ليتها كانت يتيمة

ثائر الزعزوع
ثائر الزعزوع

ثائر الزعزوعصحفي سوري

لا أدري من هو صاحب العبارة الشهيرة “الثورة اليتيمة” والتي لم نزل نرددها منذ سنوات، في وصف “تخلي” العالم عن الثورة السورية، وتركهم لنا نحن السوريين نقارع النظام الديكتاتوري المستبد وحدنا، إذ بمقدار ما تبدو هذه العبارة، عاطفية رومانسية، ترضي نزوعنا لتبرير الحالة المتردية التي وصلت إليها الثورة، إلا أنها تجافي الوقائع والواقع جملة وتفصيلاً، فالحقيقة تقول إن الثورة السورية لم تترك وحدها أبداً، بل إن ثمة من تدخل فيها بعد مرور أقل من ستة أشهر على انطلاقتها، سياسياً وعسكرياً، وثمة من تبناها منذ أيامها الأولى إعلامياً، فخصصت ساعات لنقل أدق تفاصيل ما يحدث في الشوارع السورية، وحتى تلك القصية منها، وتحولت مظاهرة ليلية صامتة، في قرية نائية، في الشمال أو الشرق السوري، إلى خبر عاجل، تتناقله قنوات فضائية ووكالات أنباء.

وسمع العالم بأسره أسماء مدن وقرى لم يكن السوريون أنفسهم قد سمعوا بها من قبل. بل إن مؤسسات إعلامية ضربت بمهنيتها عرض الحائط، وخالفت أبسط قواعد النشر، فبثت مقاطع فيديو و أخباراَ دون التحقق من صحتها، في بعض الأحيان، و أمام تلك الآلة الإعلامية المتطورة، والتي يثق بها الناس، وجد النظام نفسه يتيماً، طبعاً فهو لا يمتلك أية مقومات تمكنه من خوض صراع إعلامي بأدواته الإعلامية المتخلفة، والتي لا زالت متخلفة حتى يومنا هذا. لذلك فقد سارع بدوره للبحث عن آباء يتبنونه، و نجح أيما نجاح، فقد توافد حلفاؤه لنصرته لا إعلامياً فحسب، ولكن اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

منذ مجزرة الكيماوي صيف العام ٢٠١٣ بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وكأنه الآمر الناهي في الملف السوري، وتحول وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى مساعد له، يردد ما يقوله المسؤول الروسي، ولا يخالفه في شاردة أو واردة، روى لي أحد الضباط، وهو برتبة عميد، ما زال على رأس عمله حتى تاريخ كتابة هذه المقالة أن دور الضباط القادة السوريين هو تلقي الأوامر من “المستشارين الإيرانيين والروس” ونقلها إلى مرؤوسيهم، ولا يحق لهم إبداء رأيهم في كبيرة أو صغيرة.

وبعيداً عن التبني الإعلامي للثورة، فقد تطوع عشرات وربما مئات المحللين والسياسيين، عرباً واجانب،أحياناً، ليصيروا آباء لتلك الثورة، فلم يترددوا عن تقديم النصح، ورسم مخططات الحل، والظهور كأنهم ناطقون بلسان الثورة. فلم يعد مستغرباً، والحالة هذه، أن يتوارى أهل الثورة خلفهم، إما بسبب قلة خبرتهم، وهذا يمكن تقديم عشرات الأدلة عليه، أو بسبب حاجتهم الماسة إلى لعب دور مهما كان، وقد ظلوا عشرات السنين مهمشين. عام ٢٠١٤ عقد اجتماع للمعارضة السورية في مدينة استنبول التركية، وكان الاجتماع، كما قيل وقتها، سرياً، لكن أحد أبرز المعارضين السوريين غادر قاعة الاجتماع، ليدلي بتصريح لقناة تلفزيونية، يسرد فيه تفاصيل ما اتفقوا وما اختلفوا عليه، مع أن الاجتماع، وللتذكير، كان سرياً، ومنع الإعلاميون السوريون من تغطيته. سألت، لاحقاً، عن السبب الذي يدفع ذلك المعارض لفعل ما فعله، فقيل لي، والكلام على ذمة الراوي، إنه ملتزم بما يشبه العقد مع القناة، وإنه يتلقى أجراً لقاء الظهور على شاشتها. طبعاً هناك تفاصيل إضافية أخبرني بها محدثي، لست في وارد ذكرها، لأني لست متأكداً منها.

كانت أدوات الثورة بدائية، في بداياتها الأولى، قبل أن يكثر آباؤها، اعتمدت على الابتكار، و أنجزت حراكاً مدهشاً للعالم، في مواجهة آلة قمع مخيفة لديها خبرة في القتل والتدمير. كتب برهان غليون بعد شهر من اندلاع الثورة، “إن مجرد خروج السوريين بتلك الطريقة يعد معجزة”، فمن كان يتخيل شعباً تم إرهابه على مدى أربعة عقود قادراً على تحدي خوفه، وهو يعرف النتائج سلفاً، والخروج في مظاهرات سلمية تحمل أغصان الزيتون وتوزع الزهور على الجنود؟.

الثورة اليتيمة استطاعت فعل ذلك وأكثر، واستطاعت أن تخترق القبضة الأمنية وتوصل المساعدات إلى المناطق التي كانت تحاصرها قوات النظام. لكن الثورة بعد أن تم تبنيها فقدت قدرتها على الابتكار، وصارت تنتظر الحلول من آبائها، بل وتنتظر مثل طائر صغير في عش، أولئك الآباء كي يجلبوا لها الطعام، ويعلموها على الطيران. وما بين مشهدين تلفزيونيين، تتلخص الحكاية كاملة، المشهد الأول خريف العام ٢٠١٢ تظهر سيدة في إحدى مناطق حوران لتقول: “نحن سوف نكمل ثورتنا، ولن ينجح النظام، ولا العالم الذي يدعمه في ثني عزيمتنا، سوف نمضي حتى ننتصر”. فيما سوف يظهر في المشهد الثاني رجل في المنطقة نفسها، ربما، بداية العام ٢٠١٣ ليخاطب العالم: “أيها العالم أنت تتركنا لنموت، أيها العالم أنقذنا من هذه الوحشية”!!.

ليتها كانت يتيمة، ربما لم نكن لنصل إلى ما وصلنا إليه.

ثائر الزعزوعصحفي سوري

لا أدري من هو صاحب العبارة الشهيرة “الثورة اليتيمة” والتي لم نزل نرددها منذ سنوات، في وصف “تخلي” العالم عن الثورة السورية، وتركهم لنا نحن السوريين نقارع النظام الديكتاتوري المستبد وحدنا، إذ بمقدار ما تبدو هذه العبارة، عاطفية رومانسية، ترضي نزوعنا لتبرير الحالة المتردية التي وصلت إليها الثورة، إلا أنها تجافي الوقائع والواقع جملة وتفصيلاً، فالحقيقة تقول إن الثورة السورية لم تترك وحدها أبداً، بل إن ثمة من تدخل فيها بعد مرور أقل من ستة أشهر على انطلاقتها، سياسياً وعسكرياً، وثمة من تبناها منذ أيامها الأولى إعلامياً، فخصصت ساعات لنقل أدق تفاصيل ما يحدث في الشوارع السورية، وحتى تلك القصية منها، وتحولت مظاهرة ليلية صامتة، في قرية نائية، في الشمال أو الشرق السوري، إلى خبر عاجل، تتناقله قنوات فضائية ووكالات أنباء.

وسمع العالم بأسره أسماء مدن وقرى لم يكن السوريون أنفسهم قد سمعوا بها من قبل. بل إن مؤسسات إعلامية ضربت بمهنيتها عرض الحائط، وخالفت أبسط قواعد النشر، فبثت مقاطع فيديو و أخباراَ دون التحقق من صحتها، في بعض الأحيان، و أمام تلك الآلة الإعلامية المتطورة، والتي يثق بها الناس، وجد النظام نفسه يتيماً، طبعاً فهو لا يمتلك أية مقومات تمكنه من خوض صراع إعلامي بأدواته الإعلامية المتخلفة، والتي لا زالت متخلفة حتى يومنا هذا. لذلك فقد سارع بدوره للبحث عن آباء يتبنونه، و نجح أيما نجاح، فقد توافد حلفاؤه لنصرته لا إعلامياً فحسب، ولكن اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

منذ مجزرة الكيماوي صيف العام ٢٠١٣ بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وكأنه الآمر الناهي في الملف السوري، وتحول وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى مساعد له، يردد ما يقوله المسؤول الروسي، ولا يخالفه في شاردة أو واردة، روى لي أحد الضباط، وهو برتبة عميد، ما زال على رأس عمله حتى تاريخ كتابة هذه المقالة أن دور الضباط القادة السوريين هو تلقي الأوامر من “المستشارين الإيرانيين والروس” ونقلها إلى مرؤوسيهم، ولا يحق لهم إبداء رأيهم في كبيرة أو صغيرة.

وبعيداً عن التبني الإعلامي للثورة، فقد تطوع عشرات وربما مئات المحللين والسياسيين، عرباً واجانب،أحياناً، ليصيروا آباء لتلك الثورة، فلم يترددوا عن تقديم النصح، ورسم مخططات الحل، والظهور كأنهم ناطقون بلسان الثورة. فلم يعد مستغرباً، والحالة هذه، أن يتوارى أهل الثورة خلفهم، إما بسبب قلة خبرتهم، وهذا يمكن تقديم عشرات الأدلة عليه، أو بسبب حاجتهم الماسة إلى لعب دور مهما كان، وقد ظلوا عشرات السنين مهمشين. عام ٢٠١٤ عقد اجتماع للمعارضة السورية في مدينة استنبول التركية، وكان الاجتماع، كما قيل وقتها، سرياً، لكن أحد أبرز المعارضين السوريين غادر قاعة الاجتماع، ليدلي بتصريح لقناة تلفزيونية، يسرد فيه تفاصيل ما اتفقوا وما اختلفوا عليه، مع أن الاجتماع، وللتذكير، كان سرياً، ومنع الإعلاميون السوريون من تغطيته. سألت، لاحقاً، عن السبب الذي يدفع ذلك المعارض لفعل ما فعله، فقيل لي، والكلام على ذمة الراوي، إنه ملتزم بما يشبه العقد مع القناة، وإنه يتلقى أجراً لقاء الظهور على شاشتها. طبعاً هناك تفاصيل إضافية أخبرني بها محدثي، لست في وارد ذكرها، لأني لست متأكداً منها.

كانت أدوات الثورة بدائية، في بداياتها الأولى، قبل أن يكثر آباؤها، اعتمدت على الابتكار، و أنجزت حراكاً مدهشاً للعالم، في مواجهة آلة قمع مخيفة لديها خبرة في القتل والتدمير. كتب برهان غليون بعد شهر من اندلاع الثورة، “إن مجرد خروج السوريين بتلك الطريقة يعد معجزة”، فمن كان يتخيل شعباً تم إرهابه على مدى أربعة عقود قادراً على تحدي خوفه، وهو يعرف النتائج سلفاً، والخروج في مظاهرات سلمية تحمل أغصان الزيتون وتوزع الزهور على الجنود؟.

الثورة اليتيمة استطاعت فعل ذلك وأكثر، واستطاعت أن تخترق القبضة الأمنية وتوصل المساعدات إلى المناطق التي كانت تحاصرها قوات النظام. لكن الثورة بعد أن تم تبنيها فقدت قدرتها على الابتكار، وصارت تنتظر الحلول من آبائها، بل وتنتظر مثل طائر صغير في عش، أولئك الآباء كي يجلبوا لها الطعام، ويعلموها على الطيران. وما بين مشهدين تلفزيونيين، تتلخص الحكاية كاملة، المشهد الأول خريف العام ٢٠١٢ تظهر سيدة في إحدى مناطق حوران لتقول: “نحن سوف نكمل ثورتنا، ولن ينجح النظام، ولا العالم الذي يدعمه في ثني عزيمتنا، سوف نمضي حتى ننتصر”. فيما سوف يظهر في المشهد الثاني رجل في المنطقة نفسها، ربما، بداية العام ٢٠١٣ ليخاطب العالم: “أيها العالم أنت تتركنا لنموت، أيها العالم أنقذنا من هذه الوحشية”!!.

ليتها كانت يتيمة، ربما لم نكن لنصل إلى ما وصلنا إليه.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit