ماهين شيخاني
ماهين شيخاني

البيادق في الرقعة السورية

ساحتنا أصبحت طاولة الشطرنج عوضاً عن طاولة المفاوضات والحوارات والحلول للوصول إلى الإستقرار والسلم الأهلي والأمن. المتنافسون كثر واللاعبون كثر، وروسيا المشهورة والمتميزة والماهرة بهذه اللعبة، لكن خيوط الطاولة والكراسي بيد أمريكا، أن لم تعجبها أو تستمتع بها ستشد الحبال وتسقط الطاولة فوق رأس اللاعبين.
فانتقال روسيا من مكان إلى آخر وتحركها تقابلها أمريكا بتحركها وتبديل قواعدها وتوسعها من مكان إلى آخر.

إن الناظر إلى المشهد السوري وأزمتها المأساوية المستمرة منذ تسع سنوات، لا بد أن يصاب بالدوار بسبب شدة التعقيدات لتقاطع وتصادم المصالح بين مختلف اللاعبين الدوليين والإقليميين في مسرح المواجهة الإستراتيجي الأهم في الشرق الأوسط، تفاهمات بالقطعة في قضية أو في حيز جغرافي معيّن من “المسرح الإستراتيجي السوري” مقابل خلافات ولو محاصرة في أماكن أو قضايا أخرى.

في الجنوب الغربي كان هناك تفاهم روسي إسرائيلي أميركي واضح مع تأييد عربي لأن يعود الوضع في الجولان كما كان منذ فك الإرتباط بين سوريا وإسرائيل عام 1974 وحتى حدوث الإنفجار السوري عام 2011، إمساك السلطات السورية بالوضع مع ضمانات روسية سياسية وعلى الأرض أيضاً وإبعاد إيران وحلفائها بحدود المائة كلم عن الجبهة.

اتفاق على منع إيران وحلفائها من الإمساك بورقة استراتيجية هامة جداً في إطار النزاع العربي الإسرائيلي بشكل خاص والمشرق العربي بشكل عام، يعزز موقع إيران ووزنها ودورها في تلك المنطقة. مقابل ذلك وجهت روسيا رسالة حازمة وواضحة إلى إسرائيل بأن هناك خطوطاً حمراً أمام الطيران الحربي الإسرائيلي في الأجواء السورية رغم التشكيك بها فما زالت تخترق الأجواء السورية وتجول بكل أريحية.

أما في الشمال فتركيا تصول وتجول، تقضم الأجزاء السورية من حين لآخر، تحتل، وترفع أعلامها على منطقة عفرين وترسل تعزيزات إلى إدلب وتطالب موسكو بالتعهدات التي كانت في السوتشي حسب الاتفاقات التي كانت بينهم ويؤكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على أن بلاده لا يمكنها أن تسمح، ولن تسمح، بقيام أي كيان مستقل لتلك العناصر -قوات سوريا الديمقراطية وقوات حماية الشعب- على الحدود ينشأ بحكم الأمر الواقع.

لا شك أن ديناميات الميدان كانت معقدة إلى حد ما، لكنها ظلت تميل لصالح تركيا ومكنّتها من الشروع في تنفيذ عمليتها العسكرية التي أطلقت عليها اسم “نبع السلام” وباستخدام بيادقها من الفصائل المرتزقة التي كانت تطالب بالحرية والديمقراطية لسوريا، كما دسّت عناصر استخبارتية بين جميع القوى المعارضة، حتى وصول بعضهم إلى رئاسة الائتلاف.

كما أصبح “الكيلو” وغيره من اليسار المسيحي ملكيين أكثر من الملك. وغسل أدمغتهم لترك أهدافهم ومبادئهم، وإنكار حق الشعب الكوردي ووجوده، بل ومحاربتهم بتهديد فصائلهم.

 

هذا الامتداد والانتهاكات للفصائل المرتزقة، هي التي كانت تطمح إليها تركيا لتمرير مخططها إزاء الكورد، حتى الآن ولحد هذه اللحظة يتم توجيه الأهالي المشردين من إدلب إلى عفرين لإحداث تغيير ديمغرافي، فالدوافع التركية خلف عملياتها العسكرية في شمال سوريا على طول الحدود المشتركة بين البلدين باتت مكشوفة، هي ليست لمساعدة السوريين بل لخلق نعرات قومية، كما تبحث أيضًا في الدور الأميركي، باعتبارها حليف تركيا في حلف شمال الأطلسي، وباعتبارها أيضًا وفي نفس الوقت، الداعم الأساسي لقوات حماية الشعب، عدو تركيا اللدود.

إلى جانب ما تقدم تبحث الورقة كذلك في تحول القوة ومن هي القوى التي باتت الأكثر تأثيرًا في سوريا، لتنتهي إلى تناول مختلف مواقف الدول الإقليمية، بما فيها جامعة الدول العربية” مشكورة” وإسرائيل وإيران، وتبحث في بواعث عدم موافقة تلك القوى والدول، بل وانتقاداتها، للعملية التركية في سوريا.

أما بخصوص الرقعة الكوردية وأحزابها فقد كانت بيادق بيد أطراف عدة إقليمية ودولية وانشطرت إلى قسمين (ENKS) مع الائتلاف المعارض والذي كان دوره لخدمة أجندات تركيا، رغم معارضة المجلس الوطني الكوردي باستيحاء و(TVD) مع النظام السوري، وللعلم صرّحت بذلك المستشارة بثينة شعبان وغيرها أكثر من مرة، عندما قالت أصبح الكورد بيادق أوفياء بيد الأقوياء والضعفاء وكان الشرخ والتباين واضحاً بتبعيتهم وتسييرهم للقوى العاملة على الساحة السورية واستخدامهم لمحاربة داعش وإبعادهم عن مطالبهم المحقة والاعتراف بهم كشعب يحق له العيش الكريم على أرضهم وبسلام .

فبعد اندحار تنظيم الدولة الإسلامية، وسَّعت قوات سوريا الديمقراطية (QSD) المشكلة من جميع الأطياف السورية والأغلبية العربية وبقيادة قوات حماية الشعب (YPG)، من سيطرتها على نحو ثلث مساحة الأراضي السورية الواقعة على الحدود مع تركيا، وقد كان للإعلام دور كبير وسيء لجعل الكورد في نظر الدول الإقليمية بعبعاً، حيث كانت تسمي الحماية الشعبية بالحماية الكوردية، رغم ما ذكرنا أن قوات سوريا الديمقراطية ثلاثة أرباعها كان من القومية العربية، وهذا التوصيف أدى إلى ذعر تركيا تحسباً من كوردها الذين قد يثورون ويطالبون بحقوقهم .كأشقائهم في كوردستان العراق وسوريا.

لذا تأهبت تركيا بكامل جهوزيتها العسكرية للانقضاض على الحلم الكوردي مقابل تنازلات وحتى خسارة أو تأجيل أطماعها بإعادة الإمبراطورية العثمانية وهذا بات واضحاً في ليبيا وتحت حجة الدفاع عن أتراكها كما حدثت وتحججت في العراق وسوريا، ما جعلت الدول العربية تتحرك لصد أطماع تركيا.

 

ماهين شيخانيكاتب سوري

 

شاهد أيضاً

د. إبراهيم بن جلال فضلون

حظر تجول، فكُن مسؤولاً، وخليك بالبيت

ليس بجديدٍ حظر التجوّل على التاريخ العربي الإسلامي، فأول من اخترع وسنّ قانون حظر التجوّل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.