عبد العزيز مطر
عبد العزيز مطر

هواجس ..وبيادق ..ورقعة

تحول المشهد السوري منذ عدة أعوام لساحة صراع كبيرة تأخذ طابع إقليمي ودولي بفعل التشابك الكثيف للتناقضات الدولية والإقليمية، التي وجدت من الأرض السورية والأزمة الراهنة أرضاً خصبة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية خارج نطاق أراضي تلك الدول ليتحول الوطن السوري لحلبة صراع، أو مستنقع تطفوا على سطحه نتائج هذه الصراعات أو حتى التوافقات والتحالفات.

الواقع المؤلم الذي يعيشه الوطن السوري جعل منه الهاجس لكل مواطن سوري مهما كان انتمائه الفكري والايديولوجي والاجتماعي والإثني، هذا الهاجس الذي بدأ يكبر ويتعاظم في صدور السوريين فلا يكاد تمر لحظة على سوري أينما كان مكانه إلا ويتكرر نفس الهاجس،  ماهو المستقبل الذي ننتظره كسوريين؟ حاضرنا الحالي، واقعنا المؤلم، كيف حدث ولماذا؟ ماهو السبيل لتغيير هذا الواقع؟ أسئلة تحتاج إلى الكثير من التفكير العميق والرؤية الواقعية البعيدة للوصول جميعاً إلى حل وقبل كل هذا لا بد من قراءة الرقعة جيداً وتموضع الجميع فوقها، وهذه البيادق التي تتقدم للصفوف الأولى، والخطوط الأولى، ونقاط التصادم على مساحتها مدفوعه بقوى إقليمية ودولية تتموضع خلفها، تحركها كيفما تشاء حسب مصالح تلك الدول ورغباتهم وتوافقاتهم وصراعاتهم، حيث قامت تلك القوى بنقل صراعاتها إلى تلك الرقعة واتخذت من بيادق سورية حطباً لوقود نار صراعاتها.

لايختلف المشهد كثيراً في دفتي الصراع، المشهد واحد في الطرفين بشخوصه وأزلامه، وتحولت الدولة السوريه بفعل هذه البيادق إلى شكل ضعيف وممزق تنهشه تلك البيادق بتعليمات المشغّل، وصودر القرار الوطني السوري على الجانبين، وأصبح من يدعي تمثيل السوريين أداة طيعه مسلوبة الإرادة وتفشى التفسخ في النسيج الإجتماعي السوري بسبب تلك الأدوات وإبتعادها عن المصالح الوطنية.

ففي الجانب الأول تتربع سلطه حاكمة لها شكل بدون مضمون، تنتهج أسلوب العصابة سلوكاً وعملاً وترفع شعارات وترهات المقاومة متحالفة مع عدة أشكال من الإسلام السياسي، كحزب الله والجهاد الإسلامي وحركة حماس وغيرها من رايات الظلام الايديولوجي التي تتستر خلف شعارات جوفاء، هذا التحالف الذي جعل من المواطن السوري في هذه الضفة أسيراً يعاني بطش هذا التحالف وغوغائيته وجرائمه ومصادرة الحريات بإسم الوطن، ويعاني من الفقر والتهميش والضياع والتغيير الديمغرافي خدمة لأجندات غريبه عن الوطن السوري، وتنفيذاً لما تطلبه طهران وأذرعها الإجرامية، كل هذا تحت شعار المقاومة الإسلامية التي تمثل كل شيء إلا المقاومة والإسلام، فأين قيم المقاومة ورفع الظلم في ممارسات ذلك التحالف؟ وأين الإسلام وقيمه من ممارسات القتلة والحض على الكراهية بين مكونات الشعب السوري وبين السوريين ومحيطهم الإقليمي؟

وباختصار، لم تكن مقاومة تحالف السلطه والميليشيات وبطشهم إلا بوجه الشعب السوري وحريته وتنفيذ مايطلب منهم بحذافيره لتدمير البلاد وبيع كل شيء في هذا البلد بدءً من تاريخه وحضارته ومايملكه من أوابد وانتهاء بثرواته الطبيعيه ومؤسساته حتى مياهه وترابه وهوائه، غايتها الحفاظ على امتيازاتها ومكاسبها لتشكل أسوأ مثال للإجرام في حق الوطن والمواطن على مر العصور.

وفي موازاتهم هناك شكل تم استنساخه من رحم السلطه الحاكمه والعصابة التي تمثلها مجموعة تدعي تمثيل الشعب السوري وتطلعاته، مجموعة من خليط غير متجانس يشترك في الأهداف تحالف أيضاً مع أحد أشكال الإسلام السياسي وتنظيماته، سموا أنفسهم معارضة سورية لاتختلف أساليبهم وطرق عملهم وأهدافهم وخططهم عن العصابة الأولى، ويتصدر هذا المشهد تحالف الإسلام السياسي مع تيار انتهازي من المعارضة السوريه حيث باتت سيطرت جماعة الإخوان المسلمين هي الكارثة التي ألمت بالمعارضة السورية، فصادرت الأراء وتصدرت واجهة العمل السياسي والعسكري المعارض وامتهنت الاقصاء كوسيله للحصول على مكاسب رخيصة قادمة ضمن إطار أي حل سياسي قد يلوح في الأفق، يفرض من قبل المجموعه الدولية التي تتحكم بموجودات الرقعة والمشهد السوري العام وممارساتهم الخاطئة وارتهانهم للإقليمي وأجنداته.

زادت الوضع السوري مآساة تضاف لمآساة، وأصبح الشارع المعارض ناقماً على هذه المجموعه التي صادرت كل شيء من آماله وطموحاته وحريته رافعة شعارات كالثورة والإسلام، وهم في حقيقتهم أبعد ما يكون عن تمثيل القيم الثورية والإسلامية، فصودرت الحريات باسم الإسلام، وصودرت كرامة المواطن بإسم الثورة، باعوا كل طموحات الشعب السوري وكل آماله خدمة لاستكمال مشروع تدمير الوطن السوري، فاستشرى الفساد والتطرف والفقر والجهل، ليحولوا في بضعة سنين ثورة شعب عظيم لأسوأ كارثه إنسانية وليعمقوا من جراح الشعب السوري، هذه البيادق التي تنتشر على الرقعة السورية ولكن.. لا مربعات بيضاء، فقط يتموضعون في مربعات سوداء تختلف عن بعضها بدرجة ظلاميتها.

من رحم المآساة يولد الأمل، دوماً ودوماً تتفجر ينابيع الحياة من الحجر الأسود القاتم، كمية الألم الكبير الذي يعيشه الشعب السوري هنا وهناك وفي الداخل والخارج سيكون هو الكفيل بتصحيح مسارات الأمور إلى سياقها الطبيعي الإنساني وعودة النسيج الاجتماعي بين السوريين هو وحده الضامن لإعادة بناء سوريا، بعد لفظ شوائبها، وأدواتها، هذه الحركة التي بدأت النخب السورية تتحرك بشكل مكثف من خلالها مستفيدة قدر الإمكان مما يحدث الآن من توجه دولي وإقليمي لإنهاء المآساة السورية، وازياد الوعي الشعبي لمايحدث في جميع الأراضي السورية على اختلاف العصابات التي تسيطر على هذه الأرض، وأصبح الشعب السوري تواقاً للخلاص من جميع من امتهنوا كرامته وداسوا حريته باسم الثورة والمقاومة والإسلام،  لابد أن هذه الساعه المفصلية قادمة، بحيث يغيب جميع من أجرم بحق الشعب السوري عن المشهد وتبقى سوريا وشعبها، وجمالها وحضارتها ومساجدها وكنائسها وقببها البيضاء،مثالاً للوحة جميلة حاول الطغيان تمزيقها مراراً وتكراراً على مر العصور ففشلوا ورحلوا وبقيت سوريا.

عبد العزيز مطر – إعلامي سوري

شاهد أيضاً

ثروت الخرباوي

الوباء الذي أصاب أمتنا

في عالم السياسة ـوفي العوالم الأخرى أيضاًـ لا تنخدع بالظاهر، لكن تمهل وانظر واستبصر وحلّل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.