الإسلاميون و الدجاجة التي تبيض ذهباً

ثائر الزعزوع
ثائر الزعزوع

يوم الجمعة في ١١ فبراير عام ٢٠١١ أعلن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تنحيه عن السلطة، وذلك بعد مظاهرات حاشدة شهدتها القاهرة والعديد من المدن المصرية الأخرى، بدأت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني يناير، ستعرف لاحقاً باسم ثورة يناير، ليسير مبارك على خطى الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي الذي ترك كرسي الرئاسي، وغادر البلاد كلها ملتجئاً إلى العربية السعودية.

 

يوم الجمعة في ١٨ عشر من شباط فبراير، هبطت طائرة خاصة قادمة من العاصمة القطرية الدوحة تحمل على متنها الداعية الإسلامي الشهير يوسف القرضاوي، ليتوجه بعدها، وعلى الفور، إلى ميدان التحرير، حيث سوف يؤم المصلين في صلاة جمعة جامعة، قيل وقتها إن الملايين شاركوا في تلك الصلاة، التي كانت بمثابة “تطويب” للثورة المصرية، قام به الداعية الشهير والذي كان مبعداً ولعقود عن بلده. لم يكن الأمر وقتها يحتاج لكثير تفكير، وعقد مقارنة مع حدث مشابه، ولكن علينا أن نعود سنوات إلى الوراء، و تحديداً إلى العام ١٩٧٩ حيث ستهبط طائرة خاصة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية حاملة على متنها روح الله الخميني، والذي سوف يصير بعد ذلك آية الله الخميني، وبعيداً عن الدور الذي لعبه كل واحد منهما في ثورة بلده، فإنه لا شك لدى أي متابع أن القرضاوي حاول استلهام تلك العودة الخمينية، والعزف على الأوتار نفسها التي عزف عليها الخميني، والذي تمكن بعد ذلك من ركوب ظهر الثورة الإيرانية وتجييرها لصالحه، ولصالح مشروعه، وهذا ما لم يستطع القرضاوي فعله، لعوامل عديدة يطول ذكرها والاسترسال فيها.

 

في الثورة السورية، حدث أمر مشابه تقريباً، إذ لا يستطيع أحد أن ينكر أن ثورة شعبية قد اندلعت لأسباب عديدة، لم يكن السوريون في حاجة لأسباب كي يثوروا، لكن، وكي نكون منصفين مع التاريخ، فإن ما حدث في أقطار عربية أخرى دفع السوريين لتقليده، وقد تطور الأمر بسرعة، أولاً لأن النظام تعامل مع الحدث بطريقته العنفية، التي لا يجيد سواها، وثانياً، لأن السوريين كانوا في أمس الحاجة للخلاص، لكن، لم يتوقع أحد ولا حتى الأكثر تشاؤماً هذا المآل الذي وصلت إليه الأمور. لكن، هل ثمة من حاول أيضاً ركوب الثورة السورية، كما فعل الخميني وبعده القرضاوي؟ الإجابة ستكون دون أدنى شك، كثيرون.

مثلاً، وبعد تردد وتفكير ونقاشات، استمرت قرابة ثلاثة أسابيع، قررت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وهي جماعة محظورة طبعاً، أن تدلي بدلوها و أن تعلن تأييدها للحراك الشعبي، وسوف يحاول بعض منظريها أن يربطوا الثورة السورية بهم، من خلال استخدام مظلومية تاريخية قاموا بتصنيعها، فالجماعة تعرضت للظلم من خلال صدامها مع النظام في ثمانينات القرن الماضي، و الذي أصدر عام ١٩٨٠ قانون ٤٩ الشهير والذي يقضي بإعدام المنتسبين لها، ورفعت الجماعة صوتها عالياً، ثم بدأت بالتسلل إلى المجالس والهيئات التي تشكلت لدعم الثورة، مثل المجلس الوطني، والائتلاف. و دون أن ننسى طبعاً ظهور شخصية عدنان العرعور الإسلاموي المثير للجدل، و الذي بدأ، وعبر ظهور إعلامي متكرر، التحدث عن الثورة، ورغم أن “العرعور” لا يمتلك كسابقيه الخميني والقرضاوي، الكاريزما المطلوبة التي تجعلنا نقارنه بهما، لكنه، وللتاريخ فقط، استطاع أن يكون مؤثراً في مرحلة من المراحل، التي بدا فيها أن بوصلة الثورة بدأت تفقد اتجاهها، وصار كل من ضد النظام، ينظر إليه بوصفها ثورياً، سوف يحضر العرعور الكثير من المؤتمرات، وسوف يكون له يد في تمويل فصائل بعينها، إبان العمل الثوري المسلح، وسوف تعمل تلك الفصائل وفق رؤيته الخاصة، هل كان العرعور يحلم مثلاً بأن تهبط به طائرة في مطار دمشق ليتوجه إلى إحدى الساحات، خطيباً ثورياً؟ لم لا؟

لقد حلم الإسلاميون بأن تكون الثورة دجاجة تبيض لهم بيضة السلطة الذهبية، التي لطالما سعوا للحصول عليها، لذلك فلم يتردد حمادي الجبالي أمين عام حركة النهضة الإسلامية في تونس وبُعيد فوز حركته في الانتخابات النيابية في شهر نوفمبر تشرين ثان عام ٢٠١١ بأن يعلن أن عصر الخلافة الراشدة السادسة قد بدأ، رغم أن المتظاهرين التونسيين الذين أسقطوا نظام بن علي لم يكونوا يبحثون عن خلافة راشدة، بل كانوا يطالبون بحقهم في العمل والحياة الكريمة، هل كان الجبالي يحلم بأن يكون خليفة سادساً للمؤمنين، لم لا؟

وليس بعيداً عن تونس، في ليبيا، صعد المستشار مصطفى عبد الجليل منصة خطابية في العاصمة طرابلس، بعد مقتل القذافي ليعلن لعشرات آلاف المحتشدين المحتفلين بزوال الديكتاتور المستبد، وأن عصر الشريعة الإسلامية قد عاد، وأن قرارات القذافي الكافرة زالت، وأن الرجال سوف يكون بإمكانهم الزواج بأربع نساء!!! ولو أن المستشار عبد الجليل نظر إلى الوراء قليلاً ليرى الحركة الاحتجاجية الليبية كيف بدأت، وما الذي كانت تطالب به، لما أطلق العنان لنفسه، ولاحتفظ بتصريحه المثير للاستغراب لنفسه، بعد ذلك بسنوات سوف يعترف عبد الجليل بأنه تعرض للخديعة من قبل الإخوان المسلمين الذين طلبوا منه أن يقول ما قاله، شريطة أن يتخلوا عن سلاحهم، لكنهم نقضوا اتفاقهم معه..

ولكن، هل تحتاج دولنا إلى الشريعة الإسلامية حقاً كي تتخلص من الاستبداد؟ ألم تتحول القوى الإسلامية نفسها إلى قوى مستبدة في المناطق التي سيطرت عليها؟ ألم تتخلص إيران من ديكتاتورية الشاه لتقع تحت وطأة ديكتاتورية دينية أشد استبداداً؟

أخيراً، قبل أيام خضت نقاشاً مع صديق، يصر على أنه لا ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه لا يمانع أبداً من القول: إن ثورة يناير في مصر قام بها “شباب الإخوان” كما قال، وإنهم كانوا الأشد ثباتاً وعزيمة!!!

و لو قيَض للثورة السورية أن تنتصر يوماً، فسوف يقول الإسلامويون الكلام نفسه، لولاهم لما انتصرت الثورة. يا ويلنا.

ثائر الزعزوعصحفي سوري

يوم الجمعة في ١١ فبراير عام ٢٠١١ أعلن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تنحيه عن السلطة، وذلك بعد مظاهرات حاشدة شهدتها القاهرة والعديد من المدن المصرية الأخرى، بدأت في الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني يناير، ستعرف لاحقاً باسم ثورة يناير، ليسير مبارك على خطى الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي الذي ترك كرسي الرئاسي، وغادر البلاد كلها ملتجئاً إلى العربية السعودية.

 

يوم الجمعة في ١٨ عشر من شباط فبراير، هبطت طائرة خاصة قادمة من العاصمة القطرية الدوحة تحمل على متنها الداعية الإسلامي الشهير يوسف القرضاوي، ليتوجه بعدها، وعلى الفور، إلى ميدان التحرير، حيث سوف يؤم المصلين في صلاة جمعة جامعة، قيل وقتها إن الملايين شاركوا في تلك الصلاة، التي كانت بمثابة “تطويب” للثورة المصرية، قام به الداعية الشهير والذي كان مبعداً ولعقود عن بلده. لم يكن الأمر وقتها يحتاج لكثير تفكير، وعقد مقارنة مع حدث مشابه، ولكن علينا أن نعود سنوات إلى الوراء، و تحديداً إلى العام ١٩٧٩ حيث ستهبط طائرة خاصة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية حاملة على متنها روح الله الخميني، والذي سوف يصير بعد ذلك آية الله الخميني، وبعيداً عن الدور الذي لعبه كل واحد منهما في ثورة بلده، فإنه لا شك لدى أي متابع أن القرضاوي حاول استلهام تلك العودة الخمينية، والعزف على الأوتار نفسها التي عزف عليها الخميني، والذي تمكن بعد ذلك من ركوب ظهر الثورة الإيرانية وتجييرها لصالحه، ولصالح مشروعه، وهذا ما لم يستطع القرضاوي فعله، لعوامل عديدة يطول ذكرها والاسترسال فيها.

 

في الثورة السورية، حدث أمر مشابه تقريباً، إذ لا يستطيع أحد أن ينكر أن ثورة شعبية قد اندلعت لأسباب عديدة، لم يكن السوريون في حاجة لأسباب كي يثوروا، لكن، وكي نكون منصفين مع التاريخ، فإن ما حدث في أقطار عربية أخرى دفع السوريين لتقليده، وقد تطور الأمر بسرعة، أولاً لأن النظام تعامل مع الحدث بطريقته العنفية، التي لا يجيد سواها، وثانياً، لأن السوريين كانوا في أمس الحاجة للخلاص، لكن، لم يتوقع أحد ولا حتى الأكثر تشاؤماً هذا المآل الذي وصلت إليه الأمور. لكن، هل ثمة من حاول أيضاً ركوب الثورة السورية، كما فعل الخميني وبعده القرضاوي؟ الإجابة ستكون دون أدنى شك، كثيرون.

مثلاً، وبعد تردد وتفكير ونقاشات، استمرت قرابة ثلاثة أسابيع، قررت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وهي جماعة محظورة طبعاً، أن تدلي بدلوها و أن تعلن تأييدها للحراك الشعبي، وسوف يحاول بعض منظريها أن يربطوا الثورة السورية بهم، من خلال استخدام مظلومية تاريخية قاموا بتصنيعها، فالجماعة تعرضت للظلم من خلال صدامها مع النظام في ثمانينات القرن الماضي، و الذي أصدر عام ١٩٨٠ قانون ٤٩ الشهير والذي يقضي بإعدام المنتسبين لها، ورفعت الجماعة صوتها عالياً، ثم بدأت بالتسلل إلى المجالس والهيئات التي تشكلت لدعم الثورة، مثل المجلس الوطني، والائتلاف. و دون أن ننسى طبعاً ظهور شخصية عدنان العرعور الإسلاموي المثير للجدل، و الذي بدأ، وعبر ظهور إعلامي متكرر، التحدث عن الثورة، ورغم أن “العرعور” لا يمتلك كسابقيه الخميني والقرضاوي، الكاريزما المطلوبة التي تجعلنا نقارنه بهما، لكنه، وللتاريخ فقط، استطاع أن يكون مؤثراً في مرحلة من المراحل، التي بدا فيها أن بوصلة الثورة بدأت تفقد اتجاهها، وصار كل من ضد النظام، ينظر إليه بوصفها ثورياً، سوف يحضر العرعور الكثير من المؤتمرات، وسوف يكون له يد في تمويل فصائل بعينها، إبان العمل الثوري المسلح، وسوف تعمل تلك الفصائل وفق رؤيته الخاصة، هل كان العرعور يحلم مثلاً بأن تهبط به طائرة في مطار دمشق ليتوجه إلى إحدى الساحات، خطيباً ثورياً؟ لم لا؟

لقد حلم الإسلاميون بأن تكون الثورة دجاجة تبيض لهم بيضة السلطة الذهبية، التي لطالما سعوا للحصول عليها، لذلك فلم يتردد حمادي الجبالي أمين عام حركة النهضة الإسلامية في تونس وبُعيد فوز حركته في الانتخابات النيابية في شهر نوفمبر تشرين ثان عام ٢٠١١ بأن يعلن أن عصر الخلافة الراشدة السادسة قد بدأ، رغم أن المتظاهرين التونسيين الذين أسقطوا نظام بن علي لم يكونوا يبحثون عن خلافة راشدة، بل كانوا يطالبون بحقهم في العمل والحياة الكريمة، هل كان الجبالي يحلم بأن يكون خليفة سادساً للمؤمنين، لم لا؟

وليس بعيداً عن تونس، في ليبيا، صعد المستشار مصطفى عبد الجليل منصة خطابية في العاصمة طرابلس، بعد مقتل القذافي ليعلن لعشرات آلاف المحتشدين المحتفلين بزوال الديكتاتور المستبد، وأن عصر الشريعة الإسلامية قد عاد، وأن قرارات القذافي الكافرة زالت، وأن الرجال سوف يكون بإمكانهم الزواج بأربع نساء!!! ولو أن المستشار عبد الجليل نظر إلى الوراء قليلاً ليرى الحركة الاحتجاجية الليبية كيف بدأت، وما الذي كانت تطالب به، لما أطلق العنان لنفسه، ولاحتفظ بتصريحه المثير للاستغراب لنفسه، بعد ذلك بسنوات سوف يعترف عبد الجليل بأنه تعرض للخديعة من قبل الإخوان المسلمين الذين طلبوا منه أن يقول ما قاله، شريطة أن يتخلوا عن سلاحهم، لكنهم نقضوا اتفاقهم معه..

ولكن، هل تحتاج دولنا إلى الشريعة الإسلامية حقاً كي تتخلص من الاستبداد؟ ألم تتحول القوى الإسلامية نفسها إلى قوى مستبدة في المناطق التي سيطرت عليها؟ ألم تتخلص إيران من ديكتاتورية الشاه لتقع تحت وطأة ديكتاتورية دينية أشد استبداداً؟

أخيراً، قبل أيام خضت نقاشاً مع صديق، يصر على أنه لا ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه لا يمانع أبداً من القول: إن ثورة يناير في مصر قام بها “شباب الإخوان” كما قال، وإنهم كانوا الأشد ثباتاً وعزيمة!!!

و لو قيَض للثورة السورية أن تنتصر يوماً، فسوف يقول الإسلامويون الكلام نفسه، لولاهم لما انتصرت الثورة. يا ويلنا.

ثائر الزعزوعصحفي سوري

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit