حراس هيكل النار “المجوس”

الدكتور حذيفة المشهداني
الدكتور حذيفة المشهداني

عندما سقطت امبراطورية فارس اجتمع حراس هيكل النار من دهاقنة المجوس فاجتمع الرأي على الثار من العرب والاسلام معاً فكان القرار «تفريس الإسلام عبر تشييع العرب».

ومن تلك اللحظة بدأت زراعة البذور الأولى وظلت عوامل الصراع تتفاعل حتى نضجت في بداية العصر الأموي الذي شهد ظهور أولى ملامح الحركة الشعوبية، والشعوبية حركة اجتماعية قومية ظهرت بوادرها في العصر الأموي، وظهرت للعيان في بدايات العصر العباسي. وهي حركة من يرون أن لا فضل للعرب على غيرهم من العجم.
وقد تصل إلى حد تفضيل العجم على العرب والانتقاص منهم.

جاء في القاموس المحيط أن (الشُعوبي بالضم محتقر أمر العرب وهم الشعوب». وقال عنها القرطبي هي حركة «تبغض العرب وتفضل العجم» وقال الزمخشري في أساس البلاغة: «وهم الذين يصغّرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلاً على غيرهم». وتعرف الموسوعة البريطانية الشعوبية بأنها كل اتجاه مناوئ للعروبة.

كان الشعوبيون يتمسكون بهذه الآية من القرآن: ”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.
وهكذا كان الشعوبيون يسمون حركتهم “حركة التسوية” (التسوية بين حقوقهم وحقوق العرب). ويرى المفكر الإسلامي الإيراني علي شريعتي أن الحركة الشعوبية تحولت تدريجياً من حركة تسوية إلى حركة تفضيل العجم على العرب وعملت عبر ترويج المشاعر القومية وإشاعة اليأس من الإسلام إلى ضرب سلطة الخلافة.

ويشرح الدكتور علي شريعتي عن الحركة الصفوية ويؤكد استنادها إلى مبدأ “الشعوبية” فيقول:
«وبغية ترسيخ أفكارها وأهدافها في ضمائر الناس وعجنها مع عقائدهم وإيمانهم عمدت الصفوية إلى إضفاء طابع ديني على عناصر حركتها وجرّها إلى داخل بيت النبي إمعاناً في التضليل ليتمخض عن ذلك المسعى حركة شعوبية شيعية، مستغلة التشيع لكي تضفي على الشعوبية طابعاً روحياً ساخناً ومسحة قداسة دينية، ولم يكن ذلك الهدف الذكي متيسراً إلا عبر تحويل الدين الإسلامي وشخصية محمد وعلي إلى مذهب عنصري وشخصيات فاشية، تؤمن بأفضلية التراب والدم الإيراني والفارسي منه على وجه الخصوص»

والجدير بالذكر أن الشعوبية أول ماظهرت بين الفرس لأنهم أول من دخل الإسلام من غير العرب وكانت النزعة الشعوبية واسعة وقوية بين الفرس بسبب هزيمتهم التاريخية أمام العرب وكان شعورهم بالاستعلاء يعمّق نزعة التعصب لديهم بعد أن قام المسلمون ممثلون بالعرب بالسيطرة على بلادهم، كما أن الفرس قد دخلوا الإسلام بأعداد هائلة فتشكلت منهم أكثرية عددية بين الموالي.

اتخذت الحركة الشعوبية من الآداب وسيلة لزرع بذور العنصرية والكراهية في نفوس أبناء أمتها تجاه العرب خاصة والإسلام عامة وكان الشعر أحد أهم أفروع الآداب المستخدمة في هذا الإطار لكونه الأكثر التصاقاً في عقول القراء والمستمعين والأسهل حفظاً في الذاكرة، ومن أعمدة الأدب الشعوبي،الفردوسي والخيام وأبي مسلم الخراساني وأبي بكر الخرمي والرودكي ومحمود الغزنوي.

وقد قام محمود الغزنوي في القرن الثالث الهجري بتكليف الشاعر الشعوبي أبو القاسم الفردوسي بكتابة قصائد شعرية يمجّد فيها تاريخ فارس وحضارتها، وقد تعهد له بأن يعطيه وزن ما يكتبه ذهباً وعلى هذا الأساس وضع الفردوسي ملحمته وأسماها الشاهنامة (سير الملوك)، ووضع جلها في شتم العرب وتحقيرهم وتمجيد الفرس وملوكهم ومما يقوله الفردوسي في “الشاهنامة”: «من شرب لبن الإبل وأكل الضب؟ بلغ العرب مبلغاً أن يطمحوا في تاج الملك؟ فتباً لك أيها الزمان وسحقاً».

والفردوسي هو نفسه صاحب المقولة الشهيرة (الكلب في بلاد فارس يلعق الثلج في أصفهان والعرب تأكل الجراد في الصحراء)

واليوم في زمن الخامنئي يقول الشاعر الفارسي «مصطفى باد كوبة ئي»مخاطبا الله

(خذني إلى أسفل السافلين أيها الإله العربي شريطة ألاّ أجد عربياً هناك،
فأنا لست بحاجة لجنة الفردوس،
ألم تقل أنت إن الأعراب أشد كفراً ونفاقاً؟
فلماذا يثني السفهاء على العرب؟)..!!

وليس بعيداً عن ذلك ما قاله رئيس تحرير وكالة “مهر للأنباء الإيرانية – حسن هاني زاده – وهو يهاجم العرب واصفا إياهم بـ” العربان” داعياً العراق للوحدة مع إيران وترك العروبة المزيفة الجاهلية وتراب الذل العربي وتغيير ملابسهم بعيداً عن “الدشداشة والكوفية”.

ويتحدث المفكر الإيراني البارز والأستاذ بجامعة طهران (زيبا كلام) موضحاً هذا الأمر فيقول «أعتقد أن الكثير منا، سواء أكان متديناً أم علمانياً، يكره العرب» فالعربي في مخيال التيار القومي الفارسي في إيران هو ذلك «الحافي، القذر، الموبوء، البشع، صاحب الجلد الأسود، المتعطش للدماء، القاسي، المتوحش، الكريه، الشيطان، اللص، آكل النمور والسحالي، المغتصب، راكب الجمل، وائد البنات، الخادع، الجشع، الوحش، البغيض، الكاره للآخرين، البدائي، الهمجي، المثير للقرف والاشمئزاز».. (ومن هنا سنفهم أن العربي في المخيال الديني الفارسي الإيراني هو «السني، الناصبي، الأموي، العباسي، الأعرابي، المنافق، عدو آل البيت، الوهابي، الإرهابي، التكفيري…») إلى آخر هذه المنظومة من الصفات التي لا تفتأ قنوات فضائية دينية إيرانية ترددها بلغة عربية واضحة تنضح بالعنصرية الدينية المقيتة.

وهكذا وقعت صورة العربي في المخيال الفارسي بين كماشة القوميين والمتدينين على حد سواء؛ ذلك أن العربي عند «القومي الفارسي» هو السبب في دمار حضارة الفارس العظيمة يوم أن هجمت على إيران «قبائل البدو» لتقضي على «حضارة فارسية زاهرة». يقول زيبا كلام: «يبدو أننا كإيرانيين لم ننسَ بعدُ هزيمتنا التاريخية أمام العرب ولم ننسَ القادسية بعد مرور 1400 عام عليها، فنخفي في أعماقنا ضغينة وحقداً دفينين تجاه العرب وكأنها نار تحت الرماد قد تتحول إلى لهيب كلما سنحت لها الفرصة».

أما المتدين الفارسي فإن كتب التراث الشيعي الإيراني تعج بكميات هائلة من النصوص التي تظهر بمظهر ديني، غير أنها في واقع الأمر ذات محتوى عنصري قومي واضح وشعوبية لا تخطئها العين ضد العرب.

ويكفي أن نعرف أن «الإمام المهدي حال خروجه يقتل تسعة أعشار العرب» عند أصحاب «نظرية الإمام الغائب» الذين يبدو أنهم جعلوا المهمة الكبرى للمهدي هي الانتقام من العرب الذين فتحوا إيران للإسلام، في تناقض واضح بين قيام أسس التشيع الإيراني على محبة «أهل البيت» الذين هم عرب، وارتكاز هذا التشيع على كراهية العرب ككيان عرقي، حتى إن – زيبا كلام – يجعل كراهية الفرس لـ«أهل السنّة» كطائفة دينية ناشئة أصلاً من كراهية الفرس للعرب ككيان قومي فيقول زيبا كلام: «إن الحقد والضغينة تجاه السنّة ورموزهم لدى الكثير من الإيرانيين هما في واقع الأمر الوجه الآخر للحقد على العرب (الذين يعبر عن كراهيتهم) على شكل لعن أهل السنّة».

من هنا صار واضحاً جوهر الصراع وخلفياته التاريخية ومن هنا نفهم كيف نجحت إيران في احتلال أربع عواصم عربية دون رصاصة واحدة.

ليفانتحذيفة المشهداني