بدنا نعيش …

ريما فليحان
ريما فليحان

“بدنا نعيش” صيحة السوريين المدوية الذين انتفضوا من أجل أن يعيش أبنائهم في محافظة السويداء مؤخراً، فنزلوا إلى الشوارع لآنهم سئموا الإذلال والقهر الذي يعيشونه لحظة بلحظة، بينما يشاهدون أطفالهم بحاجة أهم الأساسيات التي تضمن للإنسان البقاء وهي الطعام والدفء والأمان كحال معظم المدنيين الأبرياء في كل سوريا، هم يشاهدون أيضاً التخمة التي يعيشها الفاسدون في محافظتهم وفي كل المحافظات السورية، هم يشاهدون السخرية من عقولهم وبصرهم واحساسهم حين يسمعون المتشدقين بعظمة الوضع الاقتصادي الذي تعيشه سوريا الآن مقارنة بما كانت عليه في عام 2011 في مفارقة مضحكة مبكية في أن معاً، فهؤلاء المتشدقون أنفسهم لا يشعرون بقرصة الجوع ولا البرد، ولا يخشون على أبنائهم من عصابات الخطف المرتبطة بالأجهزة الأمنية، ولا السوق للخدمة العسكرية ليكونوا كبش فداء لكرسي بشار الأسد.

من ينشد الحياة يا سادة لا تنقصه الكرامة، بل على العكس تماماً فمن ينتفض لجوعه هو إنسان ربي على الكرامة و يريد أن لا يسلبها منه تجار الحرب والصفقات المشبوهة ونظام فاسد عاهر، هو إنسان سئم فعلياً الإذلال الذي يعيشه لحظة بلحظة في جريه وراء الرغيف والدفء والأمان وهي أبسط حقوق الإنسانية، وكيف يمكن لمن ينزل إلى الشوارع ويصرخ بأعلى صوته ضد حكومة فاسدة قذرة بمناطق تحت سيطرة النظام وعلى مرأى من أجهزة الأمن وأدواته إلا أن يكون صاحب كرامة، من نزل إلى الشوارع في السويداء صارخاً بدنا نعيش هو روح حرة تريد أن تعيش الحياة بكل تفاصيلها، هو إنسان يريد أن يحصًل حقوقه الطبيعية التي كفلتها له كل المواثيق الدولية والأخلاقية، فهل تستكثرون عليهم طلبهم لقوت عوائلهم؟! صرخوا بمليء الحناجر “بدنا نعيش بكرامة” و”حكومتنا سراقة” وصرخوا في الشوارع نساء ورجال من أبناء السويداء بصوت واحد، فتسببوا بإرباك للنظام السارق الفاسد القاتل، فتصدى لهم أبواقه يشتمونهم ويخونونهم ويهددونهم، وأصدر رئيس هذا النظام مرسوماً يعتبر التصريح عن الوضع المعيشي جرماً يستحق السجن لسنوات؟

هم تسببوا أيضاً بإرباك بعض من يسمون أنفسهم جهابذة المعارضة ممن تجاوزتهم اللحظة  فوجدوا أنفسهم خارج سياقها،  فقرروا أن يخونوها ويقللوا من شأنها وهم في مأمن من الجوع والبرد، وحدهم الأحرار فهموا اللحظة ووقفوا إلى جانبها، المتحررين من الطائفية والمنتصرين لإنسانيتهم ولقيم الحرية وحقوق الإنسان، كل من يشاركهم وجع اللحظة أعطى هذا الحراك قيمته،  وحدهم من يتجرعون الموت تحت قصف براميل الأسد رفعوا اللافتات التي تحيي السويداء وأهلها من إدلب ومن تحت النار مباشرة، هؤلاء أخوة الوجع وحدهم،  لأنهم جربوا وعرفوا ماذا يعني أن تشعر بالعجز أمام بكاء أطفالك، ماذا يعني أن تكون سورياً في عالم لا يكترث إلا بلعبة المصالح؟ ومن يكسب أكثر على أرض محروقة من أجل بقاء الأسد وأشباهه؟ وبأحسن الأحوال عالم اعتاد مأساتنا ولم يعد يرف له جفن حين يقرأ أخبارانا في جريدته الصباحية، أو على الشريط العاجل إن كنا محظوظين.

قد يقول قائل هي مظاهرات عرضية لن تلبث إلا أن تتوقف، وإن؟ لا يملك أحد خاصة مننا نحن الناجين أن يزاود على كل السوريين الذين ما زالوا في داخل سوريا من المدنيين الأبرياء، لا يملك أحداُ حق أن يقرر ماذا يحب أن يفعل كل هؤلاء الرهائن الذين يعيشون مرغمين في وضع قاهر لا يمكن احتماله، هم أدرى بظروفهم بعد أن خذلهم الجميع، وأدرى بمشاعرهم حين لا يمكن لنا أن نعيشها، وأدرى بأفكارهم وهم يعيشون القلق في كل تفصيل من تفاصيل حياتهم، ومن حقهم أن يقرروا كيف سيقاومون وضعهم الكارثي، دون تنظير وتقييم ومحاولات قفز على تضحياتهم وألمهم. نعم لربما لا تستمر تلك المظاهرات، ولربما أيضاً تمتد إلى محافظات أخرى لا يمكنني أن أجزم، لكنني أعرف حق المعرفة أن المدنيون الأبرياء في سوريا اليوم يئنون ألماً، وإن  لكل إنسان قدرة على الاحتمال لا تلبث إلا أن تنفجر،  وحين تنفجر لن يكترث هؤلاء لمراسيم المعتوه الزجرية ولا لمقاييس المعارضة الخشبية لآن هؤلاء يحركهم أنين أطفالهم ورغبة بالحياة والبقاء والخلاص من مرحلة الألم تلك، تحية لأبناء السويداء المنتفضين للحياة وتحية لكل من سبقهم إلى شوارع الانعتاق من الظلم من أجل الحرية والكرامة والمواطنة. فكل هذه الحناجر تلتقي في طلب الحقوق.

 ريما فليحان

“بدنا نعيش” صيحة السوريين المدوية الذين انتفضوا من أجل أن يعيش أبنائهم في محافظة السويداء مؤخراً، فنزلوا إلى الشوارع لآنهم سئموا الإذلال والقهر الذي يعيشونه لحظة بلحظة، بينما يشاهدون أطفالهم بحاجة أهم الأساسيات التي تضمن للإنسان البقاء وهي الطعام والدفء والأمان كحال معظم المدنيين الأبرياء في كل سوريا، هم يشاهدون أيضاً التخمة التي يعيشها الفاسدون في محافظتهم وفي كل المحافظات السورية، هم يشاهدون السخرية من عقولهم وبصرهم واحساسهم حين يسمعون المتشدقين بعظمة الوضع الاقتصادي الذي تعيشه سوريا الآن مقارنة بما كانت عليه في عام 2011 في مفارقة مضحكة مبكية في أن معاً، فهؤلاء المتشدقون أنفسهم لا يشعرون بقرصة الجوع ولا البرد، ولا يخشون على أبنائهم من عصابات الخطف المرتبطة بالأجهزة الأمنية، ولا السوق للخدمة العسكرية ليكونوا كبش فداء لكرسي بشار الأسد.

من ينشد الحياة يا سادة لا تنقصه الكرامة، بل على العكس تماماً فمن ينتفض لجوعه هو إنسان ربي على الكرامة و يريد أن لا يسلبها منه تجار الحرب والصفقات المشبوهة ونظام فاسد عاهر، هو إنسان سئم فعلياً الإذلال الذي يعيشه لحظة بلحظة في جريه وراء الرغيف والدفء والأمان وهي أبسط حقوق الإنسانية، وكيف يمكن لمن ينزل إلى الشوارع ويصرخ بأعلى صوته ضد حكومة فاسدة قذرة بمناطق تحت سيطرة النظام وعلى مرأى من أجهزة الأمن وأدواته إلا أن يكون صاحب كرامة، من نزل إلى الشوارع في السويداء صارخاً بدنا نعيش هو روح حرة تريد أن تعيش الحياة بكل تفاصيلها، هو إنسان يريد أن يحصًل حقوقه الطبيعية التي كفلتها له كل المواثيق الدولية والأخلاقية، فهل تستكثرون عليهم طلبهم لقوت عوائلهم؟! صرخوا بمليء الحناجر “بدنا نعيش بكرامة” و”حكومتنا سراقة” وصرخوا في الشوارع نساء ورجال من أبناء السويداء بصوت واحد، فتسببوا بإرباك للنظام السارق الفاسد القاتل، فتصدى لهم أبواقه يشتمونهم ويخونونهم ويهددونهم، وأصدر رئيس هذا النظام مرسوماً يعتبر التصريح عن الوضع المعيشي جرماً يستحق السجن لسنوات؟

هم تسببوا أيضاً بإرباك بعض من يسمون أنفسهم جهابذة المعارضة ممن تجاوزتهم اللحظة  فوجدوا أنفسهم خارج سياقها،  فقرروا أن يخونوها ويقللوا من شأنها وهم في مأمن من الجوع والبرد، وحدهم الأحرار فهموا اللحظة ووقفوا إلى جانبها، المتحررين من الطائفية والمنتصرين لإنسانيتهم ولقيم الحرية وحقوق الإنسان، كل من يشاركهم وجع اللحظة أعطى هذا الحراك قيمته،  وحدهم من يتجرعون الموت تحت قصف براميل الأسد رفعوا اللافتات التي تحيي السويداء وأهلها من إدلب ومن تحت النار مباشرة، هؤلاء أخوة الوجع وحدهم،  لأنهم جربوا وعرفوا ماذا يعني أن تشعر بالعجز أمام بكاء أطفالك، ماذا يعني أن تكون سورياً في عالم لا يكترث إلا بلعبة المصالح؟ ومن يكسب أكثر على أرض محروقة من أجل بقاء الأسد وأشباهه؟ وبأحسن الأحوال عالم اعتاد مأساتنا ولم يعد يرف له جفن حين يقرأ أخبارانا في جريدته الصباحية، أو على الشريط العاجل إن كنا محظوظين.

قد يقول قائل هي مظاهرات عرضية لن تلبث إلا أن تتوقف، وإن؟ لا يملك أحد خاصة مننا نحن الناجين أن يزاود على كل السوريين الذين ما زالوا في داخل سوريا من المدنيين الأبرياء، لا يملك أحداُ حق أن يقرر ماذا يحب أن يفعل كل هؤلاء الرهائن الذين يعيشون مرغمين في وضع قاهر لا يمكن احتماله، هم أدرى بظروفهم بعد أن خذلهم الجميع، وأدرى بمشاعرهم حين لا يمكن لنا أن نعيشها، وأدرى بأفكارهم وهم يعيشون القلق في كل تفصيل من تفاصيل حياتهم، ومن حقهم أن يقرروا كيف سيقاومون وضعهم الكارثي، دون تنظير وتقييم ومحاولات قفز على تضحياتهم وألمهم. نعم لربما لا تستمر تلك المظاهرات، ولربما أيضاً تمتد إلى محافظات أخرى لا يمكنني أن أجزم، لكنني أعرف حق المعرفة أن المدنيون الأبرياء في سوريا اليوم يئنون ألماً، وإن  لكل إنسان قدرة على الاحتمال لا تلبث إلا أن تنفجر،  وحين تنفجر لن يكترث هؤلاء لمراسيم المعتوه الزجرية ولا لمقاييس المعارضة الخشبية لآن هؤلاء يحركهم أنين أطفالهم ورغبة بالحياة والبقاء والخلاص من مرحلة الألم تلك، تحية لأبناء السويداء المنتفضين للحياة وتحية لكل من سبقهم إلى شوارع الانعتاق من الظلم من أجل الحرية والكرامة والمواطنة. فكل هذه الحناجر تلتقي في طلب الحقوق.

 ريما فليحان

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit