حقوق الكرامة والحرية لا تتجزأ، والسويداء من روافع الوطنية السورية
حقوق الكرامة والحرية لا تتجزأ، والسويداء من روافع الوطنية السورية

حقوق الكرامة والحرية لا تتجزأ، والسويداء من روافع الوطنية السورية

لا يختلف الواقع الكارثي للسوريين في عموم سورية المُختطفة، فمن الطبيعي أن تظهر مآلات سوريالية المظلومية في السويداء المخطوفة لصالح الديكتاتورية والممارسات العنفية من الأسديين وأرزالهم المرتزقة، وهذا من المؤكد هو حال بقية محافظات سورية الموحشة، التي ما زال يتحكم في مصيرها قوى وزعامات التوحش متعددة المرجعيات؛ ومن هذه المقدمة أستطيع المضي في الرفض، لأيَّ قول لا عقلاني، أو شعار مصدره فراغ الواقعية والجهالة لدى من يتحدث أو يكتب، عن أن الجبل (سويداء الكرامة)، لم يكن فيها حراك سياسي معارض وثائر ضد نظام القمع، وهنا إنكار مجحف في حق أهل جبل دائم الإنتفاض لواقعه المأزوم اليوم وكما قبل الثورة، وأثناء لحظات الإنفجار المجتمعي السوري، هذا الحراك الإجتماعي والسياسي المستمر والذي لم يعرف التوقف إلى غاية الآن، وضمن طرق التي تتناسب مع واقعية المجتمع والموقف لديهم، ومن لا يعلم خصوصية الجبل وأهله، الأفضل له إجراء مناورة بحثية، عن ما أفرزه هذا الجبل من شخصيات مواقفها دائماً تناهض سياسة الظلم والإستبداد والتهميش الواقع على عموم سوريا والسويداء واحدة منها، وهي المحافظة التي حافظت وضمن امكانياتها المحدودة، على مضافات الصلح الإجتماعي والحوار السياسي المفتوح، ولو أنه بالحد الأدنى من اللا مسموح، وكذلك الثقافي وغيره، والأهم من كل هذا؛ أنها حافظت على تماسك نسيجها الأسروي والمحيطي الإجتماعي، في ظل تشرذم بقية البيئة الأسروية والإجتماعية لأغلب المحافظات السورية، في ظل سواد سياسة القمع والإستبداد إتجاه المعارض والثائر على الممارسات الجائرة للعصابة الأسدية، ومن ثم عصابات التطرف والإرهاب من عابري الحدود ومحتضنيهم.

ووفق السياق الموضوعي والذي يسوده الظلم وأعمال العنف والتهجير ومحاولات التغييب المستمر لحقوق السوريون والتعتيم على المظلومية السورية المتمثلة في زيادة مأساوية التردي للواقع المعيشي للمواطن/ة السوري/ة، وتغييب كل محاولات التعبير عن هذا الواقع بإستخدام كل وسائل العنف والحرمان المفرط، (يبقى جبل العرب كما كان ولا يزال في أهله وعشائره رافعة أساسية من روافع الوطنية السورية وتعبير أصيل من تعابير هوية سورية الوطنية).

في العودة إلى طبيعة الإنقسام الذي حصل لحظة انطلاقة الثورة السورية بين المؤيد والمستشرف والمعارض والهجومي للحراك الثوري السلمي، نجد أن ما حصل في السويداء هو متشابه بما حدث في عموم مناطق سورية ومجتمعاتها، ومن نافلة القول أن هناك حقيقة لا يمكن تجاهل حدوثها ومدى تأثيرها السلبي في طرق التعاطي مع القضية الوطنية ومآزقها المستمرة في التصاعد، في ظل أستغلال حالة إنقسام المواقف وتعدد ضفاف الإصطفافات التي بلغت حتى عمق الأسرة الواحدة، آخذة في ذلك عدة وجوه للتعبير عن ذلك الإنقسام، سواء عبر أستخدام العنف المفرط، والأقصاء والتغييب لوجود للآخر النقيض، فمن المؤكد بأن كل تلك الإنقسامات ذات التعابير السلبية والمنعكسة في استخدام العنف المفرط، ما كانت لتجد حتى محاولات استخدام لها ولا حتى مساحات واسعة من التأييد في القيام بذلك، لو أنه كان هناك محاولات جدية للنهوض بمشروع وطني إستناده على تحسين واقع عموم السوريون ويستظل وجوده وقوته منهم، وقادر في ذات الوقت على منح السوريين والسوريات الطمأنينة لحياتهم ومستقبلهم، وطبعاً هذا في حال توفرت فرص النهوض فيه، ولكن ما ظهر لنا وتبين إلى جميعنا خلال كل الفترات السابقة والحالية، بأن العقلية السائدة في طرق التعامل مع السوريون وشكل إدارة ومعالجة القضية الوطنية ومن كل الأطراف العاملة والمُنشغلة بالشأن العام بأنها وريثة العقلية الأسدية، تلك العقلية الرافضة لمبدأ الشراكة الإجتماعية والسياسية والأقتصادية والإنمائية … إلخ، أن ذلك تجلى من خلال الأستمرار في مصادرة أبسط حقوق التعبير في اختيار التمثيلات السياسية والإدارية للقضية الوطنية، بل وتعدى ذلك إلى مدى التشابه في محاولات اختطاف مفهوم العدالة إجتماعية وأدلجته بحسب مصلحة كل طرف، إضافة إلى الاستناد على مرجعية في التعامل أساسها إنكار وجود الآخر ووضع أي مناهض أو نقيّد لتلك الإدارة والعقلية موضع المتهم والخائن والعميل ووو…. إلخ.

إن الإطار الذاتي في شكل تعاطي مجمل الشخصيات المسؤولة والمتواجدة في إدارة الملف السوري وبغض النظر كيف تواجدت وطرق اختيار تلك التعيينات، نجد بأنها ورثت ما تيسر من أرث الجنوح والجموح الأسدي، طبعاً هذا يعود إلى الطبيعة الديكتاتورية للنظام وعصاباته ذات المرجعية الفاشية الرافضة لأي تغيير في عقليتها، والمستمرة في التعنت وهذا ما شهدناه ونشهده من خلال السلوك البطشي المُتبع في طرق ووسائل التعامل مع الحراك السوري المُحق صاحب المطالب المشروعة.

ولكن غياب مفهوم الدولة، إضافة إلى سوء الإدارة وعدم وجود شخصيات مرجعيتها هو إحترام وحماية القانون والدستور، اعتقد بأننا حينها ما كنا لنشهد الكارثة السورية الماثلة أمامنا كل يوم، وما كنا لنسمع أو نقرأ بأن هناك من يقول لماذا هذا الحراك اليوم في السويداء، ولماذا لم تشارك بالأمس البعيد، مُنكراً في ذلك حقيقة أن السوري لا يزال محكوم لسلطات أمر واقع متعددة الشرعيات، أدوارها تتمظهر في خدمة المشاريع الضيقة التي تحكمها قوانين وشريعة الغاب، لا وجود فيها لدستور وقانون وعدالة اللذان تم إعدام وجودهم وسلبهم القيمة محاولين في ذلك تحقير قيمهم، ويضاف إلى هذا طرق التهجين لهم بما يتناسب مع جنوح السلطة وإستبدادها، وتسلطها وإحتكارها لكل مفاصل الحياة والمعيشة سواء لصالح عصابة السلطة الأسدية أو لبقية العصابات والمتواجدة في عدة أماكن وبؤر من سورية التي تحولت إلى دولة مارقة وفاشلة، اليوم في سوريا لا يوجد مكان للدولة الوطنية والمجتمع الوطني، كل الأدوار المُتاحة هي للمارقين والمارقين فقط، تقوم على إغتصاب القرار الوطني، وسلب مقدرات البلد، والتسلط على قوت ورقاب المواطن/ة المسلوب/ة.

(السوري ممنوع عليه من أن يحلم بواقع أفضل من تلك الحياة القاسية معيشياً، والمهدورة فيها أبسط حقوق الإنسان الطبيعية حريته وكرامته وموارد يومه)، وفي العودة إلى جبلنا جبل العرب الذي عانى من هذا الإقصاء والحرمان على كافة المستويات من المستوى الخدمي والاقتصادي، التعليمي والإنتاجي، وغياب وسائل إدارة الموارد وتطويرها وهذا يبرر أسباب لجوء معظم شباب وشابات السويداء للهجرة الداخلية والخارجية من سوريا، ليس لطلب العلم والثقافة أو الرفاهية، بل بحثاً عن فرصة لتأمين واقع معيشي أفضل لهم ولعائلاتهم المتواجدة في سويداء الحرمان، للعلم ذلك الواقع متوفر في كل المحافظات السورية، لذا إن المعاناة السورية لا يمكن أن نضع لها مقياس بحسب تفاوت درجات الحرمان والإقصاء والتعنيف، فالمأساة والظلم والإستبداد واحد، والحقوق يجب توافرها للجميع ولا وود للتمايز بين فئة عن فئة، وعلى أغلب الظن أجد بأنه من الضرورة التأكيد في أنه لا يمكن لأيَّ عاقل قبول أيةَّ عبارات أو شعارات لا تساند حراك مجتمعي مرجعيته المطالب المحقة والمشروعة وهذا بغض النظر عن زمكانية الحدث لطالما كان المطلب هو الوصول إلى تغيير واقع معيشي وحياتي أفضل.

في النهاية إن المطالبة بصون وحماية الكرامة والحرية لا يمكن تجزيء أو منح أو انكار تلك الحقوق على الغير، ولا يمكن القبول بأنها حق على حسب أدوار المشاركة أو عدمها أثناء المطالبة في الوصول إلى تلك الحقوق، على ما أعتقد بأن العدالة الإجتماعية ووحدة الحقوق والوصول إلى حياة كريمة وعزيزة هي حق طبيعي أفراد وجماعات، كما من المؤكد بأنها ليست هبة تمنح من هذا أو ذاك حتى يكون لها وزن وقيمة توزيعها حسب أدوار وأصطفافات ميزان العدالة والحقوق والقانون فيه معدوم ومفقود من الأساس.
ولكن بالنسبة لي على الأقل أنظر إلى الجرح السوري وآلامه على أنها واحدة، سواء كان صراخ الألم للموجوع مسموع أو مكتوم، وهذا هو واقع أهلنا في جبل العرب ودير الزور وإدلب والرقة ودمشق ودرعا وحمص وطرطوس وعموم سوريا، ولكن للأسف من قباحة القدر للقضية السورية بأن من يدير السياسة من كل الأطراف السورية هم “كوادر عفن من ثلل تتقن الإتجار بالبشر حياة ومعاناة ووجود”.

بقلم : أحمد منصور – فرنسا 

شاهد أيضاً

ثروت الخرباوي

الوباء الذي أصاب أمتنا

في عالم السياسة ـوفي العوالم الأخرى أيضاًـ لا تنخدع بالظاهر، لكن تمهل وانظر واستبصر وحلّل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.