السوريون.. بين سميردياكوف وإيفان كارامازوف

السورييون بين سميردياكوف وإيفان كارامازوف
السورييون.. بين سميردياكوف وإيفان كارامازوف

أقول للأصدقاء على الدوام، بأن الأدب، وبشكل خاص الرواية العظيمة هي مثل الماء الذي يقوم بفعل الحياة على الدوام. لذا أجدني واقفاً أمام تلك التحف الأدبية العظيمة، التي تعيد للإنسان وحدة وجوده وكذلك تَماثُل مصيره رغم تشعباته المعقدة.

ككاتب سوري، عاجز أنا عن فهم الحاضر على أساس الوقائع التي تحدث على الأرض في معظم المستويات ومهما بلغ وضوح بعضها. فالواقع الحالي لا يلقي الضوء على الكثير من الجوانب الأخرى داخل المجتمع السوري الذي يحلو لي لأقول أنه معقّد بما يكفي ولا يمكن اختصاره بالحرب الجارية والتناقضات التي تفرزها، وكذلك لا يمكنني ككاتب أن أبني مستقبل سوريا والسوريين فقط وفق ما ينضح الحاضر به.

لا يمكن التعامل مع الأمور وفق القالب أو الصيغة المألوفة وحسب، بل ينبغي البحث في أمور تتجاوز عملية تحويل الحدث إلى خبر أو مقال إعلامي أو استنباط موقف سياسي منه، بالمختصر أعني أنه ينبغي البحث في فيزيولوجية الحدث بذاته. أن الوضع القائم في سوريا منذ سنوات الحرب والتي هي نتاج قديم يتجاوز الخمسين سنة المفترضة في عقول الكثير من السوريين الذي يجهدون لتحويل المشكلة إلى بسيطٍ مفهومٍ، وبذلك يمكنهم إلصاقه بأيّ شخص مذنب أو يمكنهم تحويل أيّ شخص إلى مذنب مكتفيين بمسّلمات خالدة تصلح لكل زمان ومكان.

لذا أجدني مندفعاً إلى الساحة الخلفية من كلّ هذا، وأجدني دوماً أقف عند النتاجات العظيمة في الأدب والشعر الملحمي التي تفسِّر، رغم قِدمها، معظم ما يحدث في الوقت الحالي، وتنبئاً بالمستقبل كذلك. يبدو لي أن الانفعالات الرئيسية التي تحرّك المشهد السوري بشكل فعّال منذ سنوات الحرب هي القتل وتمنّي القتل لأحدهم، والثانية تسبق الأولى بالضرورة إن تحدثنا عن العقل الجمعي. هذه الرؤية تعيدني إلى دوستويوفسكي الذي اهتم بهذه الثنائية في العديد من الروايات بشكل ملحوظ، أهمّها الشياطين والإخوة كارامازوف، وبشكل ملفت يدعو للشك، كما خمّن فرويد، أنه كان يعاني منها هو بذاته.

سنركز على حادثة قتل الأب في رواية الأخوة كارامازوف، متجاوزين التفسيرات والشروحات التي طالت الحادثة في العديد من الدراسات النقدية، مكتفياً باستخدام القالب الذي صاغه دوستويوفسكي بما يتناسب مع غايتي. طرفي الحادثة هما: الإبن غير الشرعي “الخادم سميردياكوف” الذي يعاني من تصرفات وتجاهل والده له وينتهي الأمر بقتله لوالده، وكذلك وجود شخصية إيفان كارامازوف الذي تعتليه رغبة قتل والده باستمرار دون أن يقتله بالفعل، مكتفياً بإيجاد الكثير من الأسباب المنطقية لقتل والده.

هذه الحادثة تشدّني إليها الآن أكثر من أي وقت مضى وأنا أرى السوريين وأتابع أنفاسهم وكتاباتهم وفنّهم وبوستاتهم، وكذلك لا أجدني بعيداً عما يحدث، دون الحاجة إلى فرويد ليحلل رغبة القتل المتواجدة في دواخلنا اتجاه الآخر الذي لا يمكن أن نقتله/ أو أقتله أنا فعلاً. كيف يمكننا البحث في هذه الحادثة انطلاقاً من الواقع والسياق السوري. حسناً، يمكنني اعتبار أن سميردياكوف لا يمثل سوى المقاتلين السوريين في كلّ جبهة وقد تحولوا إلى أبناء غير شرعيين لسوريا، يخدمونها بغير إرادتهم، أو هذا ما أصبحوا عليه بعد أن تعبوا في خدمة الأب الجاحِد/سوريا، وفي الوقت نفسه يتجهزون لقتله، ولا حاجة للبحث في الأسباب والدوافع هنا، لأنه، نفسياً، هناك دوماً دوافع كافية ومنطقية من أجل القتل!. هؤلاء الأبناء غير الشرعيين يعرفون أنهم غير شرعيين، لا يخجلون أو يتخوفون مما يقومون به ويخططون له، ولهم من الوقاحة الوحشية ما تهزّ السّماوات. وفي الطرف الآخر من هذه الفئة، لدينا ملايين من السوريين الذين لا يمثّلهم سوى إيفان كارامازوف مع كلّ الرغبة الجامحة التي تعتليه في كلّ حين من أجل قتل والده دون أن يقوم بالفعل في النهاية، ويعوضها بانفعالاته الهدّامة وكأنه على وشك، ليس لقتل والده وحسب، بل قتل أيّ كان.

إن الرغبة في القتل لا تقل عن هَولِ القتل بذاته، بل تكون أكثر تهديماً وتتغلغلُ في تفاصيل الأفعال الحياتية اليومية وكذلك في الكتابات والنقاشات الأدبية، السياسية، الفكرية والاجتماعية منها، وفي كلّ حين ينبض رغبة قتلِ الإنسان، الحيوان، النبات، الكتب، الموسيقا فيهم. يبدو أن رغبة أو تمني قتل أحدهم لا تتوقف عند المُراد قتله، بل تتعداه إلى الآخرين كذلك، بينما قاتل شخص بعينه لا يقتل إلا هدفه!.

يقول سميردياكوف لإيفان بعد أن قتلَ والده: ( القاتل الرئيسي هو أنت، وليس أنا، وإن كنت أنا قد قَتلتُ). ويبدو لنا بكل بساطة بأن الإيفانيين من السوريين داخل سوريا أو على أطرافها وفي مختلف أصقاع أوروبا متورطون وسيتورطون في قتلٍ مديدٍ ومتوسِّعٍ وسيعملون جاهدين لخلق الأبوة لكلّ شيءٍ وتجهيزه من أجل القتلِ لاحقاً على يد الأبناء غير الشرعيين في سوريا ممن لن يتوقف ولادتُهم في المجتمع السوري في السنوات الطويلة القادمة.

وإن تجرأت وتحدثت عن إصلاح ما حدث ويحدث، لا يمكنني إلا اللجوء إلى مصير راسكولينيكوف في رواية الجريمة والعقاب، وكذلك إلى نصائح الأب زوسيما في رواية الأخوة كارامازوف.

ريدي مشوكاتب 

أقول للأصدقاء على الدوام، بأن الأدب، وبشكل خاص الرواية العظيمة هي مثل الماء الذي يقوم بفعل الحياة على الدوام. لذا أجدني واقفاً أمام تلك التحف الأدبية العظيمة، التي تعيد للإنسان وحدة وجوده وكذلك تَماثُل مصيره رغم تشعباته المعقدة.

ككاتب سوري، عاجز أنا عن فهم الحاضر على أساس الوقائع التي تحدث على الأرض في معظم المستويات ومهما بلغ وضوح بعضها. فالواقع الحالي لا يلقي الضوء على الكثير من الجوانب الأخرى داخل المجتمع السوري الذي يحلو لي لأقول أنه معقّد بما يكفي ولا يمكن اختصاره بالحرب الجارية والتناقضات التي تفرزها، وكذلك لا يمكنني ككاتب أن أبني مستقبل سوريا والسوريين فقط وفق ما ينضح الحاضر به.

لا يمكن التعامل مع الأمور وفق القالب أو الصيغة المألوفة وحسب، بل ينبغي البحث في أمور تتجاوز عملية تحويل الحدث إلى خبر أو مقال إعلامي أو استنباط موقف سياسي منه، بالمختصر أعني أنه ينبغي البحث في فيزيولوجية الحدث بذاته. أن الوضع القائم في سوريا منذ سنوات الحرب والتي هي نتاج قديم يتجاوز الخمسين سنة المفترضة في عقول الكثير من السوريين الذي يجهدون لتحويل المشكلة إلى بسيطٍ مفهومٍ، وبذلك يمكنهم إلصاقه بأيّ شخص مذنب أو يمكنهم تحويل أيّ شخص إلى مذنب مكتفيين بمسّلمات خالدة تصلح لكل زمان ومكان.

لذا أجدني مندفعاً إلى الساحة الخلفية من كلّ هذا، وأجدني دوماً أقف عند النتاجات العظيمة في الأدب والشعر الملحمي التي تفسِّر، رغم قِدمها، معظم ما يحدث في الوقت الحالي، وتنبئاً بالمستقبل كذلك. يبدو لي أن الانفعالات الرئيسية التي تحرّك المشهد السوري بشكل فعّال منذ سنوات الحرب هي القتل وتمنّي القتل لأحدهم، والثانية تسبق الأولى بالضرورة إن تحدثنا عن العقل الجمعي. هذه الرؤية تعيدني إلى دوستويوفسكي الذي اهتم بهذه الثنائية في العديد من الروايات بشكل ملحوظ، أهمّها الشياطين والإخوة كارامازوف، وبشكل ملفت يدعو للشك، كما خمّن فرويد، أنه كان يعاني منها هو بذاته.

سنركز على حادثة قتل الأب في رواية الأخوة كارامازوف، متجاوزين التفسيرات والشروحات التي طالت الحادثة في العديد من الدراسات النقدية، مكتفياً باستخدام القالب الذي صاغه دوستويوفسكي بما يتناسب مع غايتي. طرفي الحادثة هما: الإبن غير الشرعي “الخادم سميردياكوف” الذي يعاني من تصرفات وتجاهل والده له وينتهي الأمر بقتله لوالده، وكذلك وجود شخصية إيفان كارامازوف الذي تعتليه رغبة قتل والده باستمرار دون أن يقتله بالفعل، مكتفياً بإيجاد الكثير من الأسباب المنطقية لقتل والده.

هذه الحادثة تشدّني إليها الآن أكثر من أي وقت مضى وأنا أرى السوريين وأتابع أنفاسهم وكتاباتهم وفنّهم وبوستاتهم، وكذلك لا أجدني بعيداً عما يحدث، دون الحاجة إلى فرويد ليحلل رغبة القتل المتواجدة في دواخلنا اتجاه الآخر الذي لا يمكن أن نقتله/ أو أقتله أنا فعلاً. كيف يمكننا البحث في هذه الحادثة انطلاقاً من الواقع والسياق السوري. حسناً، يمكنني اعتبار أن سميردياكوف لا يمثل سوى المقاتلين السوريين في كلّ جبهة وقد تحولوا إلى أبناء غير شرعيين لسوريا، يخدمونها بغير إرادتهم، أو هذا ما أصبحوا عليه بعد أن تعبوا في خدمة الأب الجاحِد/سوريا، وفي الوقت نفسه يتجهزون لقتله، ولا حاجة للبحث في الأسباب والدوافع هنا، لأنه، نفسياً، هناك دوماً دوافع كافية ومنطقية من أجل القتل!. هؤلاء الأبناء غير الشرعيين يعرفون أنهم غير شرعيين، لا يخجلون أو يتخوفون مما يقومون به ويخططون له، ولهم من الوقاحة الوحشية ما تهزّ السّماوات. وفي الطرف الآخر من هذه الفئة، لدينا ملايين من السوريين الذين لا يمثّلهم سوى إيفان كارامازوف مع كلّ الرغبة الجامحة التي تعتليه في كلّ حين من أجل قتل والده دون أن يقوم بالفعل في النهاية، ويعوضها بانفعالاته الهدّامة وكأنه على وشك، ليس لقتل والده وحسب، بل قتل أيّ كان.

إن الرغبة في القتل لا تقل عن هَولِ القتل بذاته، بل تكون أكثر تهديماً وتتغلغلُ في تفاصيل الأفعال الحياتية اليومية وكذلك في الكتابات والنقاشات الأدبية، السياسية، الفكرية والاجتماعية منها، وفي كلّ حين ينبض رغبة قتلِ الإنسان، الحيوان، النبات، الكتب، الموسيقا فيهم. يبدو أن رغبة أو تمني قتل أحدهم لا تتوقف عند المُراد قتله، بل تتعداه إلى الآخرين كذلك، بينما قاتل شخص بعينه لا يقتل إلا هدفه!.

يقول سميردياكوف لإيفان بعد أن قتلَ والده: ( القاتل الرئيسي هو أنت، وليس أنا، وإن كنت أنا قد قَتلتُ). ويبدو لنا بكل بساطة بأن الإيفانيين من السوريين داخل سوريا أو على أطرافها وفي مختلف أصقاع أوروبا متورطون وسيتورطون في قتلٍ مديدٍ ومتوسِّعٍ وسيعملون جاهدين لخلق الأبوة لكلّ شيءٍ وتجهيزه من أجل القتلِ لاحقاً على يد الأبناء غير الشرعيين في سوريا ممن لن يتوقف ولادتُهم في المجتمع السوري في السنوات الطويلة القادمة.

وإن تجرأت وتحدثت عن إصلاح ما حدث ويحدث، لا يمكنني إلا اللجوء إلى مصير راسكولينيكوف في رواية الجريمة والعقاب، وكذلك إلى نصائح الأب زوسيما في رواية الأخوة كارامازوف.

ريدي مشوكاتب 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit