الكورد في إيران وهاجس المطالب القومية

شفان إبراهيم

تعيش القومية الكوردية في إيران أربعة ضواغط مزدوجة، تكبح جموحه للمواجهة المباشرة مع الجهات الأمنية والعسكرية الإيرانية. إحداها عام، يشمل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية أسوة بغيرها. والثانية خاصة بمناطقه والكبت السياسي والمحاولات الحثيثة لاستئصال الباعث الهوياتي القومي من صفوف الكورد، ويعانون من ضربات وفواتير باهظة، خاصة وأن إيران تتجاوز في علاقتها مع الكورد قضية هيمنة الدولة وسلطتها، لتصل إلى تمازج القومية واللغة والهوية مع المذهب الديني. لكن لا سطوة ولا دور ديني للتعريف بالقضية القومية والهوية الكوردية في إيران، خاصة وأن الغالبية الساحقة هم من السُنّة، ومع تمركز الكورد الشيعة في إيلام وكرمنشاه. فإن التعريف المحدد الوحيد للكُرد في إيران يتجسد عبر تمازج القومية مع الطرح السياسي فحسب، عدا عن تأثُر فئة الشباب بحركة إعلام كوردستان العراق، والبواعث القومية وراء ذلك، وبشكل أخص الفئات المتبعة للمذهب الشيعي في كوردستان إيران.

والثالثة كنتيجة للعاملين السابقين، فإن تأثر المنطقة الكوردية بالعقوبات الأمريكية أكثر من غالبية باقي المناطق الأخرى، دفعهم ذلك للجوء إلى إقليم كوردستان العراق، وحجم الاستفادة الاقتصادية التي تُجنيها عوائلهم في الداخل، تتأثر بحجم ونوع زيادة الضغوطات المفروضة على إيران وحجم تدهور الريال الإيراني، ما يُشكل عبئ إضافي على عوائلهم وذووهم المُعتاشين من تلك الأموال.

أما الرابعة والتي تُشكل مركزية المُنافسة والسلاح الإيراني البديل عن المواجهة المُباشرة ضد الكورد، تتجسد بدعم وسيطرة الأذريين على مقادير الحكم والبلاد. من جهة تالية وبعد “توزيع وتقاسم” إيران بين النُخب وشخصيات الدرجة الأولى من السياسيين والاقتصاديين والعسكريين ورجال الدين، فإن نظام المحاصصة أصبح هو الحاكم الفعلي هناك، وباعتبار أن الاذريين هم الأعداء التاريخيين للكورد، أو لنقل إنهم تحولوا إلى ذلك؛ نتيجة التحالف الأذري الفارسي منذ عقود، فإن الضحية الأكبر سيكون الكورد بفعل عامل التوزيع الحصصي للسيطرة والقرار ضمن إيران وعدم تواجد أي شخصية كوردية من ضمن الأطراف الكوردية السياسية الرئيسية، ضمن الفئات الحاكمة الفاعلة والرئيسية للحكم في طهران، فإن لا سواند ولا دعائم للكورد هناك. كما أن جزر الخلافات لا تنفصل عن فترة إعلان جمهوريتي أذربيجان ومهاباد . فأصبح الأذريين جزء من نواة النظام الإيراني الصلبة، بينما تحول الكورد إلى واجهة أساسية لتشكيل المخاطر التي تهدد الكيان الفارسي وفق التعريف المحدد للكورد في عقلية وذهنية النظام الإيراني.

تتجاوز قضية الكورد في إيران ومظاهراتهم مجرد رفع سعر الوقود، لكنه بطبيعة الحال أسهم في تعميق هوة الفقر والجوع المسيطر أصلاً على حيوات الناس بسبب الحصار الاقتصادي، وتحويل المساحات الشاسعة المُهملة إلى أحزمة الفقر ومدّن الصفيح البائسة، لكن من المرجح أن يكونوا هذه المرة أكثر حذراً وعدم التضحية بالنفس أو أن يُصبِحوا كبش فداء لمعركة لم تتوضح ملامحها بعد. ثمة تشابه حال المعيشة والحياة السياسية للكورد وباقي القوميات الأخرى من فرس، أذر، ، عرب، بلوج، تركمان إضافة إلى أقليات مسيحية ويهوية وبهائية وزردشتية. لكن التظاهرات الأخيرة لها طابع مركب، فالذاكرة الكوردية لا تزال تعود إلى أربع أحداث مُهمة مُتراكمة في الوجدان والشعور الكوردي في إيران، أولها: وأد جمهورية كوردستان في مهاباد سنة 1964 وإعدام رئيسها القاضي محمد وعشرات القيادات الكوردية الأخرى ممن كانوا معه، خاصة وأن تمكن القوات الإيرانية من السيطرة عليها جاء بعد انسحاب السوفييت منها.

وثانيتها: اغتيال عبد الرحمن قاسملو زعيم حزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني في 1989 في فيينا بعد استدراجه بحجة الدخول في مفاوضات بين الكورد والإيرانيين. وفي كِلا الحدثين المهمين، لم يجني الكورد سوى خيبة ومرارة ثمن الحرية التي طلبوها، علماً أن أيَّ تغيرات في مجريات وترتيبات نظام الحكم، كان سينعكس مُباشرة على الوضع العام لباقي القوميات والأثينيات.

وثالثتها: عام2015 حين أقدمت فتاة كوردية تدعى فريناز خسرواني للانتحار عبر رمي نفسها من الطابق الخامس لأحدى فنادق مدينة مهاباد بعد محاولات أحد العناصر الأمنية الإيرانية الاعتداء عليها، والغضب الشعبي الكبير والمظاهرات التي عمّت أغلب المحافظات الكوردية، وحجم التكلفة الباهظة في الأرواح البشرية التي قدّموها في تلك التظاهرات. ورابعتها: إعدام المئات المعارضين الكورد وتعلقيهم على أعواد الشانق. في كل تلك المحطات لم يتلقى الكورد في إيران أي مساندة أو تأييد من قبل باقي القوميات الأخرى، وبل وجدوا انفسهم دوماً وحيدين في مواجهة مصيرهم المُرّ.

يتجه كورد إيران للاستفادة بعمق كبير من نوعية وحجم وطبيعة العلاقة بين الكورد في كلٌ من العراق وسوريا، مع الأنظمة والمعارضة، مع بغداد ودمشق، مع الجهات المعارضة لها المقيمة في الداخل والخارج، فالكل أثبتوا فشلهم في التعاطي مع القضية القومية، وستكون تلك التجارب دروس وعبر للكورد الإيرانيين في تعاطيهم مع الواقع الجديد. ومن المرجح أن يكون لإقليم كوردستان العراق دور سياسي فحسب، في أداء الأحزاب الكوردية في إيران، عبر دفعهم لتشكيل لوبي كوردي موحد. اللفتة المضيئة في  عمل الأحزاب الكوردية في إيران أتجه صوب تعميق وتفعيل العمل السياسي والنشاط الدبلوماسي أكثر، والقيام بالتظاهرات والاحتجاجات أمام مقرات الأمم المتحدة ومراكز القرار الدولي.

وهؤلاء –الأحزاب الكوردية في إيران- يدركون أن الإقليم لن يتمكن من دعهم وتسليحهم للحرب؛ بسبب تفهم الطبقة الكوردية الحاكمة أن لا تغيير في موازين القوة الشرق أوسطية دون قرار أمريكي –روسي. إضافة إلى الوضع السياسي الكوردي الداخلي وعمق العلاقات البينية والارتباط العميق لبعض الأحزاب الرئيسية في الإقليم مع إيران.

كما أن رسالة إيران المُحمّلة على إحدى صواريخها المحلية الصُنع، والمنطلقة صوب القنصلية الأمريكية في هولير/أربيل، تحمل في جزئية مهمة منها إلى الكورد في إيران، وكرسالة واضحة لعدم إتيانهم بأي شيء يُعكر الأجواء الداخلية المتوترة أصلاً.

يبدو أن الحذر والترتيب سيكون سيد المشهد في هذه المرة. وسينخرط الكرد شعبياً عبر المظاهرات، لكن سيكون لهم طابعهم الخاص إضافة إلى المطاليب العامة، ولن تنطلي عليهم حيل تأجيل المطالب الكوردية إلى ما بعد الانتهاء من إسقاط النظام الإيراني. فالكورد يدركون جيداً أن حكم طهران لن يسقط عبر المظاهرات ما لم يكن بضاغط وباعث دولي واتفاق على الإنهاء. وثمة مخاوف وتوجسات كوردية من المجتمع الدولي خاصة وأن  الدول الغربية وأمريكا تُخضِع علاقاتها مع الكورد بحسب سياساتهم الخارجية مع الدول والأنظمة الحاكمة.

[author title=”شفان إبراهيم” image=”https://thelevantnews.com/wp-content/uploads/2019/11/شفان-ابراهيم-م.jpg”]كاتب وصحفي سوري[/author]

تعيش القومية الكوردية في إيران أربعة ضواغط مزدوجة، تكبح جموحه للمواجهة المباشرة مع الجهات الأمنية والعسكرية الإيرانية. إحداها عام، يشمل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية أسوة بغيرها. والثانية خاصة بمناطقه والكبت السياسي والمحاولات الحثيثة لاستئصال الباعث الهوياتي القومي من صفوف الكورد، ويعانون من ضربات وفواتير باهظة، خاصة وأن إيران تتجاوز في علاقتها مع الكورد قضية هيمنة الدولة وسلطتها، لتصل إلى تمازج القومية واللغة والهوية مع المذهب الديني. لكن لا سطوة ولا دور ديني للتعريف بالقضية القومية والهوية الكوردية في إيران، خاصة وأن الغالبية الساحقة هم من السُنّة، ومع تمركز الكورد الشيعة في إيلام وكرمنشاه. فإن التعريف المحدد الوحيد للكُرد في إيران يتجسد عبر تمازج القومية مع الطرح السياسي فحسب، عدا عن تأثُر فئة الشباب بحركة إعلام كوردستان العراق، والبواعث القومية وراء ذلك، وبشكل أخص الفئات المتبعة للمذهب الشيعي في كوردستان إيران.

والثالثة كنتيجة للعاملين السابقين، فإن تأثر المنطقة الكوردية بالعقوبات الأمريكية أكثر من غالبية باقي المناطق الأخرى، دفعهم ذلك للجوء إلى إقليم كوردستان العراق، وحجم الاستفادة الاقتصادية التي تُجنيها عوائلهم في الداخل، تتأثر بحجم ونوع زيادة الضغوطات المفروضة على إيران وحجم تدهور الريال الإيراني، ما يُشكل عبئ إضافي على عوائلهم وذووهم المُعتاشين من تلك الأموال.

أما الرابعة والتي تُشكل مركزية المُنافسة والسلاح الإيراني البديل عن المواجهة المُباشرة ضد الكورد، تتجسد بدعم وسيطرة الأذريين على مقادير الحكم والبلاد. من جهة تالية وبعد “توزيع وتقاسم” إيران بين النُخب وشخصيات الدرجة الأولى من السياسيين والاقتصاديين والعسكريين ورجال الدين، فإن نظام المحاصصة أصبح هو الحاكم الفعلي هناك، وباعتبار أن الاذريين هم الأعداء التاريخيين للكورد، أو لنقل إنهم تحولوا إلى ذلك؛ نتيجة التحالف الأذري الفارسي منذ عقود، فإن الضحية الأكبر سيكون الكورد بفعل عامل التوزيع الحصصي للسيطرة والقرار ضمن إيران وعدم تواجد أي شخصية كوردية من ضمن الأطراف الكوردية السياسية الرئيسية، ضمن الفئات الحاكمة الفاعلة والرئيسية للحكم في طهران، فإن لا سواند ولا دعائم للكورد هناك. كما أن جزر الخلافات لا تنفصل عن فترة إعلان جمهوريتي أذربيجان ومهاباد . فأصبح الأذريين جزء من نواة النظام الإيراني الصلبة، بينما تحول الكورد إلى واجهة أساسية لتشكيل المخاطر التي تهدد الكيان الفارسي وفق التعريف المحدد للكورد في عقلية وذهنية النظام الإيراني.

تتجاوز قضية الكورد في إيران ومظاهراتهم مجرد رفع سعر الوقود، لكنه بطبيعة الحال أسهم في تعميق هوة الفقر والجوع المسيطر أصلاً على حيوات الناس بسبب الحصار الاقتصادي، وتحويل المساحات الشاسعة المُهملة إلى أحزمة الفقر ومدّن الصفيح البائسة، لكن من المرجح أن يكونوا هذه المرة أكثر حذراً وعدم التضحية بالنفس أو أن يُصبِحوا كبش فداء لمعركة لم تتوضح ملامحها بعد. ثمة تشابه حال المعيشة والحياة السياسية للكورد وباقي القوميات الأخرى من فرس، أذر، ، عرب، بلوج، تركمان إضافة إلى أقليات مسيحية ويهوية وبهائية وزردشتية. لكن التظاهرات الأخيرة لها طابع مركب، فالذاكرة الكوردية لا تزال تعود إلى أربع أحداث مُهمة مُتراكمة في الوجدان والشعور الكوردي في إيران، أولها: وأد جمهورية كوردستان في مهاباد سنة 1964 وإعدام رئيسها القاضي محمد وعشرات القيادات الكوردية الأخرى ممن كانوا معه، خاصة وأن تمكن القوات الإيرانية من السيطرة عليها جاء بعد انسحاب السوفييت منها.

وثانيتها: اغتيال عبد الرحمن قاسملو زعيم حزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني في 1989 في فيينا بعد استدراجه بحجة الدخول في مفاوضات بين الكورد والإيرانيين. وفي كِلا الحدثين المهمين، لم يجني الكورد سوى خيبة ومرارة ثمن الحرية التي طلبوها، علماً أن أيَّ تغيرات في مجريات وترتيبات نظام الحكم، كان سينعكس مُباشرة على الوضع العام لباقي القوميات والأثينيات.

وثالثتها: عام2015 حين أقدمت فتاة كوردية تدعى فريناز خسرواني للانتحار عبر رمي نفسها من الطابق الخامس لأحدى فنادق مدينة مهاباد بعد محاولات أحد العناصر الأمنية الإيرانية الاعتداء عليها، والغضب الشعبي الكبير والمظاهرات التي عمّت أغلب المحافظات الكوردية، وحجم التكلفة الباهظة في الأرواح البشرية التي قدّموها في تلك التظاهرات. ورابعتها: إعدام المئات المعارضين الكورد وتعلقيهم على أعواد الشانق. في كل تلك المحطات لم يتلقى الكورد في إيران أي مساندة أو تأييد من قبل باقي القوميات الأخرى، وبل وجدوا انفسهم دوماً وحيدين في مواجهة مصيرهم المُرّ.

يتجه كورد إيران للاستفادة بعمق كبير من نوعية وحجم وطبيعة العلاقة بين الكورد في كلٌ من العراق وسوريا، مع الأنظمة والمعارضة، مع بغداد ودمشق، مع الجهات المعارضة لها المقيمة في الداخل والخارج، فالكل أثبتوا فشلهم في التعاطي مع القضية القومية، وستكون تلك التجارب دروس وعبر للكورد الإيرانيين في تعاطيهم مع الواقع الجديد. ومن المرجح أن يكون لإقليم كوردستان العراق دور سياسي فحسب، في أداء الأحزاب الكوردية في إيران، عبر دفعهم لتشكيل لوبي كوردي موحد. اللفتة المضيئة في  عمل الأحزاب الكوردية في إيران أتجه صوب تعميق وتفعيل العمل السياسي والنشاط الدبلوماسي أكثر، والقيام بالتظاهرات والاحتجاجات أمام مقرات الأمم المتحدة ومراكز القرار الدولي.

وهؤلاء –الأحزاب الكوردية في إيران- يدركون أن الإقليم لن يتمكن من دعهم وتسليحهم للحرب؛ بسبب تفهم الطبقة الكوردية الحاكمة أن لا تغيير في موازين القوة الشرق أوسطية دون قرار أمريكي –روسي. إضافة إلى الوضع السياسي الكوردي الداخلي وعمق العلاقات البينية والارتباط العميق لبعض الأحزاب الرئيسية في الإقليم مع إيران.

كما أن رسالة إيران المُحمّلة على إحدى صواريخها المحلية الصُنع، والمنطلقة صوب القنصلية الأمريكية في هولير/أربيل، تحمل في جزئية مهمة منها إلى الكورد في إيران، وكرسالة واضحة لعدم إتيانهم بأي شيء يُعكر الأجواء الداخلية المتوترة أصلاً.

يبدو أن الحذر والترتيب سيكون سيد المشهد في هذه المرة. وسينخرط الكرد شعبياً عبر المظاهرات، لكن سيكون لهم طابعهم الخاص إضافة إلى المطاليب العامة، ولن تنطلي عليهم حيل تأجيل المطالب الكوردية إلى ما بعد الانتهاء من إسقاط النظام الإيراني. فالكورد يدركون جيداً أن حكم طهران لن يسقط عبر المظاهرات ما لم يكن بضاغط وباعث دولي واتفاق على الإنهاء. وثمة مخاوف وتوجسات كوردية من المجتمع الدولي خاصة وأن  الدول الغربية وأمريكا تُخضِع علاقاتها مع الكورد بحسب سياساتهم الخارجية مع الدول والأنظمة الحاكمة.

[author title=”شفان إبراهيم” image=”https://thelevantnews.com/wp-content/uploads/2019/11/شفان-ابراهيم-م.jpg”]كاتب وصحفي سوري[/author]

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit