ألعاب الشمال

مصطفى سعد
مصطفى سعد

عدة عمليات عسكرية تركية في سوريا منذ بدء الأزمة إلى الآن كانت أول تلك العمليات درع الفرات في آب 2016 لتأتي بعدها غصن الزيتون كانون الثاني 2018 ومن ثم نبع السلام في 2019. بموافقة أميركية روسية تجلت بوضوح بالفيتو المشترك للولايات المتحدة وروسيا في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1954.
وما يجري في الشمال الغربي من سوريا لا يمكن قراءته أو تفسيره دون النظر جيداً إلى الوضع في الشمال الشرقي.

ما جرى بعد انسحاب قوات صدام حسين في العراق عند انتهاء حرب الخليج الثانية 1991 باقٍ في عقل التركي وهو ما يخشى تكراره في سوريا.
لكن هناك أسباب أخرى لدى الحزب الحاكم في تركيا وما استجد في السنوات الأخيرة كتوتر علاقته بواشنطن بعد انقلاب الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما على الإخوان المسلمين والذي فضل في حربه على الإرهاب التعاون مع ميليشيا -كانت قد صنفت من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية- على دولة ضمن حلف الناتو منذ عام 1952.
مما أدى لتشكيل تحالفات جديدة بالمنطقة كان أبرزها استدارة رجب طيب أردوغان باتجاه موسكو وإيران ونتج عن ذلك كلاً من اتفاق أستانا وسوتشي.

أما بالنسبة للوضع الداخلي في تركيا فحزب العدالة والتنمية يشهد أزمة حقيقية، فالانتخابات البرلمانية الأخيرة أشارت نتائجها إلى تراجع واضح لشعبية الحزب فخسر الغالبية المطلقة التي تمتع بها منذ عام 2002 وبالتالي لن يستطيع تشكيل حكومة منفردة للمرة الرابعة. أما في العام الفائت فتلقى الحزب الحاكم صفعتين على التوالي، الأولى خلاف داخلي ضمن الحزب نفسه تزعم الخلاف وزير الخارجية أحمد داؤود أوغلو والرجل القيادي البارز علي بابكان، والصفعة الثانية بانتخابات البلدية التي خسر بموجبها بلدية إسطنبول وبلدية أنقرة (أردوغان دائماً ما كان يكرر أن من يفوز ببلدية إسطنبول يفوز بالانتخابات).
كما يواجه اعتراضات كثيرة تطالب بترحيل اللاجئين السوريين لأسباب في معظمها اقتصادية.

وبحسب بيانات صدرت عن المعهد الإحصائي التركي في 11 آذار 2019 أنَّ نمو الاقتصاد التركي تدهور بشكل ملموس نهاية عام 2018، فوصل إلى 2.6%، مقابل 7.4% في 2017، متأثِّراً في ذلك بانكماش حاد تعرَّض له خلال الربع الأخير من 2018.

لكن لا يمكننا القول أنّ السياسة الخارجية التي ينتهجها التركي هي فقط لإعادة شعبيته بالداخل وإعادة كسب الشارع، فالهاجس الكردي كان ولا يزال موجوداً لدى السلطات التركية المتعاقبة، والبحث عن دور في الإقليم يبدو واضحاً على الأقل منذ عام 1990عندما تشكل التحالف الدولي ضد العراق بعد غزو الكويت، حيث قال الرئيس التركي توركوت أوزال آنذاك: هناك مائدة قد تم مدها ولا يجوز لتركيا أن تتخلف عنها.

يضاف إليها النزعة العثمانية أو الحلم العثماني لدى أردوغان الذي يدرك جيداً أن “الموائد في الشرق الأوسط الجميع يشارك بها إما كمدعو للطعام أو كطبق على الطاولة.”
ويبقى كلام أردوغان عن حماية المدنيين شبيهاَ بقلق السيد بان كي مون، فالرجل هدفه إقامة نقاط عسكرية تمنع تمدد قوات سوريا الديمقراطية والعمل على تغيير ديمغرافي في الشمال السوري عن طريق إعادة اللاجئين السوريين ليقيموا على الشريط الحدودي خاصة شرق الفرات وفي بعض المناطق التي تتميز بغالبية كردية. (إذا تذكرنا قول الرئيس التركي في اجتماع اللجنة النيابية العام الفائت بحسب رويترز).

وبعد مكاسب حصل عليها سابقاً من أهمها غطاء روسي لتواجده العسكري في محافظة إدلب. وبعد اتفاق أردوغان – بوتين 17 أيلول 2018 أخذ الأوَّل شريطاً حدودياً يمتدُّ من جرابلس حتَّى منطقة ربيعة قرب بلدة كسب التابعة لمحافظة اللاذقية على طول الحدود السورية- التركية إن كان عبر قوات تركية رسمية أو من خلال قوات سورية محلية من الإسلاميين التابعين سياسياً لأنقرة بشكل مباشر.
عندما قرر النظام السوري بدء معركة إدلب ومعه روسيا عاد التوتر بين موسكو وأنقرة وتم إرسال 10 آلاف جندي تركي و130 مركبة. الغاية من إرسالهم عودة قوات النظام وحلفاؤه إلى حدود اتفاق سوتشي.
وبعد مقتل عدد من الجنود الأتراك زاد التصعيد وقابله إلحاح أوروبي عبر قادة اتحاده في قمة بروكسل التي انعقدت في 20 الشهر الجاري لوقف القتال فوراً.

وبعد حديث أردوغان الهاتفي الذي جرى في 21 شباط مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ودعوتهما لاتخاذ خطوات ملموسة لعدم وقوع كارثة إنسانية، دعا لعقد قمة رباعية بين تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا.
أوروبا التي لا تريد أي عمل عسكري في إدلب قد ينتج عنه مزيد من اللاجئين.
أما واشنطن فقد اقتربت أكثر من أنقرة وأعلنت بوضوح عن دعمها لتركيا ليس عسكرياً بل بمطالبة موسكو ودمشق بإيجاد حل لما يجري في إدلب فالحسم العسكري كما ترى واشنطن سيؤخر الحل السياسي المتمثل باللجنة الدستورية.

من المستبعد حصول صدام عسكري بين روسيا وتركيا لكن هل سيكون الاتفاق على حساب حكومة الوفاق وحفتر؟
تواجد عسكر أتاتورك في لواء اسكندرون واتفاقه مع فرنسا نتج عنه سلخ أرض سورية وضمها لتركيا، وروسيا اليوم التي اتفقت مع التركي على تواجد عسكره في سوريا وتبعية بعض السوريين من حملة السلاح وبعض المعارضة السياسية كالإخوان المسلمين لأنقرة ماذا سينتج عنه؟
يجب أن ندرك أننا سنقبل على مرحلة تحرر وطني تلزم السوريين على اختلاف اتجاهاتهم السياسية إدانة كل تدخل خارجي ورفض الاستعانة بأي دولة أجنبية وإخراج جميع المقاتلين والجيوش والقوى الرسمية وغير الرسمية لبناء وطن حر ومستقل.

مصطفى سعدكاتب سوري

عدة عمليات عسكرية تركية في سوريا منذ بدء الأزمة إلى الآن كانت أول تلك العمليات درع الفرات في آب 2016 لتأتي بعدها غصن الزيتون كانون الثاني 2018 ومن ثم نبع السلام في 2019. بموافقة أميركية روسية تجلت بوضوح بالفيتو المشترك للولايات المتحدة وروسيا في سابقة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1954.
وما يجري في الشمال الغربي من سوريا لا يمكن قراءته أو تفسيره دون النظر جيداً إلى الوضع في الشمال الشرقي.

ما جرى بعد انسحاب قوات صدام حسين في العراق عند انتهاء حرب الخليج الثانية 1991 باقٍ في عقل التركي وهو ما يخشى تكراره في سوريا.
لكن هناك أسباب أخرى لدى الحزب الحاكم في تركيا وما استجد في السنوات الأخيرة كتوتر علاقته بواشنطن بعد انقلاب الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما على الإخوان المسلمين والذي فضل في حربه على الإرهاب التعاون مع ميليشيا -كانت قد صنفت من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية- على دولة ضمن حلف الناتو منذ عام 1952.
مما أدى لتشكيل تحالفات جديدة بالمنطقة كان أبرزها استدارة رجب طيب أردوغان باتجاه موسكو وإيران ونتج عن ذلك كلاً من اتفاق أستانا وسوتشي.

أما بالنسبة للوضع الداخلي في تركيا فحزب العدالة والتنمية يشهد أزمة حقيقية، فالانتخابات البرلمانية الأخيرة أشارت نتائجها إلى تراجع واضح لشعبية الحزب فخسر الغالبية المطلقة التي تمتع بها منذ عام 2002 وبالتالي لن يستطيع تشكيل حكومة منفردة للمرة الرابعة. أما في العام الفائت فتلقى الحزب الحاكم صفعتين على التوالي، الأولى خلاف داخلي ضمن الحزب نفسه تزعم الخلاف وزير الخارجية أحمد داؤود أوغلو والرجل القيادي البارز علي بابكان، والصفعة الثانية بانتخابات البلدية التي خسر بموجبها بلدية إسطنبول وبلدية أنقرة (أردوغان دائماً ما كان يكرر أن من يفوز ببلدية إسطنبول يفوز بالانتخابات).
كما يواجه اعتراضات كثيرة تطالب بترحيل اللاجئين السوريين لأسباب في معظمها اقتصادية.

وبحسب بيانات صدرت عن المعهد الإحصائي التركي في 11 آذار 2019 أنَّ نمو الاقتصاد التركي تدهور بشكل ملموس نهاية عام 2018، فوصل إلى 2.6%، مقابل 7.4% في 2017، متأثِّراً في ذلك بانكماش حاد تعرَّض له خلال الربع الأخير من 2018.

لكن لا يمكننا القول أنّ السياسة الخارجية التي ينتهجها التركي هي فقط لإعادة شعبيته بالداخل وإعادة كسب الشارع، فالهاجس الكردي كان ولا يزال موجوداً لدى السلطات التركية المتعاقبة، والبحث عن دور في الإقليم يبدو واضحاً على الأقل منذ عام 1990عندما تشكل التحالف الدولي ضد العراق بعد غزو الكويت، حيث قال الرئيس التركي توركوت أوزال آنذاك: هناك مائدة قد تم مدها ولا يجوز لتركيا أن تتخلف عنها.

يضاف إليها النزعة العثمانية أو الحلم العثماني لدى أردوغان الذي يدرك جيداً أن “الموائد في الشرق الأوسط الجميع يشارك بها إما كمدعو للطعام أو كطبق على الطاولة.”
ويبقى كلام أردوغان عن حماية المدنيين شبيهاَ بقلق السيد بان كي مون، فالرجل هدفه إقامة نقاط عسكرية تمنع تمدد قوات سوريا الديمقراطية والعمل على تغيير ديمغرافي في الشمال السوري عن طريق إعادة اللاجئين السوريين ليقيموا على الشريط الحدودي خاصة شرق الفرات وفي بعض المناطق التي تتميز بغالبية كردية. (إذا تذكرنا قول الرئيس التركي في اجتماع اللجنة النيابية العام الفائت بحسب رويترز).

وبعد مكاسب حصل عليها سابقاً من أهمها غطاء روسي لتواجده العسكري في محافظة إدلب. وبعد اتفاق أردوغان – بوتين 17 أيلول 2018 أخذ الأوَّل شريطاً حدودياً يمتدُّ من جرابلس حتَّى منطقة ربيعة قرب بلدة كسب التابعة لمحافظة اللاذقية على طول الحدود السورية- التركية إن كان عبر قوات تركية رسمية أو من خلال قوات سورية محلية من الإسلاميين التابعين سياسياً لأنقرة بشكل مباشر.
عندما قرر النظام السوري بدء معركة إدلب ومعه روسيا عاد التوتر بين موسكو وأنقرة وتم إرسال 10 آلاف جندي تركي و130 مركبة. الغاية من إرسالهم عودة قوات النظام وحلفاؤه إلى حدود اتفاق سوتشي.
وبعد مقتل عدد من الجنود الأتراك زاد التصعيد وقابله إلحاح أوروبي عبر قادة اتحاده في قمة بروكسل التي انعقدت في 20 الشهر الجاري لوقف القتال فوراً.

وبعد حديث أردوغان الهاتفي الذي جرى في 21 شباط مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ودعوتهما لاتخاذ خطوات ملموسة لعدم وقوع كارثة إنسانية، دعا لعقد قمة رباعية بين تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا.
أوروبا التي لا تريد أي عمل عسكري في إدلب قد ينتج عنه مزيد من اللاجئين.
أما واشنطن فقد اقتربت أكثر من أنقرة وأعلنت بوضوح عن دعمها لتركيا ليس عسكرياً بل بمطالبة موسكو ودمشق بإيجاد حل لما يجري في إدلب فالحسم العسكري كما ترى واشنطن سيؤخر الحل السياسي المتمثل باللجنة الدستورية.

من المستبعد حصول صدام عسكري بين روسيا وتركيا لكن هل سيكون الاتفاق على حساب حكومة الوفاق وحفتر؟
تواجد عسكر أتاتورك في لواء اسكندرون واتفاقه مع فرنسا نتج عنه سلخ أرض سورية وضمها لتركيا، وروسيا اليوم التي اتفقت مع التركي على تواجد عسكره في سوريا وتبعية بعض السوريين من حملة السلاح وبعض المعارضة السياسية كالإخوان المسلمين لأنقرة ماذا سينتج عنه؟
يجب أن ندرك أننا سنقبل على مرحلة تحرر وطني تلزم السوريين على اختلاف اتجاهاتهم السياسية إدانة كل تدخل خارجي ورفض الاستعانة بأي دولة أجنبية وإخراج جميع المقاتلين والجيوش والقوى الرسمية وغير الرسمية لبناء وطن حر ومستقل.

مصطفى سعدكاتب سوري

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit