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني بيان وصفت فيه اللقاء أنه: “أتى لإنقاذ وجلب التأييد لصفقة القرن الأمريكية ولتصفية القضية الفلسطينية بالكامل, وجر الحكومات العربية للمشاركة في المشروع الإمبريالي في المنطقة, ولإيقاف نضال الشعوب العربية في العراق ولبنان والسودان والأردن”.

وأضافت اللجنة أن “لقاء البرهان ونتنياهو امتداد لمحاولات النظام البائد التطبيع مع إسرائيل”.
ودعت اللجنة إلى أوسع مقاومة جماهيرية لرفض هذه الخطوة وكل ما يرهن إرادة الدولة للخارج.

وعقدت الأحزاب العروبية (البعث العربي الاشتراكي, البعث السوداني, الحزب الوحدوي الناصري) مؤتمراً صحفياً الخميس6/2/2020, أكدت فيه رفضها للتطبيع, وأشارت إلى أنها تعتمد نفي رئيس الوزراء علمه بلقاء عنتيبي لحين ثبوت العكس.
وكان حزب المؤتمر الوطني المنحل (حزب البشير) وحزب المؤتمر الذي أسسه الراحل حسن الترابي قد رفضا لقاء عنتيبي وأي مساع للتطبيع مع تل أبيب في بيانات خاصة بهم.

فيما نظم محتجون بالقرب من القصر الرئاسي في الخرطوم نهار الأحد 10/2/2020, مظاهرات رفضاً للقاء البرهان نتنياهو، ورفع المشاركون في التظاهرات لافتات رافضة لحظة السلام الأميركية, كما هتفوا بشعارات مناوئة للبرهان والحكومة الانتقالية.
وذكر مراسل وكالة الأناضول أن المتظاهرين رددوا شعارات من قبيل “مش حنسلم.. مش حنبيع”.

وكان تيار ما يعرف بـ”دولة القانون ونصرة الشريعة” في السودان، ومجموعة “سودانيون ضد التطبيع” خرجوا في مظاهرات وسط الخرطوم, رفضاً لأي خطوة للتطبيع مع إسرائيل، وقد دعت مجموعة “سودانيون ضد التطبيع” إلى حملة شعبية لجمع مليون توقيع كمرحلة أولى لإعداد مذكرة تقدم لمجلس السيادة الانتقالي, تطالب رئيسه بعدم المضي قدماً في خطوات أخرى للتطبيع مع دول الاحتلال.

وبمقابل كل هؤلاء وقف الحزب الجمهوري المنضوي تحت الائتلاف الحاكم إلى جانب البرهان حيث أصدر بيان الخميس6/2/2020, قال فيه” نعم للسلام والتطبيع مع إسرائيل على أن يأتي من باب المؤسسة وليس الفرد”.
وأشار زعيم الجمهوريين محمود محمد طه إلى أنه دعا” للصلح مع إسرائيل قبل أكثر من نصف قرن”.

ودان وزير خارجية السودان الأسبق الدردري محمد أحمد اللقاء في مقال وزعه على وسائل الأعلام قائلاً: “إن رفع العقوبات الأمريكية عن السودان يحتاج أن يكون الضامن الولايات المتحدة الأمريكية, فيحضر (وزير الخارجة مايك بومبيو) في لقاء عنتيبي وتلتزم واشنطن برفع العقوبات عن السودان و ليس نتنياهو؟!”.
وأضاف أنه “لا يمكن أن يحدث شيء من هذا- يقصد رفع العقوبات- بسبب أن ترتيبات من هذا النوع تحتاج إلى موافقة الكونغرس الأمريكي”.

إن الخرق الجديد الذي حققه نتنياهو في التطبيع المجاني مع عبد الفتاح البرهان لا يشترط انجاز في التسوية السياسية حتى لو كان في شرط مثل “وقف الاستيطان”.
هذا ما يشجع الإسرائيليين على التشدد في عدم تنفيذ أي مطلب فلسطيني, وإنما يصبح التطبيع مقابل تسهيلات تقدمها حكومة العدو مع الإدارة الأميركية التي تعطي شرعية الاستمرار في حكم السودان.

فالوضعية الجديدة لأنظمة الضعف العربي في مرحلة الفوضى التي تعيشها المنطقة العربية تدفع بها إلى تسول شرعيتها من الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأميركية, وبقية الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بسبب عدم امتلاكها الشرعية من قبل شعوبها؟!.
ويعد الكيان الصهيوني مدخلاً مفضلاً عند هذه الأنظمة لحيازة هذه الشرعية, لذلك يأتي التطبيع وفق مبدأ إعادة شرعنة هذه الأنظمة في ظل ما يجري في المنطقة.

إن بدايات الحراك الشعبي السوداني ضد التطبيع مع موقف القوى والأحزاب المناهضة له, ربما تكون رافعة نحو تجذر الموقف الرسمي الحكومي من قضية التطبيع, وحصره الآن على صعيد البرهان, وليس العمل على أنه اتفاق متكامل على الحكومة السودانية.
أخيراً في زمن الفوضى وانحطاط الأنظمة العربية وتكالبها على الشرعنة الخارجية هل يستطيع التطبيع دفع القوى السياسية والأحزاب والجمهور لمنع الانبطاح من أجل الاستمرارية في الحكم؟!.

بسام سفركاتب وصحفي سوري

شاهد أيضاً

د. إبراهيم بن جلال فضلون

حظر تجول، فكُن مسؤولاً، وخليك بالبيت

ليس بجديدٍ حظر التجوّل على التاريخ العربي الإسلامي، فأول من اخترع وسنّ قانون حظر التجوّل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.