الحب والحرية ليسا أيديولوجيا!
الحب والحرية ليسا أيديولوجيا!

الحب والحرية ليسا أيديولوجيا!

لا حب بلا حرية! جملة منفية في شطري كليّاتها، ونفي الحب هنا باشتراط الحرية يعيدها للتكون الأول، ما يسمى كلية موجبة وفق المنطق الصوري، والذي يعني بالاستقراء تلازم الحب والحرية. فهل الحب فلسفة حتى نعالجه وفق احدى مناطق الفلسفة؟ وهل يحتاج الحب كمشاعر إنسانية بالفطرة لأيديولوجيا تنازعه الاعتراف أو النفي؟

قلوب حمراء، ورود حمراء، “دبب” حمراء وملونة تغزو العالم، وتتزايد معه وتيرة الصور العشقية في يوم محدد من العام سمي تاريخياً عيد الحب أو عيد العشاق! وكأنه محصور فقط بين عاشقين أو حبيبين! فإن كانت هذه الاحتفالات حق في المبدأ لكل فردين، لكن ثمة ما يمكن أن ندرجه بين قوسين في المعنى والحضور العام الوجودي للإنسان. فبغض النظر عن تاريخي احتفال الكنائس المسيحية باختلاف مرجعيتها الدينية والقدسية بين 14 فبراير/شباط أو 30 يوليو/تموز من كل عام بعيد الحب والذي بات عيداً عالمياً تمارسه غالبية سكان المعمورة، إلا أنه يوم ذو دلالة إنسانية ومعرفية، حيث يخلد التاريخ إعدام الرومان في القرن الثالث الميلادي للقس المسيحي فالنتاين (Valentinius) الذي خالف تعاليم الإمبراطورية الرومانية التي تمنع الديانة المسيحية بالأساس، ومن ممارسة أحد أسرارها، وهو سر الزواج أو الحب.

المنع، الحجر، النفي الكلي، والنفي ليس لغة في المنطق وحسب، بل أيديولوجيا نفي الحياة وحرمان استمرارها هو الذي أودى بحياة القديس فالنتاين؛ والنفي الكلي ضد الحرية وبالضرورة الحب. فحيث مارس ويمارس البشر مشاعر الحب بكونها مشاعر طبيعية ليست حكراً على مذهب ديني أو سياسي أو فكري، وليست صفة لجنس دون غيره، فتلك المشاعر الموجودة مع وجود الإنسان في طبيعته الانطولوجية الأولى، وربما يذهب بعض علماء التطور للقول أنها موجودة مع الخلايا الأولى للحياة قبل صيرها على شكل إنسان نعرفه اليوم جيداً؛ وبالضرورة موجودة قبل فالنتاين وقبل تعاليم الرومان ذاتها ولا زالت موجودة لليوم، ويستحق عيشها كل إنسان مهما كانت صفته أو مذهبه أو حيز وجوده، فلما هذه الضجة حولها، ولما هذه المقالة أصلاً؟
إذا كانت الميزة الفارقة بتاريخ تَشكُل البشر هو شكل الحكم، والحكم يحيل للسلطة مانحة كانت أو مانعة، قسرية أو توافقية، هي الموقعة التاريخية التي تكونت حولها حلقات التحرر والتطور في الفكر البشري وانماط حياته، والتي تدرجت في التاريخ وفق مراحل متعددة أوصلت البشرية إلى نموذجها العصري اليوم، البعيد عنا نحن القابعين في جوف التاريخ حضارةً، فالاعتراف بحق الإنسان في حريته الشخصية والعمومية، السياسية والفكرية العامة كما الشخصية، والتي تصل لدرجة حريته بانتمائه الديني أو المذهبي أيضاً هي ميزة عَقدُ سلطةٍ عن غيرها، وبالضرورة فرق بين أنماط الحياة بشطريها: الحب والحرية، عن أيديولوجيات المنع والكبت الانساني.

كُرم الإنسان بالعقل فلسفياً، وعرفت الإنسانية بالعاطفة والروح، فالإنسان حر فيما يعتقد، وحر فيما يقبل أو يرفض، وحر فيما يرى أو يكتب، هو حر فهو يحب أن يفعل هذا خلاف ذاك، أو أن يتزوج من هذا خلاف غيره، وهذه الحرية تكفلها الدساتير والقوانين الوضعية العصرية فيما يسمى دولة المواطنة، أو ما نُحبذ قوله أُمنيةً: دولة العقد الاجتماعي بالتراضي والقبول بالاختلاف والتعدد والتنوع، تلك المساحة الرحبة للإنسان فيما يسمى دولة الحريات وقد غدا الإنسان ملك ذاته الحرة دون مقصلة أو مشانق اعدام أو قطع رؤوس أو قتل جزافي فقط تحت عنوان شرقي يسمى زوراً “جريمة شرف”، فقط لأن الفتاة أحبت!

تلازم الحب والحرية هذا، رغم كل مظاهره الاحتفالية، لم تزل طرفاها مفكوكتان عن بعض، ولنقل جزماً مأسورتين بالفعل والإمكان وبالنتيجة الحياة. وتتعدد طرق الأسر الأيديولوجي تلك التي تفك بين شطري الجملة سواء تلك التي تركن لمفهوم الحرام الديني الذي يحرم المشاعر الإنسانية من جذرها ويجعلها تتعرض لعقاب سلطتها بالجلد أو التكفير، مكتفية بقالب مؤسسة الزواج سواء كان قسرياً أو رضائياً، مع ترك بوابة التفريق وفق قواعد دينية تختلف من مذهب ديني لآخر، وفي أحسن حالاتها تسمى أبغض الحلال. وتصل هذه السجون والقيود في دول الشرق الذي به نحيا، لدرجة حرمة الحب قبل الزواج وقتل الفتاة التي تحب أو تتزوج سراً من خارج طائفتها، من قبل ذهنية الأسرة البطريكية، حسب تعبير هشام شرابي، ذاتها التي أعدمت فالنتاين قبل 17 قرناً، فيما يسمى “جريمة شرف”! ونشير هنا للعديد من الدراسات والمقالات التي قد تناولت هذه الظاهرة بتكاثرها، كتلك التي انتشرت بكثرة في محافظة كالسويداء ذات الأقلية “الدرزية” تحت عنوان يتشابه في معطياته العقلية: الإكراه بالحب كما الدين ومثله السلطة.

ولم تقتصر الحالة على طرق المنع المعروفة في موروثنا الثقافي هذا بالتأخر التاريخي المرتهن لمركزية قدسية دينية أو طائفية فقط، بل وصل لدرجة استئصال أحد أطراف الحب، بالاعتقال أو التهجير القسري، فثمة الآلاف ممن حرموا الحب لأنهم حرموا حرية الوجود مبدأً، تلك التي جسدتها آلاف الكتابات على جدران البيوت بكل المحافظات السورية المنكوبة بالقتل والتهجير لليوم كرسائل إنسانية وثقافية كبرى تربط بين الحب والحرية على أنهما ثورة إنسانية، كتلك التي سجلتها جدران سراقب عام 2013 فـ”ما زال الإنسان لم يكتشف قوة الحب وعندما يكتشف تسخيرها سيعلم أنها أقوى من اكتشاف النار” أو تلك الثانية على ذات الجدران عام 2014 “الحب أقدم من الموت”، والتي تبدو بظاهرها الأول جمل بين حبيبين يعيشان لحظات الحب كما الآخرين، لكنها في العمق وارتباطها الدلالي بالحدث الكارثي السوري من قتل وتهجير دموي لتسعة أعوام خلت، ومدى ارتباط الحب بالحرية نتيجة، وارتباط كلاهما بجيل الشباب، كظاهرة عامة، الذي حاول صناعة مستقبله على ذات الحلم الذي لامسه في ثقافة العصر الحديث، ثقافة دولة المواطنة والحرية بلا استبداد أو تسلط، بلا قذائف وطائرات تقتلع البشر من جذورها، وتقتل أو تهجر احد شطري معادلة الحياة: الحب و/أو الحرية؛ وما ممارسات سلطات القهر التعسفية المبتلي به هذا الشرق المنكوب لليوم، سوى أنها حولت الحياة لسجن كبير مانع ونافٍ وحاذفٍ للحب من الوجود حين تلغي الحرية من جذرها!

الحب ليس أيديولوجيا مقننة وفق مرجعية زمنية معينة كنسية كانت أو قدسية دينية أو محلية طائفية، وأيضاً ليس صناعة سلطة بذاتها تهبه لمن تشاء وتحرمه لمن تشاء، بل هو ذاك الذي لا يفترق عن تلك الأسطورة البشرية في “الحرية”، وترابطهما دلالة تتجاوز البعد الشخصي للفرد منا إلى بعد عمومي يمثل هوية مجتمع وشكلُ دولةٍ ممكنة، وفضاء عام للعيش الكريم حيث الحب والحرية أصل الوجود الإنساني ضد كل أيديولوجيات القهر والمنع المقدسة كما السلطوية السياسية.

شاهد أيضاً

د. كمال اللبواني

فكرة التمنيع الطبيعي

جسم الإنسان لديه قدرات مناعية أساسية، تتعامل مع كل عامل غريب يدخل للجسم، وتحاول القضاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.