الرئيسية » زوايا و آراء » الرأي » الدولة العميقة وكش ملك
ماهين شيخاني
ماهين شيخاني

الدولة العميقة وكش ملك

لم تستطع تركيا أن تخرج أو تحيد عن إطار الأقواس المرسومة لها منذ 100 عام. فمفهوم القومية الذي أبرز أهمية مفهوم بقاء الدولة على حساب رفاهية المجتمع، أبقى على سطوة الدولة وسيطرتها الصارمة وفق نفس المنهاج والخط الذي دعا له ورسمه السياسي والعسكري التركي، كاظم قارا بكر.

وكان مصطفى كمال أتاتورك يمثل جناح تركيا العلماني، وكانت الجمهورية التركية تيمم وجهها صوب الغرب. وبعد حرب الاستقلال (1919-1923) عاش أتاتورك صراعًا مع كاظم قارا بكر وفريقه، وقام مؤسس الجمهورية بتصفية هذا الفريق وفق أساليب صارمة، غير أن قارا بكر استطاع أن ينجو بحياته بأعجوبة.

وكان الخط الذي رسمه أتاتورك يشكل مزيجًا بين السنّية والقومية التركية. ولم يكن الخلاف الوحيد بين الفريقين بوضعهما الإسلام تحت الضغط، وإبراز الحداثة إلى المقدمة. لكنهما وقعا في خلافات حول مواضيع عدة مثل إلغاء الخلافة، والسلطنة، والعلاقات مع العالم الإسلامي، ودور الدين، والمرأة في حياة المجتمع.

وكانت وجهات نظرهما واحدة في كل شيء بخصوص العديد من القضايا بدءًا من المسألة الأرمينية وحتى القضية الكردية. المواجهة بين الجناحين اللذين خرجا من شرنقة “الاتحاد والترقي” (في إشارة لأتاتورك وقارا بكر)، فازت الحداثة في مرحلتها الأولى، لكن هذا الانتصار كان قد جلب معه نهايته في ذات الوقت.

وحقيقة الأمر أن الديمقراطية التي تعتبر أمرًا استثنائيًا في تاريخ الجمهورية التركية الممتد على مدار 100 عام، كانت في الأساس عبارة عن نظام وصاية وقمع يمثل القاعدة التي لا يمكن الخروج عنها بأي حال من الأحوال. والمرات النادرة التي شهدت فيها البلاد التعددية الحزبية، كانت فترات ذات عمر قصير للغاية. وكانت دائمًا وأبدًا ما تنتهي باستبداد عسكري ما.

ولا شك أن الديمقراطية كانت لا تؤتي أية نتيجة سوى بروز العناصر التي كان يرى فيها الهيكل الذي يقول إن الدولة ملكه، عدوة له.

ذلك الهيكل الذي يسمى بالأرغنكون أو الدولة العميقة، قضى على لعبة الديمقراطية في نهاية المطاف، وبات على قناعة بأن نموذج دولة السلطان عبد الحميد، حتمًا سينتهي بنظام استبدادي ديكتاتوري قائم على خليط من القومية التركية والإسلام. ولعل مسرحية المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، كانت خطوة هامة من أجل تنفيذ هذا التحول.

تجدر الإشارة أن “أرغنكون” بمثابة منظمة سرية تاريخها طويل تعود جذوره إلى القرن الماضي، أما عن تاريخ التأسيس الحقيقي للحركة فهو في عام 1999 كمنظمة سرية وأهم أهدافها هو “المحافظة” على تركيا كدولة علمانية وعسكرية وقوية كما كانت في عهد كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة ، فقد وصف الرئيس التركي الأسبق (سليمان دميرل) الدولة العميقة بأنها: “مرادف للقوات المسلحة، ولها القدرة على إخضاع الدولة الشرعية في أوقات الإضطرابات”، ويأتي التأكيد الأهم والأبرز على ظاهرة الدولة العميقة ومدى علاقتها بالتاريخ التركي، وبهذا تتضح الصورة لواقع السياسي والاقتصادي والأمني والدولي للدولة التركية الحالية فـ أردوغان وحروبه الدونكيشوتية خلقت لتركيا الكثير من الأعداء.

ولفت أحد الباحثين المتخصصين في الشأن التركي، إلى أن الأتراك حالياً يبحثون عن متنفس للخروج من حالة القمع الأمني التي سيطرت على تركيا عقب انقلاب منتصف 2016، والأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد منتصف 2018، وتأسيس الحزبين الجديدين سيقوي شوكة المعارضة التي حجمها أردوغان خلال السنوات الماضية، وينتظر من وراء ذلك البدء في إحداث حالة توازن سياسي تقود للتخفيف من حدة ديكتاتورية نظام العدالة والتنمية، الذي بات فنائه مرتبطًا فقط بشخص أردوغان. أن الدولة التركية كانت وماتزال تحكم من قبل الدولة العميقة أو كما كنا نسميها قديماً بالخفية، وحصرها في جنرالات الجيش والميت التركي!

الغريب في رأيه، قوله بعدم أهمية الإنتخابات، محلية كانت أو برلمانية لأن هناك مركز أو مراكز قرار يكونوا قد إتخذوا ما يتوجب أن يكون عليه شكل الحكم أو الحاكم القادم في تركيا!

المعلوم أو المعروف عن الحياة السياسية في تركيا منذ نهاية السلطنة العثمانية وبداية إعتلاء المقبور مصطفى كمال سدة الحكم أن القرارات المصيرية في السياسة الداخلية والخارجية كانت مصدرها الجيش والميت التركي حتى في عهد أتاتورك نفسه الذي لم يكن على سوية من أمره في الأعوام العشرة الأخيرة من عمره، فقد عرف عنه السكر والعربدة في قوارب خاصة على الدردنيل ولم يكن يدري عن أمر الحكم والدولة إلا القليل، بل كانت من ورائه شلة من الجنرالات تحكم بإسمه اللامع، بل لنقل إسمه الذي أصبح شبه إله ومايزال لدى الغالبية المطلقة من الشعب التركي!

إستمر الأمر هكذا حتى بعد وفاة أتاتورك حتى لو إعتلى منصة الحكم حزبه الموروث الحزب الجمهوري أو حزب آخر، ولم يكن يتجرأ حاكم تركي مهما كانت قوته الإنتخابية على إهمال صورة أتاتورك الذي أصبح حتى بعد وفاته الرمز الدال على قوة الجيش والميت أو بما نسميها الدولة العميقة!

وبإلقاء نظرة موجزة في تاريخ السياسة التركية سنجد أن كل حاكم حاول تجاوز هذه القاعدة كانت نهايته الإعدام كعدنان مندريس الذي إنتهى شنقاً أو بالإغتيال كأوزال أو بالسجن كسليمان دمريل وأجاويد وذلك بعد إنقلابٍ عسكري، وتركيا كما نعلم هي أم الإنقلابات العسكرية وأخرها يقال أنها لم تنجح مع أردوغان.

فهل جاء الدور على أردوغان بعد أن أنهى دوره ؟

الحقيقة أردوغان وحسب رأي البعض قد تجاوز هذه القاعدة المقدسة لدى الجيش والشعب التركي، وكانت وسيلته إلى ذلك بخلاف الآخرين القوميين المتطرفين هو الفكر الإسلامي المتطرف، وإستطاع بذلك أن يلعب بالعقول والدستور وكذلك بالقاعدة المقدسة، ميراث أتاتورك!

وربما تجاوزه الخطوط الحمراء، كان لابد من كبح جماحه، حيث طافت رائحته النتنة جدران تركيا وأصبحت تهدد ليس فقط العلاقة الكلاسيكية بينها وبين الدول الأوربية وأمريكا، بل كذلك جغرافيا الدولة التركية المقدسة نفسها بسبب تجاوزاته على الشعب الكوردي الشريك في تلك الجغرافية، وللحد من ذلك كان لابد من إيجاد وسيلة، فطالما لم تعد مفهوم الإنقلاب العسكري مرغوباً أوربياً ولا أمريكياً، فكان لابد من البديل “الإنقلاب الإقتصادي المالي” والتي بدأت بالفعل تأخذ مجراها وبدأ أردوغان بالدفع بعد أن تم التشويش على صورته التي كانت لامعة كسلطان لدين الإسلام السنّي على غرار الإمام الخميني الشيعي!

و البديل الآخر “الانشقاق من حزبه” على يد أحمد داود أوغلو وهو سياسي وخبير في العلاقات الدولية وسفير ورئيس وزراء تركيا والرئيس الثاني لحزب العدالة والتنمية في الفترة ما بين 2014- 2016 خلفاً لأردوغان سابقاً، ووزير خارجيته في الحكومة الستين والواحدة والستين.

ويعتبر المتخصصون في الشأن التركي، أن “حزب داود أوغلو بمثابة ثورة تفجرت ضد سياسة أردوغان الإقصائية لجميع قيادات العدالة والتنمية، الذين عمل أردوغان في السنوات الخمس الأخيرة تحديدًا على تهميشهم، والقضاء على نفوذهم، ليتحول العدالة والتنمية إلى حزب الرجل الواحد”.

لكن التاريخ الحديث لتركيا، تعج بسلسلة من النماذج تؤكد أن أية محاولات لإقامة نوع من الهندسة الاجتماعية للأوضاع في البلاد، محكوم عليها حتمًا بالفشل. فمثل هذه المحاولات دائمًا وأبدًا ما تسفر عن نتائج مضادة للأهداف المرسومة والموضوعة.

وكما نعلم ففي تركيا قائم على أساس ديني عنصري، وعلى قاعدة تنفّر من كل معارض، فهو نظام حكم الرجل الواحد المنافي لكافة الأعراف. ولا شك أن هذا أمر من شأنه أن يلحق أضرارًا بالغة بالعملية الديمقراطية، ناهيكم عن التطور الاقتصادي. ومن الممكن اكتشاف حقيقة ذلك بشكل جلي من خلال النظر إلى كادر المستشارين الاقتصاديين لأردوغان.

وهذا كله يؤكد لنا أن تركيا دخلت مرحلة من الإدارة والحكم تركت فيها عقلها وراءها. لا سيما مع نظام حاكم يرى نفسه أنه سيسيطر على العالم القوي؛ وذلك من خلال سلسلة من الأكاذيب التي يروج لها وهو في الأساس نظام محروم من أي قوة يزعم في كل آن وحين أنه يمتلكها.

هذا النظام سيظل قائمًا من خلال الاعتماد على أميركا، وروسيا، وألمانيا، شأنه في ذلك شأن عهد السلطان عبد الحميد.

وأخيرًا أقول إن المشهد العام للأوضاع واضح وضوح الشمس، وهو أن نهاية هذا الطريق ستكون مظلمة مفعمة بالظلم الذي بات يزداد يومًا بعد يوم. ولايمكن بأي حال من الأحوال الحصول على أية نتائج أخرى غير ذلك. فالمنطق يقول إن النتيجة الحتمية لما نعيشه من أمور غير عقلانية، هي نهاية مأساوية لتلك الدولة. لأنه ليس من السهل بأي حال أن نستخرج ديمقراطية علمانية قائمة على العقل، من بين ثنايا البنية المجتمعية الحالية لتركيا.

وجدير بالذكر أن صحيفة نيويورك تايمز الأميركية ذكرت أن نهاية حقبة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باتت وشيكة، معللة هذه التوقعات بتراجع شعبيته لأدنى مستوى وخسارته الضخمة في الانتخابات البلدية السابقة وتشكيل رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، حزباً جديداً يستهدف جذب جماهير أردوغان المحافظين، الأمر الذي قد يلحق أضراراً جسيمة بفرص إعادة انتخابه للرئاسة.

كما يمثل انفصال داود أوغلو عن أردوغان، الذي كان ذات يوم أقرب حليف له، تحدياً مباشراً ضد الرئيس التركي

ماهين شيخاني , كاتب كردي سوري

 

شاهد أيضاً

عماد شريتح

ماذا تبقى من الاقتصاد لنا كسوريين؟!

صديقي (هاينز) لم يصدق أبداً إن إحدى الصور التي طبعتها من الانترنت حقيقية، والتي تظهر …

أترك رد