كورونا عاجل | coronavirus
عبد الناصر الحسين   
عبد الناصر الحسين   

الإخوان المسلمون في سوريا.. ورحلتهم المشبوهة نحو السلطة..(الجزء الخامس).

الإخوان والثورة

تأخر الإخوان المسلمون باتخاذ قرارهم بتأييد الثورة السورية، حيث كانوا يرقبون المشهد السوري من خلال الثقوب الضيقة، ويرصدون كفة الصراع لمن سترجح ،للنظام الأسد أم للشعب السوري.

وعندما تبيَّن لهم أن ثورة الشعب السوري تمضي باتجاه واحد، وأن أركان النظام بدأت تتزعزع، قرر الإخوان المسلمون الانخراط في الثورة السورية، معتبرين أنها امتداد لـ «ثورة الثمانينات»، وتعاملوا مع الشعب السوري وكأن لهم دَيْناً على الناس، وقد آن أوان استيفائه.. باعتبارهم كانوا سباقين إلى مقارعة النظام، بينما تقاعس الناس عن نصرتهم، وقد جاء الدور لكي يدفع الشعب السوري الثمن الباهظ لنيل حريته، وتمكين الإخوان من حكم سوريا كجائزة مشروعة لهم، وفقاً لتصورهم.

بعد أن اطمأن الإخوان إلى غطاء مالي قطري، تقدموا بخطوات أكبر، لجهة الإمساك بمفاصل العمل الثوري، إلى درجة أنهم لم يتركوا مفصلاً من مفاصل الثورة لم يضعوا أيديهم عليه.. إعلامياً ومدنياً وإغاثياً وعسكرياً وسياسياً.. وعملوا على تهميش كل من لا «يتأخون» أو ينخرط في ركابهم.

إخفاء الوجه الجميل لسوريا

ومع توغل الإخوان المسلمين بالثورة أكثر، بدا وكأن الثورة تغير ثوبها الجميل الزاهر، إلى ثوب صحراوي خشن. فاختفت المظاهر السلمية لصالح العسكرة، وغابت المعاني الوطنية لصالح الأسلمة، وتلاشت ملامح العصرنة لصالح التخلف والجهل.. وكأن وجه سوريا الجميل مقدَّر له أن يبقى محتجباً لا يراه العالم، حيث تم تغطيته خلال عقود حكم «آل الأسد» ثم سارع الإخوان لحجبه مرة أخرى، لتبقى ذكريات انكشاف الوجه الجميل لسوريا في الأشهر الأولى من عمر الثورة ماثلة في مخيلة الأحرار.

تهديم البنية المجتمعية

في سوريا لوحة فسيفسائية جميلة، شكلتها تلاوين الطوائف والإثنيات، على مدى التاريخ المديد، وبينما كان نظام الأسد ممسكاً بمعوله ليحطم هذا الجدار، إذا بالإخوان المسلمين يفعلون الفعل ذاته ليدمروا ما تبقى من اللحمة المجتمعية السورية. فقد أراد الإخوان الإيحاء بأنه ليس في سوريا فسيفساء ولا مومياء، إنما هي طائفة «سنِّيَّة» واحدة، مقابل أقليات ستدفع الجزية في «سوريا المستقبل» التي رسمتها «الإيديولوجيا الإخوانية».

تهديم مجتمع الثورة

لقد أظهرت الثورة السورية تلاحماً مجتمعياً فريداً متميزاً، في بواكير انطلاقتها، حين شارك فيها معظم أطياف المجتمع السوري، دون تمييز بين مذهب وآخر. ولم يكن مطروحاً وقتها سوى سؤال واحد.. «أنت مع أم ضد؟» ولا يخطر ببال أحد أي شكل من أشكال الانقسام الأخرى.. لكن هيمنة الإخوان المسلمين على «خطاب الثورة» أحدثت تقسيماً جديداً لمجتمع الثورة حتى صار السؤال الأكثر تداولاً «هل أنت إسلامي أم علماني» لتتسلل فكرة «التكفير المبطن» في صفوف الناس تمهيداً لانتشار التكفير على أوسع نطاق، لتتحول سوريا إلى ساحة حرب، تستدعي تاريخ «الفتوحات الإسلامية».

الموعد مع تنظيم القاعدة

مع تصاعد الأحداث تلبدت أجواء سوريا بالغيوم القاتمة، وتوشحت بالسواد، واصطبغت بالحنَّاء، وكانت على موعد مع تدفق قوافل تنظيم القاعدة الإرهابي عبر الحدود التي كثرت ثقوبها. وفتحت أبواب السجون على مصاريعها، ليقوم النظام بعملية تبديل، يخرج من خلالها معتقلي «السلفية الجهادية» ويضع مكانهم معتقلي الرأي والاحتجاج السلمي، بمن فيهم النساء والأطفال. رأى الإخوان المسلمون في تنظيم القاعدة رأس الحربة المتقدمة، التي يمكن أن تسقط النظام، وتقدم لهم سوريا ليحكموها. فعملوا على دعم القاعديين إعلامياً ومالياً، وتقويتهم على حساب «الجيش الحر» علماً بأنهم كانوا يظهرون تأييدهم للجيش الحر في العلن ويطعنون به سراً، لصالح التشكيلات القاعدية المتعددة. ومع تطاول الزمن تضاءلت قيمة الفصائل الثورية، لتسيطر الفصائل الإسلامية على المشهد الثوري مدنياً وعسكرياً، حتى وجد الإخوان أنفسهم في مواجهة مع القاعدة، في صراع على النفوذ، ظهر في عدة جوانب أهمها وجود حكومتين «الحكومة المؤقتة» وهي إخوانية.. و«حكومة الإنقاذ» التابعة لهيئة تحرير الشام. لكن الداعم القطري والآخر التركي نجحا في إحداث التعايش بين الفريقين.

موقف الإخوان من التحالف الدولي ضد تنظيم داعش

مع تدفق الظلام إلى المشهد السوري تدحرجت كتلة ظلامية شديدة التطرف، تمثلت بما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية» قادمة من المصانع الإيرانية المختصة بإنتاج تلك المنتجات. منتهجة «منهج التوحش» ونشر الرعب، مستخدمة أبشع أدوات الجريمة، مستهدفة كل ما هو حر وجميل في الثورة السورية. لكن احتضان الإخوان المسلمين لهذا الكيان الإرهابي المقيت جعله محسوباً على الثورة السورية ظلماً وعدواناً، مع أنه موجه ضد الثورة وحاضنتها ومؤيديها وداعميها. وأن الفصائل الثورية هي الوحيدة التي حاربته.

وفي عام 2014 قررت الولايات المتحدة الأمريكية محاربة هذا التنظيم الهمجي، داعية لتشكيل تحالف دولي لهذا الغرض، عارضة على الفصائل الثورية الانخراط في محاربة التنظيم، لينتفض الإخوان المسلمون في وجه تلك الخطة، موظفين كل الماكينات الإعلامية، لرفض محاربة التنظيم، باعتبارها حرباً على الإسلام والمسلمين، وفقاً لبعض منظري الجماعة، واقتتالاً بينياً وفقاً لآخرين. فحرموا بذلك الثورة السورية من شراكة دولية مهمة، ذهبت بعدها لصالح «وحدات حماية الشعب الكردية» التي أوكل إليها مهمة محاربة التنظيم القاتل. وهنا يبرز الدور التركي واضحاً في جعل الأولويات التركية المتمثلة بمحاربة الفصائل الكردية، أولويات للثورة السورية، فظهرت الثورة منحازة لتنظيم «داعش» بحجة ما سمي لاحقاً «قوات سوريا الديمقراطية-قسد». وبعد إعلان التحالف الانتصار على داعش بأشهر أطلقت تركيا عملية «نبع السلام» ضد «قسد»، مستخدمة الفصائل السورية وأهمها «الجيش الوطني» المحسوب على «الجيش الحر» سابقاً. وهنا يبدو المشهد منقلباً تماماً فالجيش الحر الذي قاتل «داعش» يبدو اليوم وكأنه ينتقم لداعش ضد «قسد». وكل ذلك يحدث بتنفيذ إخواني.

الإخوان حاضرون في أستانة

صدق من قال عن الإخوان المسلمين «بكل عرس لهم قرص»!.. فبعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية واعتذار الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» للرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» عن الحادث، حدث تحول في العلاقات التركية الروسية، وذهب الأتراك بعيداً مع السياسة الروسية، الأمر الذي انسحب على الثورة السورية، المحتجزة من قبل الإخوان المسلمين. ونتيجة لتلك الاستدارة التركية باتجاه روسيا انخرط الأتراك في مسار «أستانة» الذي أعدت له موسكو وجعلت منه خطة أساسية في استعادة النظام السيطرة على الجغرافيا السورية، التي تسمى «المحرر»، عبر عملية قضم متدرجة سمِّيت «خفض التصعيد». عندئذ لبى الإخوان المسلمون الدعوة التركية لحضور «سلسلة أستانات» بما فيها الفصائل العسكرية التابعة لهم، في مشهد أقرب ما يكون للخرافة السياسية!. فقد وضع الإخوان أنفسهم في موقف الذي يبيع البلاد والعباد للمحتل الروسي، ومن بعده للنظام الأسدي، وذلك دون خجل أو وجل من شر ما يفعلون. إلى أن وصلت الحالة بالشعب السوري إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة ألجأتهم إلى الحائط التركي مع قليل من القماش يشبه الخيام.

لدى الإخوان أعداء مفترضون

خلال الهجمة الروسية الإيرانية الشرسة ثبَّت الروس والإيرانيون أنفسهم كأعداء حقيقيين للشعب السوري المستهدف منهم، وتصاعد حقد السوريين ضد هذا المحور الداعم لنظام الأسد، لكن الإخوان المسلمين غير معنيين بتصدر هذا المحور لقائمة «أعداء الشعب السوري» فلديهم قائمة أخرى مختلفة تماماً عما يجول في خواطر الشعب المكلوم، وهي الدول العربية وتحديداً «السعودية والإمارات والبحرين ومصر» وهي الدول المقاطعة لدولة قطر، بسبب سلوكيات الدوحة التخريبية والداعمة للإرهاب.

ختاماً

يطول الحديث عن دور الإخوان المسلمين في تخريب الثورة السورية وجعلها ثروة بدلاً من ثورة، وجر الشعب السوري للهزائم لينالوا هم الغنائم. لكن يكفي أن نلخص ذلك بنقاط محددة بيانها: أنهم رجحوا الفصائل القاعدية على الفصائل الثورية. ورجحوا الخيار الأجنبي على الخيار العربي. ورجحوا مسار أستانة على مسار جنيف وانحازوا إلى داعش ضد الأكراد.

 

عبد الناصر الحسينكاتب سوري

 

شاهد أيضاً

فراس حج محمد

الإنسان بين فكيّ الرّقابة السياسية والرقابة الاجتماعية

لقد عانى الكتاب والمثقفون قديماً وحديثاً وفي دول شتّى، ديكتاتورية وديمقراطية، من ألم الرقيب وسوء …

أترك رد