ألغام العنصرية السورية والتجاهل بدل النقد

مصطفى علوش
مصطفى علوش

تتجلى كل عنصرية بأوجه متعددة أبرزها كراهية الآخر والعمل للقضاء عليه وتدميره، الآخر المختلف الذي يعتبره العنصري عدوه وحين سيقضي عليه  سوف يسيطر ويتحقق حلم العنصري بعالم يتخيله ليس فيه سواه، فالنازية الألمانية كانت تعادي اليهود وذوي الاحتياجات الخاصة والغجر وترى الأعراق البشرية أدنى من العرق الآري الألماني، كما كانت تعادي الشيوعية وقد نظم كل هذه العنصرية وما تتضمنه مفاهيم، ايديولوجية مغلقة لا تتسع إلا لمزيد من الكراهية والإنتقام من المختلفين “الأعداء”. واحتلال أوربا الشرقية في الحرب العالمية الثانية كان تتويجاً لفكرة المدى الحيوي  المتضمنة في الايديولو جية النازية. كما كان النازيون يعتقدون أنهم سيسطرون على العالم في النهاية.

 

شكلت منظمة شباب هتلر ركيزة لتربية الشباب الألماني وتدريبهم وغسل أدمغتهم تمهيداً لخوض المعارك في الحرب التي كانت يعدّ لها هتلر بعد أن أقنع الوعي الجمعي الألماني أنه سينتقم لألمانيا من هزيمتها النكراء في الحرب العالمية الأولى.  هكذا تنمو الفكرة وتتربى في أدمغة البشر وحين يستلم هؤلاء السلطة، تصير الفكرة سلطة أيضاً وتتغذيان من بعضهما البعض (السلطة والفكرة) كما يغذي القلب بقية أعضاء الجسم بالدم.

لنترك مؤقتاً النازية الألمانية دون أن ننسى النازية الجديدة التي تغذي الإرهاب الحالي الذي تجلى منذ عدة أيام في هجوم شخص ألماني نازي على مقهى في مدينة هاناو الألمانية ومقتل تسعة أشخاص وجرح آخرين،  أقول نتركها مؤقتاً ونذهب نحو المشهد السوري بكل تعقيداته وتجليات تلك التعقيدات في كل مجالات الحياة.

فالعنصرية السورية الحالية لم تكن لأسباب سياسية فقط إنما هناك مجموعة عوامل دينية واجتماعية وطبقية شكّلت على الدوام مغذيات للحامل السياسي الاستبدادي الذي ارتكزت عليه تلك العنصرية، فالبعث عند سلطة الأسد هو كراهية وحقد ومحاولة تدمير دائمة لكل ما هو مختلف عن هذا النسيج السلطوي، ويكفي أن نحاول قراءة شعار البعث “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة” لنتعرف على مدى العنصرية تجاه كل ماهو غير عربي يعيش في هذه الجغرافيا.. أمة عربية واحدة قائمة على فكرة قومية غامضة غابت في التاريخ السياسي الغربي وتم ويتم إنعاشها الآن في المجتمع السوري من قبل الأسدية.

العامل الديني، لاسيما المرجعيات الدينية السورية التي تربت في أحضان الإستخبارات وتأخذ من النص القرآني ومن الفقه ما يناسب توجهات الأسدية، وجرى تربية السوري من خلال تلك المرجعيات على أن السوري المنتمي للطائفة السنّية أغلبية والبقية أقليات وعليه أن ينظر للآخرين من خلال هذا الباب، وتم تدعيم هذه الايديولوجية من خلال الفكر الإخواني العابر للحدود وغير المعترف بالجغرافية السورية إلا بصفتها محطة على طريق إنشاء دولة إسلامية عالمية. وبالمقابل جرى تدريب وتربية الأقليات بفكر عنصري مطابق من حيث المحتوى للفكر الإخواني ولكن بقالب له شكل مختلف فقط. وحققت تلك التربية العنصرية أهدافها من خلال حواجز الجهل وتخويف البشر من بعضهم البعض. فعلى المسيحي أن يخاف من الدرزي، وعلى الدرزي الخوف من السنّي، وعلى الكردي الخوف من العربي، وعلى كل جهة أن تخاف من الجميع وتنتمي فقط لطائفتها. وفي بحر الكراهية هذا كانت فكرة (سورية الجامعة) التي تحدث عنها المفكر يوسف سلامة غائبة، ويقصد أنه علينا أن نتشارك جميعاَ في سورية واحدة تجمعنا دون أن يتم إلغاء أو أقصاء الانتماءات الأخرى الدينية والثقافية والإثنية. أي يمكن للكردي أن يبقى دائماً كردياً ولكنه قبل كل شيء هو سوري، وكذلك الحال مع بقية مكونات وإثنيات وطوائف الشعب السوري.

هذا المشهد المرعب في سورية الآن من العنصرية المتبادلة اجتماعياً لم يكن وليد اللحظة كما قلنا إنما جرى الاشتغال عليه طوال سنوات، فالجلاد في أقبية الاستخبارات والذي كان كان يعذّب البشر لم يجلب فكره العنصري من الولايات المتحدة إنما من التربية الأسدية ومن التربية الدينية الاجتماعية ومن الإعلام العنصري الأسدي الذي كان يعمل في الليل والنهار ومازال على خدمة السلطة الأسدية.

لنقترب أكثر من الوجع السوري ونرى بعين صادقة أسباب كراهية وعنصرية السوري تجاه السوري فإننا سنرى الأسباب السياسية لسلطة مازالت تغذي أنصارها على هذه العنصرية ويكفي أن نراجع خطابات بشار الأسد في سنوات الثورة لنتعرف إلى العنصرية الأسدية وجوهرها وما شروحات بثينة شعبان وتصريحاتها سوى إضافات واستكمالات لعنصرية الأسد.

عنصرية المعارضة السورية تجلت في سيطرة الإخوان المسلمين على معظم الهيئات السياسية المعارضة التي تصدرت المشهد، عنصرية لها أوجه عديدة ومنها تصنيف البشر بناء على انتماءاتهم الدينية وتقسيمهم بناء على ذلك وفي هذا السياق جرى تمويل إعلام سوري معارض خدم بشكل كبير تلك العنصرية الإخوانية، إعلام صامت ومشارك في كل الجرائم التي حدثت من قبل جبهة النصرة المصنّفة عالمياً بأنها إرهابية، وحدث ذلك أيضاً في التعامل الإعلامي مع تنظيم داعش الإرهابي الذي انتهى فعلياً ولكن مازالت أفكاره العنصرية موجودة.

لاشك أنه مشهد مرعب وقاتم ولكن كل فكرة جديدة يمكن لها أن تعيش وتنمو بمجرد أن يقتنع بها أول شخص، ومحاربة العنصرية السورية تبدأ من خلال نقد كل فكرة عنصرية ونقد كل إيديوجية عنصرية. ومازالت الألغام الدينية والسياسية والطبقية تحت أقدامنا في سورية وكل ما نفعله أننا نتجاهل بعض الألغام بحجة ضرورة الحديث عن غيرها.. حقيقة الأمر أنه علينا أن ننقد كل العنصريات السياسية والدينية والطبقية السورية دفعة واحدة وبناء فكرة سورية جامعة لكل السوري مثل فكرة المفكر يوسف سلامة.

وبالمناسبة لا يمكن الرد على العنصرية إلا عبر مزيد من الديمقراطية وعبر مزيد من الحرية وكل ردّ إقصائي على أي فكرة هو بمعنى ما ردّ استبدادي.

ليفانتمصطفى علوش

تتجلى كل عنصرية بأوجه متعددة أبرزها كراهية الآخر والعمل للقضاء عليه وتدميره، الآخر المختلف الذي يعتبره العنصري عدوه وحين سيقضي عليه  سوف يسيطر ويتحقق حلم العنصري بعالم يتخيله ليس فيه سواه، فالنازية الألمانية كانت تعادي اليهود وذوي الاحتياجات الخاصة والغجر وترى الأعراق البشرية أدنى من العرق الآري الألماني، كما كانت تعادي الشيوعية وقد نظم كل هذه العنصرية وما تتضمنه مفاهيم، ايديولوجية مغلقة لا تتسع إلا لمزيد من الكراهية والإنتقام من المختلفين “الأعداء”. واحتلال أوربا الشرقية في الحرب العالمية الثانية كان تتويجاً لفكرة المدى الحيوي  المتضمنة في الايديولو جية النازية. كما كان النازيون يعتقدون أنهم سيسطرون على العالم في النهاية.

 

شكلت منظمة شباب هتلر ركيزة لتربية الشباب الألماني وتدريبهم وغسل أدمغتهم تمهيداً لخوض المعارك في الحرب التي كانت يعدّ لها هتلر بعد أن أقنع الوعي الجمعي الألماني أنه سينتقم لألمانيا من هزيمتها النكراء في الحرب العالمية الأولى.  هكذا تنمو الفكرة وتتربى في أدمغة البشر وحين يستلم هؤلاء السلطة، تصير الفكرة سلطة أيضاً وتتغذيان من بعضهما البعض (السلطة والفكرة) كما يغذي القلب بقية أعضاء الجسم بالدم.

لنترك مؤقتاً النازية الألمانية دون أن ننسى النازية الجديدة التي تغذي الإرهاب الحالي الذي تجلى منذ عدة أيام في هجوم شخص ألماني نازي على مقهى في مدينة هاناو الألمانية ومقتل تسعة أشخاص وجرح آخرين،  أقول نتركها مؤقتاً ونذهب نحو المشهد السوري بكل تعقيداته وتجليات تلك التعقيدات في كل مجالات الحياة.

فالعنصرية السورية الحالية لم تكن لأسباب سياسية فقط إنما هناك مجموعة عوامل دينية واجتماعية وطبقية شكّلت على الدوام مغذيات للحامل السياسي الاستبدادي الذي ارتكزت عليه تلك العنصرية، فالبعث عند سلطة الأسد هو كراهية وحقد ومحاولة تدمير دائمة لكل ما هو مختلف عن هذا النسيج السلطوي، ويكفي أن نحاول قراءة شعار البعث “أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة” لنتعرف على مدى العنصرية تجاه كل ماهو غير عربي يعيش في هذه الجغرافيا.. أمة عربية واحدة قائمة على فكرة قومية غامضة غابت في التاريخ السياسي الغربي وتم ويتم إنعاشها الآن في المجتمع السوري من قبل الأسدية.

العامل الديني، لاسيما المرجعيات الدينية السورية التي تربت في أحضان الإستخبارات وتأخذ من النص القرآني ومن الفقه ما يناسب توجهات الأسدية، وجرى تربية السوري من خلال تلك المرجعيات على أن السوري المنتمي للطائفة السنّية أغلبية والبقية أقليات وعليه أن ينظر للآخرين من خلال هذا الباب، وتم تدعيم هذه الايديولوجية من خلال الفكر الإخواني العابر للحدود وغير المعترف بالجغرافية السورية إلا بصفتها محطة على طريق إنشاء دولة إسلامية عالمية. وبالمقابل جرى تدريب وتربية الأقليات بفكر عنصري مطابق من حيث المحتوى للفكر الإخواني ولكن بقالب له شكل مختلف فقط. وحققت تلك التربية العنصرية أهدافها من خلال حواجز الجهل وتخويف البشر من بعضهم البعض. فعلى المسيحي أن يخاف من الدرزي، وعلى الدرزي الخوف من السنّي، وعلى الكردي الخوف من العربي، وعلى كل جهة أن تخاف من الجميع وتنتمي فقط لطائفتها. وفي بحر الكراهية هذا كانت فكرة (سورية الجامعة) التي تحدث عنها المفكر يوسف سلامة غائبة، ويقصد أنه علينا أن نتشارك جميعاَ في سورية واحدة تجمعنا دون أن يتم إلغاء أو أقصاء الانتماءات الأخرى الدينية والثقافية والإثنية. أي يمكن للكردي أن يبقى دائماً كردياً ولكنه قبل كل شيء هو سوري، وكذلك الحال مع بقية مكونات وإثنيات وطوائف الشعب السوري.

هذا المشهد المرعب في سورية الآن من العنصرية المتبادلة اجتماعياً لم يكن وليد اللحظة كما قلنا إنما جرى الاشتغال عليه طوال سنوات، فالجلاد في أقبية الاستخبارات والذي كان كان يعذّب البشر لم يجلب فكره العنصري من الولايات المتحدة إنما من التربية الأسدية ومن التربية الدينية الاجتماعية ومن الإعلام العنصري الأسدي الذي كان يعمل في الليل والنهار ومازال على خدمة السلطة الأسدية.

لنقترب أكثر من الوجع السوري ونرى بعين صادقة أسباب كراهية وعنصرية السوري تجاه السوري فإننا سنرى الأسباب السياسية لسلطة مازالت تغذي أنصارها على هذه العنصرية ويكفي أن نراجع خطابات بشار الأسد في سنوات الثورة لنتعرف إلى العنصرية الأسدية وجوهرها وما شروحات بثينة شعبان وتصريحاتها سوى إضافات واستكمالات لعنصرية الأسد.

عنصرية المعارضة السورية تجلت في سيطرة الإخوان المسلمين على معظم الهيئات السياسية المعارضة التي تصدرت المشهد، عنصرية لها أوجه عديدة ومنها تصنيف البشر بناء على انتماءاتهم الدينية وتقسيمهم بناء على ذلك وفي هذا السياق جرى تمويل إعلام سوري معارض خدم بشكل كبير تلك العنصرية الإخوانية، إعلام صامت ومشارك في كل الجرائم التي حدثت من قبل جبهة النصرة المصنّفة عالمياً بأنها إرهابية، وحدث ذلك أيضاً في التعامل الإعلامي مع تنظيم داعش الإرهابي الذي انتهى فعلياً ولكن مازالت أفكاره العنصرية موجودة.

لاشك أنه مشهد مرعب وقاتم ولكن كل فكرة جديدة يمكن لها أن تعيش وتنمو بمجرد أن يقتنع بها أول شخص، ومحاربة العنصرية السورية تبدأ من خلال نقد كل فكرة عنصرية ونقد كل إيديوجية عنصرية. ومازالت الألغام الدينية والسياسية والطبقية تحت أقدامنا في سورية وكل ما نفعله أننا نتجاهل بعض الألغام بحجة ضرورة الحديث عن غيرها.. حقيقة الأمر أنه علينا أن ننقد كل العنصريات السياسية والدينية والطبقية السورية دفعة واحدة وبناء فكرة سورية جامعة لكل السوري مثل فكرة المفكر يوسف سلامة.

وبالمناسبة لا يمكن الرد على العنصرية إلا عبر مزيد من الديمقراطية وعبر مزيد من الحرية وكل ردّ إقصائي على أي فكرة هو بمعنى ما ردّ استبدادي.

ليفانتمصطفى علوش

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit