مصطفى حمزة
مصطفى حمزة

المظاهرات الإيرانية.. هل تقود نظام الملالي إلى الهاوية؟

شهدت إيران خلال الأعوام الماضية العديد من الاحتجاجات الفئوية والشعبية، تزايدت وتيرتها عامًا بعد عام، مع عجز الحكومة عن احتوائها، أو النظر في أسبابها الحقيقية لمعالجتها؛ لتصبح القوة المفرطة هي اللغة الوحيدة التي تجيدها الأجهزة الأمنية بعدما تخلت عن ضبط النفس، متناسية أن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه، وهو ما حدث بالفعل، فمع نجاح الأمن في تفريق المتظاهرين كل مرة، إلا أن التظاهرات سرعان ما تنشب مرة أخرى بوتيرة أشد، من حيث عدد المتظاهرين ومدن الانتشار والمطالب والشعارات المرفوعة والهتافات، التي طالت الرموز الدينية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، بما يدفعنا للسؤال عن مستقبل هذه التظاهرات، وقدرتها على إحداث تغيير في بنية النظام الذي يحكم بالحديد والنار.

الحديث عن السيناريوهات المستقبلية للاحتجاجات الإيرانية وانعكاساتها على بنية النظام السياسي تتوقف على عدة عوامل، أهمها استمرار أسباب الرفض الشعبي في الداخل الإيراني، وهي متعددة ومتباينة، فمنها ما هو اقتصادي، مثل ارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية، ومنها ما هو اجتماعي، مثل رفع الدعم عن الفقراء وزيادة نسب البطالة وارتفاع معدلات الهجرة، ومنها ما هو سياسي، مثل فشل النظام الإيراني بجناحيه “المحافظين” ويمثلهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، و”الإصلاحيين” ويمثلهم الرئيس حسن روحاني، خاصة في ظل حالة الإحباط التي سيطرت على المواطن الإيراني بعد فشل الإصلاحيين والمحافظين على احتواء الأوضاع التي تزداد سوءً يومًا بعد يوم.

بالإضافة إلى العوامل الخارجية غير المباشرة التي تؤجج الأوضاع في إيران مثل العقوبات الأمريكية التي أعاد ترامب فرضها على إيران مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية لتكون الأسوأ في التاريخ الإيراني منذ ثورة الخميني، وكذلك تدخل النظام الإيراني في شؤون الدول الأخرى، بدعم ميليشيات طائفية في منطقة الشرق الأوسط، مثل “الحشد الشعبي” في العراق، و”جماعة أنصار الله الحوثية” في اليمن، و”حزب الله” في لبنان، وميليشيات “حزب الله” و”لواء أبو الفضل العباس” و”كتائب سيد الشهداء” وغيرها في سوريا، وهذا الدعم أرهق إيران ماليًا، وجاء على حساب المواطن الإيراني الذي أصبح في طي النسيان الحكومي.

ولا يمكن إهمال دور التطور الهائل في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي التي ساهمت في سرعة حشد الجماهير وتوحيد تحركاتهم الاحتجاجية، وهو ما انعكس على المظاهرات التي حدثت بعد «الحركة الخضراء»؛ ليقابلها النظام دون تردد بقطع الإنترنت لعدة أيام؛ حتى يتمكن من قطع سبل التواصل بين المحتجين.

عفوية التظاهرات وغياب القيادة قد يكون سلاحًا ذا حدين، فعلى الرغم من أهمية القائد الكاريزمي، إلا أن عدم وجوده يجعل من الصعب التحكم في المظاهرات من قبل النظام، الذي لن يجد من يتفاوض معه نيابة عن المتظاهرين، لإقناعهم بالتخلي عن الاحتجاج بهذه الطريقة، مما يسبب إرباكًا له في كيفية احتوائها.

لن يتخلى النظام عن سياسته بالتدخل في دول المنطقة، ولن تسمح الولايات المتحدة بتجاوز الاحتجاجات الحد الذي يتعارض مع مصالحها ببقاء الميليشيات الإيرانية التي تتذرع بها أمريكا وغيرها لتحافظ على وجود وكلائها من التنظيمات المتطرفة لتحارب جيوش دول المنطقة بالوكالة عنها، بحجة محاربتها لميليشيات إيران.

ولكن لا يمكن التعويل على المواقف الدولية المؤيدة للحراك في إيران، مثل موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دون الاستمرار في فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على النظام، وهذا يتوقف على الغرض الذي من أجله تفرض أمريكا تلك العقوبات؛ فهي لا تفعل ذلك للإطاحة بالنظام ولا لتأليب المتظاهرين ضده، وإنما فقط لتقليم أظافره وإجباره على الجلوس على طاولة المفاوضات، وهو سيناريو وارد بقوة لأن حسابات المكسب والخسارة تقول أن مكاسب الطرفين (الأمريكي والإيراني) من التفاوض أفضل من الاستمرار في العقوبات والتصعيد الذي سيخسر منه الطرفان، حيث إن تغيير النظام الإيراني لا يصب بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة، بل على العكس من ذلك قد تفشل أمريكا في التعاون الإيجابي مع أي نظام بديل.

ارتفاع وتيرة العنف الحكومي في قمع المتظاهرين الذين خرجوا للتعبير عن رفضهم سياسات النظام وفشله في العديد من القضايا والملفات الحياتية لن يكتب شهادة وفاة الاحتجاجات حتى وإن قضى عليها بشكل مؤقت، فقد عرف الإيرانيون طريق الشارع للتعبير عن غضبهم ولا يمكنهم العودة إلى الوراء.

إن عملية الاحتجاج في إيران هي عملية تراكمية، وبالتالي فإن مستقبلها مرهون بالمراحل التالية التي ستكون في الغالب أكثر فتكًا من سابقيها، وأكثر تنظيمًا، بشكل قد يقود إلى عصيان مدني، يجبر قيادات من الحرس الثوري على الإطاحة بخامنئي واستبداله بآخر، وهو أمر رغم صعوبة تحقيقه إلى حد كبير، إلا أن صحفًا كثيرة بدأت تتحدث عن بديل المرشد الأعلى وتطرح أسماءً أخرى، وفي هذه الحالة لن يتخلص الإيرانيون من نظام الملالي ولكن ستتغير بعض الوجوه والسياسات ليستمر في الحكم.

ربما لم تنجح الاحتجاجات الإيرانية بعد في الإطاحة بهذا النظام الذي جثم على صدورهم قرابة النصف قرن ولكن من المؤكد أنهم سينجحوا في المرات القادمة في خلخلته وزعزعته إلى أن تأتي رياح التغيير بما تشتهي سفن المتظاهرين، وإنها لقادمة.

مصطفى حمزةكاتب مصري

شاهد أيضاً

بسام البني

من سيتفق مع سمو الأمير أولاً، بوتين أم ترامب؟

إن الجمع بين ثلاثة عوامل، الحرب على سوق النفط وأسعاره، ووباء كورونا فايروس المرافق لها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.