الطائرة الأوكرانية.. كيف حاولت إيران إخفاء جرمها.. رغم علمها بالفاعل؟ | The Levant

الطائرة الأوكرانية.. كيف حاولت إيران إخفاء جرمها.. رغم علمها بالفاعل؟

الطائرة الأوكرانية: كيف حاولت إيران إخفاء جرمها.. رغم علمها بالفاعل؟
الطائرة الأوكرانية: كيف حاولت إيران إخفاء جرمها.. رغم علمها بالفاعل؟

في الثامن من يناير، وبينما كان معدوا الأخبار منهمكين بمتابعة تبعات القصف الإيراني على قاعدة عين الأسد في العراق، حيث يتواجد الجنود الأمريكيون، لاح خبر جديد، ورغم أهميته، مر سريعاً أمامهم، كونهم كانوا منشغلين بالصواريخ الإيرانية والأهداف الجوفاء التي أصابتها، بين تأكيد إيراني بمقتل ثمانين جندي أمريكي، وطمأنة ترامب للأمريكيين بأن كل شيء على ما يرام.

ويبدو أن حديث الرئيس الأمريكي كان هو الأصح، فكل شيئ كان على ما يرام أقله في قاعدة عين الاسد وواشنطن، لكنه لم يبقى كذلك في طهران ومعها كييف وأوتاوا، حيث سقطت طائرة أوكرانية في السماء الإيرانية بالتزامن مع القصف الإيراني للقواعد الأمريكية في العراق، وهي تقل أكثر من 180 مدني، غالبيتهم من طلبة الجامعات الكندية.

إيران تسابق لإعلان الأسباب..

ورغم أن مثل هذه الحوادث المتعلقة بالطيران، بحجة في المعتاد إلى الكثير من الفحص والتمحيص قبل إعلان النتائج المفترضة لسقوط أي طائرة، سارعت طهران لمسابقة الزمن والترجيح فوراً بأن سقوط الطائرة جاء بسبب عطل فني، وكأن السلطات الإيرانية كانت مُدركةً منذ اللحظة الأولى للسبب الحقيقي لسقوط الطائرة.

وقال التلفزيون الإيراني، إن 180 شخص قتلوا، جراء تحطم طائرة أوكرانية، بعد دقائق على إقلاعها من مطار الخميني في طهران، ونوّه علي كاشاني، مدير العلاقات العامة بشركة مدينة مطار الإمام الخميني الدولي في تصريح لوكالة أنباء “فارس”، أن الطائرة المنكوبة من طراز بوينغ، وسقطت بعد إقلاعها من المطار أثناء توجهها إلى العاصمة الأوكرانية كييف، وصرّح بأن الطائرة سقطت بين بلدتي برند وشهريار غرب طهران القريبة من المطار الكائن في جنوب غرب طهران، متوقعاً أن يكون خللاً فنياً وراء سقوطها.

إخفاء الدلائل..

وبدلاً من أن تقوم إيران بطلب المساندة الدولية لتحديد أسباب الفاجعة التي أودت بحياة قرابة 180 شخص، حاولت السلطات الإيرانية عرقلة جهود التحقيق، لمنع كشف الحقيقة، وصرّح رئيس هيئة الطيران المدني الإيرانية في الثامن من يناير، بإن إيران لن تسلم الصندوق الأسود للطائرة الأوكرانية التي تحطمت على أراضيها إلى شركة بوينغ المنتجة للطائرة.

وأشارت وكالة “مهر” شبه الرسمية للأنباء عن رئيس الهيئة، علي عابد زادة، قوله إنه لم يتحدد بعد الدولة التي سترسل إليها إيران الصندوق حتى يتم تحليل بياناته، عقب أن أعلنت السلطات الإيرانية العثور على الصندوقين الأسودين الخاصين بالطائرة الأوكرانية المنكوبة.

تشكيك كندي..

المحاولة الإيرانية لإخفاء حقيقة أنها قد قصفت الطائرة المدنية بصاروخ وأسقطتها، دفعت رئيس الوزراء الكندي، جاستين ترودو، للتعهد بـ “الوصول إلى إجابات” بعد مقتل 57 مواطن كندي، مشيراً في مؤتمر صحفي العاصمة أوتاوا، أن 138 من ركاب الطائرة المنكوبة كانوا على علاقة بكندا، وخاصة أن كثيرين من ضحايا الكارثة الـ 176 كانوا طلبة أجانب يدرسون في جامعات كندية، مؤكداً أن بلاده تسعى إلى أن تكون طرفاً في التحقيق الذي يقوده الجانب الإيراني في الكارثة، قائلاً: “لدى الكنديين تساؤلات وهم يستحقون إجابات”.

فيما أشار وزير النقل الكندي، مارك غارنو، إلى ضرورة الإطلاع على تسجيلات الصناديق السوداء بغية الكشف عن ملابسات تحطم الطائرة التي فقد الاتصال بها بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار الإمام الخميني في طهران، وشكك الوزير في الاسنتتاجات الإيرانية الأولية بأن خللاً فنياً كان وراء الكارثة، معرباً عن قناعته بأن “شيئاً استثنائياً” أسفر عما حصل.

المُتسبب صاروخ إيراني!

وعقب الشد والجذب بين إيران وكندا، أكدت شبكة “سي إن إن” الإخبارية في التاسع من يناير، أن الاستخبارات الأمريكية تدرس إمكانية أن يكون تحطم طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ناتجاً عن استهدافها بصاروخ، ناقلةً عن مصدر أمريكي مسؤول قوله، إنه إذا كان سبب الكارثة يعود إلى استهداف الطائرة بصاروخ، فإن ذلك سيخلف بصمة حرارية تستطيع منظومات الاستخبارات والجيش الأمريكي توثيقها.

وجاءت الطرح الأمريكي للفرضية بالتزامن مع ما خلص إليه تقرير أولي أصدرته هيئة الطيران المدني الإيرانية، والذي قال أن سبب الكارثة يكمن في اندلاع نيران داخل الطائرة، بينما طرح مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني ثلاث فرضيات لسبب ما حصل، وهي: تفجير إرهابي وانفجار المحرك لأسباب تقنية وإصابة الطائرة بصاروخ.

قناعة أمريكية..

وفيما بعد، قال الأمريكيون إنهم توصلوا إلى قناعة بأن الطائرة تم إسقاطها بصاروخ إيراني عن طريق الخطأ، ونوّه مسؤولون أمريكيون عن اعتقادهم بأن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت الطائرة الأوكرانية، واوضح أحد المسؤولين لـ “رويترز”، إن الأقمار الأمريكية رصدت إطلاق صاروخين قبل قليل من تحطم الطائرة، وأعقبت ذلك دلائل على وقوع انفجار، وقال مسؤولان آخران في واشنطن أن الطائرة أسقطت عن طريق الخطأ.

المعارضة الإيرانية تؤكد فرضية الصاروخ..

من جانبها، قدمت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تعازيها لأُسر ركاب الطائرة الأوكرانية، وقالت أنها قد أسقطت بـ “صواريخ النظام الإيراني، وأضافت رجوي: إن خامنئي، الغاضب المحبط بسبب مقتل قاسم سليماني، لا يتجرأ مواجهة الولايات المتحدة، لكنه يستبيح إطلاق النار على المواطنين الإيرانيين في الشوارع وعلى متن الطائرة، وينتقم من الشعب الإيراني، متابعةً: فبينما زعم النظام أن الطائرة تحطّمت بسبب عطل فني، يقول المسؤولون الأوكرانيون إن الطائرة لم يكن لديها خلل فني، ويؤكد المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون أن الطائرة أسقطتها صواريخ النظام الإيراني، منوهةً أنه و”خوفاً من الكشف عن هذه الفضيحة، أعلن النظام أنه لن يسلّم الصندوق الأسود للطائرة، الذي يحدّد سبب التحطم، إلى شركة بوينغ، الشركة المصنعة للطائرة”.

كندا تتهم طهران..

ومع تمكن الأجهزة المعنية في الدول المتضررة من إسقاط الطائرة الأوكرانية، من الوصول إلى المزيد من الحيثيات والدلائل حول أسباب سقوط البوينغ، شدد رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، أن لديه معلومات مخابراتية من مصادر متعددة تقول إن إيران أسقطت الطائرة الأوكرانية بصاروخ أرض جو، وصرّح ترودو بأن إسقاط الطائرة ربما كان غير متعمد، وقال ترودو: “ستواصل حكومتنا التعاون بشكل وثيق مع شركاء دوليين لضمان التحقيق، على نحو دقيق في الحادث، والإجابة على أسئلة الكنديين”، مشيراً إلى أن وزير خارجيته فرانسوا فيليب شامبان يجري اتصالات مع الحكومة الأوكرانية وسلطات أخرى.

طهران: حرب نفسية ضدنا..

وفي العاشر من يناير، عرضت وسائل إعلام غربية فيديو قالت إنه للحظة إصابة الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيراني في ضواحي طهران، وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إنها تحققت من صحة مقطع فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنه يعود للحظة إصابة الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيراني فوق منطقة باراند، قرب مطار طهران، وهي المنطقة التي توقف فيها إرسال الإشارة من طرف الطائرة قبل تحطمها.

وقد أدى الصاروخ لإنفجار، لكن لم يؤد لتدمير الطائرة فوراً، بل واصلت التحليق قليلاً، قبل أن تسقط على الأرض وتتحطم، فيما رفضت الحكومة الإيرانية بشكل قاطع فرضية إسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيراني، وادعى المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، إن التقارير بشأن إسقاط الطائرة الأوكرانية بصاروخ إيراني عارية عن الصحة، واصفاً إياها بأنها “حرب نفسية”.

أوكرانيا وكندا لا تستبعدان..

لكن الفرضية ذاتها طُرحت في كييف أيضاً، إذ قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه لا يستبعد احتمال سقوط طائرة شركة الخطوط الدولية الأوكرانية في إيران نتيجة إصابتها بصاروخ، فيما عاد وقال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو إن الطائرة الأوكرانية أسقطت على الأرجح بصاروخ إيراني، وذلك استناداً إلى مصادر كندية وغيرها.

الناتو يُرجح فرضية الصاروخ..

ليدخل الناتو على خط الفرضيات، ويرجح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ينس ستولنبرغ، أن يكون سقوط الطائرة الأوكرانية في إيران، ناجماً عن نظام صاروخي إيراني، وقال: “لن أخوض في تفاصيل معلوماتنا الاستخباراتية، لكن ما يمكن أن أقوله هو أن ليس لدينا أي سبب يدعو لعدم تصديق التقارير التي شاهدناها من مختلف عواصم دول حلف الناتو”، بينما كانت إيران لا تزال مُعاندة في سبيل نفي تلك الفرضية، إذ صرّحت إنها تستطيع التأكيد بأن طائرة البوينغ الأوكرانية “لم تصب بصاروخ”، وقال رئيس منظمة الطيران المدني الإيرانية علي عابد زاده: “هناك أمر واحد مؤكد هو أن هذه الطائرة لم تصب بصاروخ”.

إقرار عقب مُمانعة..

وبعد أن توضح لطهران أن إمكانية إنكار الحقيقة ومحاولة إخفائها لن تجدي نفعاً في ظل تمكن الغرب من جمع الأدلة، وعدم تمكنها من إخفاء كل آثار الجريمة، خاصة تلك الموجودة في الصندوقين الأسوديين للطائرة، لم يبقى أمامها من خيار سوى الإقرار بالجريمة المرتكبة بحق الإيرانيين أنفسهم قبل أوكرانيا وكندا وغيرهما، فأعلن التلفزيون الإيراني في الحادي عشر من يناير، نقلاً عن مصدر عسكري إن الطائرة الأوكرانية أسقطت في إيران “عن غير قصد”، وذلك نتيجة “خطأ بشري”.

وحاولت طهران تبرير الجريمة التي دفع ثمنها أكثر من 180 مدني، بأن الطائرة الأوكرانية قد حلقت قرب منطقة عسكرية حساسة، ودخلت بطريقة خاطئة في دائرة “هدف معاد” بعد أن اقتربت من “مركز عسكري حساس” تابع للحرس الثوري، متذرعةً بأن الجيش كان في تلك اللحظات في “أعلى مستويات التأهب” وسط التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة، واستطرد البيان: “وفي مثل هذه الحالة، وفي ضوء ما حدث، وبسبب خطأ بشري وبطريقة غير مقصودة أصيبت الطائرة.. نقدم اعتذاراتنا لما حصل”.

اعتذارات إيرانية جوفاء..

وفي هذا السياق، أبدى وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، أسفه واعتذاره عن إسقاط الطائرة الأوكرانية غير المتعمد، وحمّل “النزعة الأمريكية للمغامرة” سبب الكارثة، وغرد على “تويتر” قائلاً: “يوم حزين، النتائج المبدئية للتحقيق الداخلي الذي أجرته القوات المسلحة تشير إلى أن خطأ بشري، أثناء أزمة نجمت عن نزعة الولايات المتحدة للمغامرة، أدى لهذه الكارثة”، فيما أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني “أسفه الشديد” لتسبب بلاده في عملية إسقاط الطائرة، وغرد هو الآخر بالقول: “خلص تحقيق للقوات المسلحة إلى أنه، لسوء الحظ، أدت الصواريخ التي أطلقت بسبب خطأ بشري إلى كارثة مروعة للطائرة الأوكرانية ومقتل 176 شخصاً بريئاً، وسيستمر التحقيق في أسباب هذه المأساة الكبيرة والخطأ الذي لا يغتفر”.

ولربما كان يمكن أن يقبل العالم والإيرانيون باعتذار السلطات الإيرانية عما وصف بالخطأ البشري، لو أنه خرج منذ الساعة الأولى لفاجعة إسقاط الطائرة عبر إقرار رسمي بالخطأ، لكن ما لا يمكن تبريره لدى الإيرانيين غالباً، أن السلطات الرسمية حاولت إخفاء الحقيقة، وبحثت عن مَهرب لنفسها من المسآلة الشعبية والدولية، وعليه أفُرغت الاعتذارات من فحواها، وأضحت (ضحكاً على الذقون)، وبحثاً عن تعاطف مع الجاني في جريمته لا أكثر.

وقد كانت تظاهرات ذوي المنكوبين وهم في غالبهم من الإيرانيين ممن يحملون جنسيات ثنائية أو طلبة في جامعات كندية، وتمزيقهم لصور قاسم سليماني في مناطق إيرانية عديدة، عقب إقرار السلطات بفعلتها، رسالة مفادها بأن الشعب الإيراني لن يُسامح من أراد أن ينتقم من أمريكا بقتل الإيرانيين أنفسهم وسفك دمائهم!

ليفانت-خاص

متابعة وإعداد: أحمد قطمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on reddit
Share on vk
Share on print
Share on stumbleupon
Share on odnoklassniki
Share on pocket
Share on digg
Share on xing

مقالات قد تهمك

الطائرة الأوكرانية.. كيف حاولت إيران إخفاء جرمها.. رغم علمها بالفاعل؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك

قناتنا على اليوتيوب