الإخوان المسلمون في سوريا.. ورحلتهم المشبوهة نحو السلطة..(الجزء الرابع)

عبد الناصر الحسين
عبد الناصر الحسين

بعد الأحداث الدامية في سوريا وما رافقها من حملات أمنية قبيل وبعيد عام 1980، عاد حكم «حافظ الأسد» قوياً أكثر من أي وقت مضى، وذلك من جهتين: الأولى أنه خرج منتصراً في مواجهته للإخوان المسلمين، والثانية ترسيخ أقدامه في لبنان.

بينما تشتت تنظيم الإخوان إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: تتمثل بالذين قتلوا في المواجهات المباشرة في قتال الشوارع داخل سوريا، وكان جلُّهم من الشباب اليافعين وعددهم بالآلاف، وقسم آخر قتل في «أحداث مدينة حماة» ومعظمهم من المدنيين وعددهم عشرات الآلاف. لكن أقرب الإحصائيات تشير إلى قتل حوالي «30 ألفاً» بين 1979و1982.

الفئة الثانية: وهم الذين تم زجهم في السجون والمعتقلات، ثم تجميعهم في «سجن تدمر» الرهيب، ليقتل الآلاف منهم تحت التعذيب أو نتيجة لسوء الأوضاع الصحية والأوبئة، كما قتل الآلاف كذلك بالإعدام شنقاً، بأحكام صادرة عن المحكمة العسكرية الميدانية برئاسة «سليمان الخطيب». وتشير أدق التقديرات إلى قتل حوالي «20 ألفاً» من المعتقلين، وتم الإفراج عن آلاف المعتقلين الآخرين ممن كانت تهمهم واهية جداً، وكانت الغاية من إخراجهم تسريب الفظائع لبناء جدار من الرعب، ووضع الناس في صورة العقوبة التي ستواجه يوماً ما كل من يفكر مجرد التفكير في مواجهة هذا النظام.

الفئة الثالثة: وتشمل معظم قيادات الصف الأول وأقرباءهم من الشباب الذين نجوا بأنفسهم خارج البلاد في الأردن والعراق والسعودية ثم في أوربا لاحقاً. وهذه الفئة هي التي ستشكل نواة العمل الجديد للإخوان المسلمين.

وللأمانة والتاريخ علينا تأكيد أن هذه الفئة كانت الأسوأ على الإطلاق فقد لعبت في تشكيل «سيكلوجيتها» عوامل هامة جعلتها تجنح إلى الانتهازية والفساد والمحسوبية والوصولية.

الحديث هنا عن الشخصيات المركزية في هذه الفئة والتي حملت النقيضين معاً… الأول هو كابوس الفشل المزري في إدارة الصراع مع نظام أظهرهم كصبيان في السياسة، لا يتقنون أبجدياتها، ويجهلون مسلَّماتها.. بالمقابل حملوا نشوة النجاح الباهر في الإثراء المالي من الدعم العراقي وقتها، ومن التبرعات التي كانت تأتيهم من جهات إسلامية محددة.

لعل هذه النتيجة التي خرج بها «الإخوان المسلمون» بعد نجاتهم من ملحمة القتال والاعتقال أكسبتهم قلوباً قاسية أنستهم ويلات الضريبة التي دفعها الشعب السوري، جراء مغامراتهم اللامحسوبة، كما أنستهم واقع المعاناة التي يكابدها السجناء في المعتقلات، وتوقف الإخوان تماماً عن أي نشاط باستثناء تصريحات كانوا يطلقونها بين الفينة والأخرى، مثل «سندخل سوريا فاتحين» ليستدرجوا مزيداً من الدعم، ويدغدغوا مشاعر البسطاء، لكن تصريحاتهم تلك كانت تنزل سياطاً وعصيَّاً على أجساد المعتقلين.

حتى فكرياً لم يكن لدى الإخوان اهتمام بالفكر بقدر ما كانوا مهتمين بلملمة شعثهم المتفرق على أفكار متناقضة تماماً، تحمل خطابين مختلفين، فقد لقّنوا أتباعهم فكرة الخلافة ومعاداة الديمقراطية، وقدموا أنفسهم للعالم كمشروع ديمقراطي، بينما حرضوا أتباعهم على تأييد حركات الجهاد الإسلامي، وقدموا أنفسهم كدعاة للسلمية، بينما زرعوا في عقول الأتباع معاداة الغرب مع أنهم ارتموا بأحضان الغرب وتحببوا إليه.

يضاف إلى ذلك اهتمامهم بتأمين فرص عمل لأتباعهم في المهجر بهدف بقائهم ملتصقين بجسم الجماعة، وجاهزين لأداء بعض المهام الباهتة، وتلقينهم بعض القصاصات ليحفظوها مثل «رسائل حسن البنا»، بهدف الحفاظ على ما تبقى من اسم الإخوان. لكن هذا لم يكن كافياً للإبقاء على حالة التماسك في بنية التنظيم الإخواني، مع تطور العلم والتكنلوجيا وسهولة الاتصال والتواصل، فسقطت فكرة «السمع والطاعة»، وتكرست فكرة «أعطني لأعطيك».

مما دفع بالقيادة الإخوانية، لمزيد من التسامح والتساهل، مع القاعدة المنهكة والمشتتة جغرافياً، ونتج عنه بنية تنظيمية هشة، يوحدها التاريخ المشترك، والشتات الذي جمعهم، في بلدان شتى، إضافة إلى الأرصدة المالية المتبقية بحوزة التنظيم، كغنائم مرحلة حربهم مع النظام، حيث جرى استثمار هذا المال في شركات تجارية خاصة، عملت على تشغيل بعض أفراد التنظيم وإبقائهم في فلكه، إضافة إلى تعزيز بعض الروابط العائلية بين هؤلاء المهجرين، حيث نشأت «مصاهرات عائلية» بين العديد منهم على خلفية هذا الانتماء وبحكم الضرورات التي تمليها ظروف المنفى.

سنوات من الضياع ومن الفراغ عاشها تنظيم الإخوان المسلمين قبل انقضاء حكم حافظ الأسد، لا يجدون ما يفتخرون به سوى تداول أخبار «تنظيم القاعدة» في «أفغانستان» وغيرها، وكأنهم يريدون احتساب منجزات القاعدة البائسة لصالحهم، والإيحاء بأن «الإسلام بخير»، في تأكيد على نهجهم السطحي، أخبار يؤلِّفون عليها قلوب «الدراويش».. الذين اشتاقوا إلى وطنهم «سوريا». لكن وطنهم تغيّرت الكثير من ملامحه حيث تفرغ النظام لصياغته بطريقة احترافية، أتاحت له صناعة «نسخة إسلامية» جديدة، تمتاز بالوداعة والتأييد الكامل للنظام.

فبرز التيار «الصوفي المشيخي» الذي استفاد كثيراً من فشل تجربة الإخوان المسلمين، وراح يبني بناءه على أنقاضهم، مكرِّساً فكرة اعتزال السياسة وتركها للنظام، باعتباره المؤتمن الوحيد على سياسات البلد، ملتزمين بموعظة «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وهم ينصرفون إلى «إصلاح الذات» بالتزام قواعد التقوى، والمواضبة على أوراد الصباح والمساء، وحفظ الأحكام الفقهية كالطهارة والنجاسة، والترفيه عن النفس بحضور الموالد النبوية، وحفلات تخريج حفظة القرآن، و«القراءات العشر» من «معاهد الأسد».

وقد لقي هذا التيار دعماً كافياً من الدولة، حيث تم تلميع بعض المشايخ فيما يشبه الحالة النجومية، التفَّ الناس حولهم كمصدر وحيد للمادة الدينية «الآمنة»، من أمثال: الشيخ «أحمد كفتارو..1912-2004».. والشيخ «محمد سعيد رمضان البوطي..1920-2013» و«مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون». وفقاً لهذه الصيغة يجب أن يقتنع تيار المتدينين أنهم يضمنون دنياهم بمبايعة القائد الملهم، ويضمنون آخرتهم بمتابعة مشايخ السلطان.

هذه الظاهرة أحدثت انغلاقاً كاملاً بوجه الإخوان المسلمين يستحيل اختراقه، فبدأوا يبحثون في الأفق عن فرجة دولية في العالم الغربي لعلهم يفكون «الشيفرة السورية».

مساء يوم السبت 10 حزيران/يولو/2000، توفي «حافظ الأسد» بعد ثلاثين سنة من حكم سوريا بقبضة حديدية. وفي اليوم ذاته وبعد ساعات انعقد «مجلس الشعب السوري» في اجتماع طارئ ليتم على عجل تعديل فقرة من الدستور متعلقة بالسنِّ المؤهلة لرئيس الجمهورية من 40 سنة إلى 34 سنة لتسويغ استلام «بشار الأسد» للسلطة خلفاً لوالده. وفعلاً ورث بشار الحكم عن أبيه فيما يبدو أسهل من عملية تغيير ديكور البيت الداخلي، لتدخل سوريا في مرحلة جديدة ظن الكثيرون أنها ستكون مختلفة عن سابقتها، لا سيما وأن أمريكا لم تكن غائبة عن مراسم تأبين «الفقيد»، بل وكانت حاضرة لمراسم تنصيب «الوريث» من خلال وزيرة الخارجية الأمريكية «مادلين أولبرايت».

عقب تولي بشار الأسد السلطة، أفرج عن المئات من أعضاء جماعة الإخوان من السجون، فاعتقد الإخوان أنها بادرة طيبة من «الرئيس الشاب» لفتح صفحة جديدة معهم، فجدد مراقب عام الجماعة «علي صدر الدين البيانوني» المنتخب لهذا المنصب عام 1996 مطالبته لرأس النظام بشار الأسد بالإفراج عن كل أعضاء الجماعة، والسماح بعودة المنفيين إلى سورية، ورفع الحظر المفروض على الإخوان. غير أن الأسد الابن رفض تلك المطالب.

في هذه الفترة استمرت الجماعة في التواصل مع أطراف المعارضة الأخرى، وأعلنت في أيار/مايو 2001 عن مشروع «ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في سورية»، عُرض خلال «مؤتمر المعارضة السورية» في آب / أغسطس 2002 في لندن. ولقي البيان ترحيباً في أوساط المعارضة، لكنه لم يلق الترحيب من الحكومة السورية.

وفي العام 2005، انخرطت الجماعة فيما سمي بـ «إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي»، الذي ضم مجموعة من القوى والشخصيات السورية المعارضة، الإسلامية والقومية والكردية واليسارية، والذي حدد المبادئ العامة للمعارضة السورية.

وفي خطوة تثبت التخبط الذي عاشته جماعة الإخوان المسلمين ساهمت الجماعة في العام 2006 في تشكيل «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة في المنفى، مع نائب الرئيس السابق «عبد الحليم خدام»، الذي انشق عن النظام قبل ذلك بعام واحد، وذلك في مؤتمر عقد في «بروكسيل» بمشاركة عدد من القوى الوطنية السورية المعارضة، ودعا إلى تغيير النظام سلمياً. لكن التحالف مع خدام أدى إلى التشكيك في مصداقية الإخوان المسلمين في نظر الكثير من السوريين، نظراً إلى الدور البارز الذي سبق أن اضطلع به خدام في نظام الأسد، فانسحبت الجماعة من الجبهة في نيسان/أبريل 2009.

وقبل الانسحاب من جبهة الخلاص الوطني كان الإخوان قد «علقوا معارضتهم للرئيس بشار الأسد» بحجة الانحياز إلى خيار «المقاومة والممانعة». محاولين التقرب من النظام عبر هذا المشترك وفقاً لتقديرهم، وقد سعى «حزب العدالة والتنمية» التركي الحاكم والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الرئيس الأسد وجماعة الإخوان المسلمين على حدٍّ سواء، للوساطة بين الجماعة والنظام لحل الخلافات، غير أن النظام السوري رفض رفع الحظر القانوني عن الجماعة، فباءت المحاولة التركية بالفشل.

و في تموز/يوليو2010، اجتمع المجلس العام للإخوان المسلمين في اسطنبول، وانتخب «محمد رياض الشقفة» لخلافة البيانوني كمراقب عام للجماعة، وهو من مواليد حماة، وقد صرّح بعد شهر من انتخابه أن الإخوان المسلمين مستمرون في تعليق الأنشطة المعارضة للنظام. وفي تشرين الأول/أكتوبر2010 صرح الشقفة: بأننا في جماعة الإخوان المسلمين نود من الحكومة التركية التدخل لحل المشاكل بيننا وبين النظام، وأوضح لاحقاً أن الجماعة كانت مستعدة لتغيير اسمها إذا سُمح لها بالرجوع إلى سورية، وإذا وافق النظام على مطالبها، إلا أن ذلك لم يحصل.

يتساءل البعض عن السر الذي جعل الإخوان يلقون بكل ثقلهم للتقرب من النظام المتصلب في موقفه والذي اشترط عليهم الاعتراف الرسمي بمسؤوليتهم عن «أحداث حماة» في إحدى الجولات، وعن السر المقابل في رفض الأسد لهم مع أنهم- في الظاهر- لن يشكلوا عليه خطراً ملحوظاً بعد أن تم تغيير هندسة البنية المجتمعية السورية… لكن الجواب يتعلق بعامل خارجي اسمه «إيران»، وهو ما سأكشفه في مقالات لاحقة.

عبد الناصر الحسينكاتب سوري

بعد الأحداث الدامية في سوريا وما رافقها من حملات أمنية قبيل وبعيد عام 1980، عاد حكم «حافظ الأسد» قوياً أكثر من أي وقت مضى، وذلك من جهتين: الأولى أنه خرج منتصراً في مواجهته للإخوان المسلمين، والثانية ترسيخ أقدامه في لبنان.

بينما تشتت تنظيم الإخوان إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: تتمثل بالذين قتلوا في المواجهات المباشرة في قتال الشوارع داخل سوريا، وكان جلُّهم من الشباب اليافعين وعددهم بالآلاف، وقسم آخر قتل في «أحداث مدينة حماة» ومعظمهم من المدنيين وعددهم عشرات الآلاف. لكن أقرب الإحصائيات تشير إلى قتل حوالي «30 ألفاً» بين 1979و1982.

الفئة الثانية: وهم الذين تم زجهم في السجون والمعتقلات، ثم تجميعهم في «سجن تدمر» الرهيب، ليقتل الآلاف منهم تحت التعذيب أو نتيجة لسوء الأوضاع الصحية والأوبئة، كما قتل الآلاف كذلك بالإعدام شنقاً، بأحكام صادرة عن المحكمة العسكرية الميدانية برئاسة «سليمان الخطيب». وتشير أدق التقديرات إلى قتل حوالي «20 ألفاً» من المعتقلين، وتم الإفراج عن آلاف المعتقلين الآخرين ممن كانت تهمهم واهية جداً، وكانت الغاية من إخراجهم تسريب الفظائع لبناء جدار من الرعب، ووضع الناس في صورة العقوبة التي ستواجه يوماً ما كل من يفكر مجرد التفكير في مواجهة هذا النظام.

الفئة الثالثة: وتشمل معظم قيادات الصف الأول وأقرباءهم من الشباب الذين نجوا بأنفسهم خارج البلاد في الأردن والعراق والسعودية ثم في أوربا لاحقاً. وهذه الفئة هي التي ستشكل نواة العمل الجديد للإخوان المسلمين.

وللأمانة والتاريخ علينا تأكيد أن هذه الفئة كانت الأسوأ على الإطلاق فقد لعبت في تشكيل «سيكلوجيتها» عوامل هامة جعلتها تجنح إلى الانتهازية والفساد والمحسوبية والوصولية.

الحديث هنا عن الشخصيات المركزية في هذه الفئة والتي حملت النقيضين معاً… الأول هو كابوس الفشل المزري في إدارة الصراع مع نظام أظهرهم كصبيان في السياسة، لا يتقنون أبجدياتها، ويجهلون مسلَّماتها.. بالمقابل حملوا نشوة النجاح الباهر في الإثراء المالي من الدعم العراقي وقتها، ومن التبرعات التي كانت تأتيهم من جهات إسلامية محددة.

لعل هذه النتيجة التي خرج بها «الإخوان المسلمون» بعد نجاتهم من ملحمة القتال والاعتقال أكسبتهم قلوباً قاسية أنستهم ويلات الضريبة التي دفعها الشعب السوري، جراء مغامراتهم اللامحسوبة، كما أنستهم واقع المعاناة التي يكابدها السجناء في المعتقلات، وتوقف الإخوان تماماً عن أي نشاط باستثناء تصريحات كانوا يطلقونها بين الفينة والأخرى، مثل «سندخل سوريا فاتحين» ليستدرجوا مزيداً من الدعم، ويدغدغوا مشاعر البسطاء، لكن تصريحاتهم تلك كانت تنزل سياطاً وعصيَّاً على أجساد المعتقلين.

حتى فكرياً لم يكن لدى الإخوان اهتمام بالفكر بقدر ما كانوا مهتمين بلملمة شعثهم المتفرق على أفكار متناقضة تماماً، تحمل خطابين مختلفين، فقد لقّنوا أتباعهم فكرة الخلافة ومعاداة الديمقراطية، وقدموا أنفسهم للعالم كمشروع ديمقراطي، بينما حرضوا أتباعهم على تأييد حركات الجهاد الإسلامي، وقدموا أنفسهم كدعاة للسلمية، بينما زرعوا في عقول الأتباع معاداة الغرب مع أنهم ارتموا بأحضان الغرب وتحببوا إليه.

يضاف إلى ذلك اهتمامهم بتأمين فرص عمل لأتباعهم في المهجر بهدف بقائهم ملتصقين بجسم الجماعة، وجاهزين لأداء بعض المهام الباهتة، وتلقينهم بعض القصاصات ليحفظوها مثل «رسائل حسن البنا»، بهدف الحفاظ على ما تبقى من اسم الإخوان. لكن هذا لم يكن كافياً للإبقاء على حالة التماسك في بنية التنظيم الإخواني، مع تطور العلم والتكنلوجيا وسهولة الاتصال والتواصل، فسقطت فكرة «السمع والطاعة»، وتكرست فكرة «أعطني لأعطيك».

مما دفع بالقيادة الإخوانية، لمزيد من التسامح والتساهل، مع القاعدة المنهكة والمشتتة جغرافياً، ونتج عنه بنية تنظيمية هشة، يوحدها التاريخ المشترك، والشتات الذي جمعهم، في بلدان شتى، إضافة إلى الأرصدة المالية المتبقية بحوزة التنظيم، كغنائم مرحلة حربهم مع النظام، حيث جرى استثمار هذا المال في شركات تجارية خاصة، عملت على تشغيل بعض أفراد التنظيم وإبقائهم في فلكه، إضافة إلى تعزيز بعض الروابط العائلية بين هؤلاء المهجرين، حيث نشأت «مصاهرات عائلية» بين العديد منهم على خلفية هذا الانتماء وبحكم الضرورات التي تمليها ظروف المنفى.

سنوات من الضياع ومن الفراغ عاشها تنظيم الإخوان المسلمين قبل انقضاء حكم حافظ الأسد، لا يجدون ما يفتخرون به سوى تداول أخبار «تنظيم القاعدة» في «أفغانستان» وغيرها، وكأنهم يريدون احتساب منجزات القاعدة البائسة لصالحهم، والإيحاء بأن «الإسلام بخير»، في تأكيد على نهجهم السطحي، أخبار يؤلِّفون عليها قلوب «الدراويش».. الذين اشتاقوا إلى وطنهم «سوريا». لكن وطنهم تغيّرت الكثير من ملامحه حيث تفرغ النظام لصياغته بطريقة احترافية، أتاحت له صناعة «نسخة إسلامية» جديدة، تمتاز بالوداعة والتأييد الكامل للنظام.

فبرز التيار «الصوفي المشيخي» الذي استفاد كثيراً من فشل تجربة الإخوان المسلمين، وراح يبني بناءه على أنقاضهم، مكرِّساً فكرة اعتزال السياسة وتركها للنظام، باعتباره المؤتمن الوحيد على سياسات البلد، ملتزمين بموعظة «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وهم ينصرفون إلى «إصلاح الذات» بالتزام قواعد التقوى، والمواضبة على أوراد الصباح والمساء، وحفظ الأحكام الفقهية كالطهارة والنجاسة، والترفيه عن النفس بحضور الموالد النبوية، وحفلات تخريج حفظة القرآن، و«القراءات العشر» من «معاهد الأسد».

وقد لقي هذا التيار دعماً كافياً من الدولة، حيث تم تلميع بعض المشايخ فيما يشبه الحالة النجومية، التفَّ الناس حولهم كمصدر وحيد للمادة الدينية «الآمنة»، من أمثال: الشيخ «أحمد كفتارو..1912-2004».. والشيخ «محمد سعيد رمضان البوطي..1920-2013» و«مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون». وفقاً لهذه الصيغة يجب أن يقتنع تيار المتدينين أنهم يضمنون دنياهم بمبايعة القائد الملهم، ويضمنون آخرتهم بمتابعة مشايخ السلطان.

هذه الظاهرة أحدثت انغلاقاً كاملاً بوجه الإخوان المسلمين يستحيل اختراقه، فبدأوا يبحثون في الأفق عن فرجة دولية في العالم الغربي لعلهم يفكون «الشيفرة السورية».

مساء يوم السبت 10 حزيران/يولو/2000، توفي «حافظ الأسد» بعد ثلاثين سنة من حكم سوريا بقبضة حديدية. وفي اليوم ذاته وبعد ساعات انعقد «مجلس الشعب السوري» في اجتماع طارئ ليتم على عجل تعديل فقرة من الدستور متعلقة بالسنِّ المؤهلة لرئيس الجمهورية من 40 سنة إلى 34 سنة لتسويغ استلام «بشار الأسد» للسلطة خلفاً لوالده. وفعلاً ورث بشار الحكم عن أبيه فيما يبدو أسهل من عملية تغيير ديكور البيت الداخلي، لتدخل سوريا في مرحلة جديدة ظن الكثيرون أنها ستكون مختلفة عن سابقتها، لا سيما وأن أمريكا لم تكن غائبة عن مراسم تأبين «الفقيد»، بل وكانت حاضرة لمراسم تنصيب «الوريث» من خلال وزيرة الخارجية الأمريكية «مادلين أولبرايت».

عقب تولي بشار الأسد السلطة، أفرج عن المئات من أعضاء جماعة الإخوان من السجون، فاعتقد الإخوان أنها بادرة طيبة من «الرئيس الشاب» لفتح صفحة جديدة معهم، فجدد مراقب عام الجماعة «علي صدر الدين البيانوني» المنتخب لهذا المنصب عام 1996 مطالبته لرأس النظام بشار الأسد بالإفراج عن كل أعضاء الجماعة، والسماح بعودة المنفيين إلى سورية، ورفع الحظر المفروض على الإخوان. غير أن الأسد الابن رفض تلك المطالب.

في هذه الفترة استمرت الجماعة في التواصل مع أطراف المعارضة الأخرى، وأعلنت في أيار/مايو 2001 عن مشروع «ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في سورية»، عُرض خلال «مؤتمر المعارضة السورية» في آب / أغسطس 2002 في لندن. ولقي البيان ترحيباً في أوساط المعارضة، لكنه لم يلق الترحيب من الحكومة السورية.

وفي العام 2005، انخرطت الجماعة فيما سمي بـ «إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي»، الذي ضم مجموعة من القوى والشخصيات السورية المعارضة، الإسلامية والقومية والكردية واليسارية، والذي حدد المبادئ العامة للمعارضة السورية.

وفي خطوة تثبت التخبط الذي عاشته جماعة الإخوان المسلمين ساهمت الجماعة في العام 2006 في تشكيل «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة في المنفى، مع نائب الرئيس السابق «عبد الحليم خدام»، الذي انشق عن النظام قبل ذلك بعام واحد، وذلك في مؤتمر عقد في «بروكسيل» بمشاركة عدد من القوى الوطنية السورية المعارضة، ودعا إلى تغيير النظام سلمياً. لكن التحالف مع خدام أدى إلى التشكيك في مصداقية الإخوان المسلمين في نظر الكثير من السوريين، نظراً إلى الدور البارز الذي سبق أن اضطلع به خدام في نظام الأسد، فانسحبت الجماعة من الجبهة في نيسان/أبريل 2009.

وقبل الانسحاب من جبهة الخلاص الوطني كان الإخوان قد «علقوا معارضتهم للرئيس بشار الأسد» بحجة الانحياز إلى خيار «المقاومة والممانعة». محاولين التقرب من النظام عبر هذا المشترك وفقاً لتقديرهم، وقد سعى «حزب العدالة والتنمية» التركي الحاكم والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الرئيس الأسد وجماعة الإخوان المسلمين على حدٍّ سواء، للوساطة بين الجماعة والنظام لحل الخلافات، غير أن النظام السوري رفض رفع الحظر القانوني عن الجماعة، فباءت المحاولة التركية بالفشل.

و في تموز/يوليو2010، اجتمع المجلس العام للإخوان المسلمين في اسطنبول، وانتخب «محمد رياض الشقفة» لخلافة البيانوني كمراقب عام للجماعة، وهو من مواليد حماة، وقد صرّح بعد شهر من انتخابه أن الإخوان المسلمين مستمرون في تعليق الأنشطة المعارضة للنظام. وفي تشرين الأول/أكتوبر2010 صرح الشقفة: بأننا في جماعة الإخوان المسلمين نود من الحكومة التركية التدخل لحل المشاكل بيننا وبين النظام، وأوضح لاحقاً أن الجماعة كانت مستعدة لتغيير اسمها إذا سُمح لها بالرجوع إلى سورية، وإذا وافق النظام على مطالبها، إلا أن ذلك لم يحصل.

يتساءل البعض عن السر الذي جعل الإخوان يلقون بكل ثقلهم للتقرب من النظام المتصلب في موقفه والذي اشترط عليهم الاعتراف الرسمي بمسؤوليتهم عن «أحداث حماة» في إحدى الجولات، وعن السر المقابل في رفض الأسد لهم مع أنهم- في الظاهر- لن يشكلوا عليه خطراً ملحوظاً بعد أن تم تغيير هندسة البنية المجتمعية السورية… لكن الجواب يتعلق بعامل خارجي اسمه «إيران»، وهو ما سأكشفه في مقالات لاحقة.

عبد الناصر الحسينكاتب سوري

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit