الثورة السورية.. عقد من دم وياسمين وأمل

أسماء شلاش
أسماء شلاش

لاترفع صوتكَ عندما تتحدث عن الثورة السورية! هكذا تبدو الحكاية الخفية الأكثر سواداً في هذا العالم, شيء يقترب من الفضيحة, وينتهي في “اللاحل”. صار خطأً أن ترن في مسمع الكثيرين, كلمة”الثورة”, ليس لأن العبيد يرهقهم رنين الثورات. بل لأن الثورة السورية التي ستسجل عقداً من عمرها, اكتملت منذ قصة حمزة الخطيب, والجمعة العظيمة, وسكاكين الرقاب, وأطفال الجدران حيث الحكاية الأولى, لكنها قصة لم تنتهِ, لم تكتمل, منذ أن بدأ أن دمنا السوري, منذ أن صار مشروع خط أحمر, لكن لم يتحقق ذلك المشروع, فالخطوط الحمراء أسهل شيء يمكن قوله, أبسط شيء يمكن تجاوزه, إلا تلك الحدود التي تسرَّب من بينها السوريون إلى العالم, وتشردوا بسبب تلك الخطوط الحمراء التي لم تتحقق, تسربوا وهم يحملون لعنة الموت في ذلك الدم المالح جداً, في ذاك المزاد العلني للعالم, وكأن الموت صار سورياً فقط. وكأن الثورة السورية بدأت قبل أن تبدأ. كأن ملح الدم السوري تناثر الآن, فكل القصص تبدو كأساطير عندما تتجاوز حدود المأساة والفجيعة.

كأن قطار الدم السوري لم يصل محطته الأخيرة, وكأن كل “اللانهايات” هي تلك المحطة المنتظرة بالفعل. نعم كلهم عادوا من الحرب, “وتصافح القادة” إلا القدر السوري, لم يصافح قدره الجميل. ولم ينتهِ ذاك الحديث الذي بدأناه في آذار قبل ما يقارب عقداً, لكن دون حل أو أمل بحل.

فالحديث عن الثورة السورية لايشبه كل حديث, إنه حديث التاريخ والذاكرة, حديث البدايات والنهايات, وعطر الدم العابر للحدود, والألم الذي يرفض أن “يترجّل” عن صهوة الريح و”اللامنطق”. هو الحديث الاستثنائي جداً الذي تجاوز منطق التعبير والإنشاء, إلى منطق الحزن المركَّب. هو حديث الساعات والأمم. ليس لأن قضيتنا تعنيهم, بل لأنَّ وقار الثورة يبدو أكثر وضوحاً في الشمس, لذلك اختاروا الظل لكي يحطموا آمال آخر طفل يقف على باب خيمة, وقد عجزوا بكل قدراتهم التمثيلية أن يمزّقوا منطق الخيمة لمئات الآلاف من اللاجئين الذين تهادنوا مع منطق الغياب. لعلَّ السّر يكمن في انتظار صحوة مفاجأة, فالتاريخ أعطى الدروس في فنون الصدفة, أو في نبوءات التاريخ ذاتها, هكذا تماماً, عندما صارت الثورة نبوءة أو قدراً أو ألماً فاق الألم, “فللحرية الحمراء باب”.

فالحرية هي قدر طالبها, هي “اللاهدنة” الممتعة مع الموت. والحديث عن الثورة السورية لايبتعد كثيراً عن هذا وذاك. فكيف استطاع العالم, لمدة عقد تقريباً, أن يصمت عن هذه المأساة التي لا تتعدّى أن تكون فضيحة العالم المعاصر الذي يدّعي الحرية والإنسانية, وأنَّ حقوق الإنسان من أولوياته. إنها, كما صُنفت, مأساةُ القرن بامتياز, وليست ثمة مأساة تفوقها, بما في ذلك ما نتج عن الحربين العالميتين, الأولى والثانية. وفي غرف العالم السّرية هناك كلمة أخرى, وقرار آخر, ورؤية مختلفة لتدير الأزمة التي تعمَّقتْ جداً, وتعقدت جداً بفعل الإرادات لتصبح أزمة تتم إدارتها. فتعقيدها وتشتيتها و”تأزيمها” المتعمد, لا لشيء, بل لتشتيت الأهداف عن المسبّب الرئيس لكل آلام السوريين, وإبقائه في الحكم, فلا خيار أمام النظام العالمي الجديد وحكوماته الخفية بانتزاع نظام يخدم كل أهدافه الاستراتيجية. أهداف بدأت منذ زمن بعيد جداً, ومنذ تلك اللحظة انتظر السوري مايقارب نصف قرن ليرسم قدره الحر, حكاية لم تبدأ من لحظة مخاطبة مندوب فرنسا يوماً ما, في أحد جلسات مجلس الأمن لبشار الجعفري, بأن جد رئيس نظامه قد طالب فرنسا بأن تبقى محتلة لسورية. قال لهم وقتها بما معناه, بتاريخ30 آب عام 2012 , “أنتم خونة سورية, لقد طالبتمونا بالبقاء فيها”, إنه وزير خارجية فرنسا آنذاك “لوران فابيوس”. وثيق الخيانة لاتزال في سجلات وزراة الخارجية الفرنسية, احتفظت بها فرنسا أيضاً, والتاريخ, والواقع الذي يوحي بها وإليها, كما توحي بها حكايات الموت والحرب والدم, كل شيء قد يسير سريعاً, إلا العدالة, فإنها تسير ببطيء دون إرادتها. فلاعدل في دمنا السوري, ولاحل له.

فقد أصبح الدم السوري منذ البدايات استثماراً وإتجاراً, ولم لا؟ فعلى مرِّ التاريخ كان الاستثمار في الدم, في الحرب هو الأكثر ربحاً. لا نستثني من هذا تجارة المثاليات والقيم التي تم استعراضها بتمثيليات فضفاضة هشة طوال كل السنين التي خلت, على جراح السوريين. دول, منظمات, أفراد, جماعات, شخصيات, لحقت ركب الاستثمار. يا إلهي, ما أغنى دمنا! نعم إنه ارتفاع كريات الشرف بالدم السوري الذي حاصروه زمناً كي تبقى المأساة مأساة, كي لايزهر ربيع سوري, يشبه ربيع تونس, مثلاً. رغم أن الياسمين يليق بنا, يليق بكمية الدم التي انتفضت, والعمر الذي انتظرناه كي نتخلص من حكم العائلة التي نحفظ جيداً وثيقة خيانتها الأولى, ويحفظها الفرنسيون الذين كانوا يوماً ما يبحثون” ربما” عمن يبقى الوكيل المناسب بعد رحيلهم كمحتلين عن أرض سورية.

نعم, إن الحديث عن الثورة السورية حديث طويل, يبدأ بالياسمين ويتعمَّد بالدّم وينتهي بأعداد هائلة من بشر. بشرٌ إما فُقِدوا أو فَقَدوا, أو غابوا أو تغيَّبوا, أو تشرَّدوا أو تقطَّعت بهم السّبل على الحدود وفي كلّ أصقاع الأرض. فمن أين نبدأ..؟ هل نبدأ بالأعداد؟ فسهلٌ جداً أن نحصي الأعداد. فالسوري صار رقماً, لكنه ليس رقماً صعباً, فهو الرقم الأضعف في المعادلة, معادلة الأمم ومعادلة السياسة, لأنه فقد صيروة الوطن والاستمرار كإنسان طبيعي فوق أرض هي من حقه, ومن حقه أن يكون عليها حراً أبياً سيداً لنفسه, معتزاً بهويته السورية التي تمتد عميقة جداً في التاريخ. اليوم تصبح تلك الأرقام بلا وطن, تحت ذريعة الفشل, وتعمُّد الفشل بإسقاط نظام كان السبب الأول والأخير في مأساة هذه الأعداد. فلا إرادة ولا أصدقاء حقيقيين للشعب السوري الذي تلاعبت به أهواء السياسة والسياسيين. لتصبح تلك الأعداد أسيرة الانتظار, وليبني أمراء الحروب والسياسة ومافيات السلاح أمجادهم وثرواتهم, أما الشعب السوري الذي ضاعت موانئه, فليذهب إلى الجحيم.

وبين صحوة التاريخ والضمير ينتظر السوري مواكب العائدين من النصر, لعل اسمه –بالصدفة- موجود بينهم. ولتسقط كل مقولات التاريخ. فنحن فلم نعد نحصي الأيام, و لا حتى الأشهر. ها نحن, الآن, نعد السنين, ونكدّس في أرشيف ذاكرة الألم مزيداً من الذاكرة والخيبة و الصور. صور لاحصر لها, تمَّ التقاطها خلسة أو دون ذلك. وغداً سيتم اختيار “صورة العام المثالية” من مأساتنا, فهذا أقصى ما وصل إليه العالم, وهو أن تكون مأساتنا معرض صور, يتسابق العالم فيه لاختيار الصورة الأفضل, بين مفاضلة الألم, ووفق منطق الدم والضياع. فالكل يتاجر بنا على طريقته, والكل يريد أن يبني مجده الشخصي على ملامح التعب والوجع في وجوهنا, وعلى بقايا دمائنا وأجسادنا التي تقاسمتْها ضباع العالم. ووفق منطق الشهوة إلى المزيد, لازال التعطّش لإطالتها مفتوحاً على مصراعيه. حتى الصبر استنفذ قواه, وتجمَّدت عروق الضمائر, وانتهى مخزون الألم وصار الحزن روتيناً سورياً. وصارت لعنة الموت تطارد السوري في كل مكان, فإن لم يمت بسيف بشار مات بغيره. مات برداً, أو قصفاً, أو جوعاً أو غرقاً, أو على الحدود, أو برصاص طائشٍ, أو في أحد بلدان اللجوء. حصة دمنا توزَّعت في هذا العالم, وكل أخذ حصته, ولم تنتهِ الحكاية, ولم تنتهِ شهوة الموت إلى الجسد السوري. فنحن لم نمت على طريقة النبي يوسف, نحن لم نُصلَب, ونحن لسنا أنبياء, كي تطالبوننا بالصبر, ولسنا ملائكة كي نتحمل. ولسنا مجرمين كي نقف أمام العدل لندافع عن حقنا في الحياة والوطن, فنحن نريد العدل فقط, أو نريد ظلماً عادلاً.

وقريبا ستدخل الثورة السورية عامها العاشر, ويكون العالم أمام اختبار إنساني جديد, فهل سيطيل أمدها لسنين أخرى –لا قدَّر الله-, أم يفعّل ميزة الإنسانية وصحوة الضمير لينهي آلام السوريين.
المجتمع الدولي الذي ترك الجاني لمدة سنين طويلة يستخدم ويجرب كل وسائل القتل والدمار بحق الشعب, بدعم روسي وإيراني قل نظيره. المجتمع الدولي استطاع بأساليبه أن يدير الأزمة ويجعلها أزمة لاجئين, ويركز على قضية اللجوء ليصرف النظر عن أصل المشكلة المتمثلة بنظام شمولي أمني يحظى بدعم عسكري مباشر من أحد أهم أقطاب العالم السياسية, وهي روسيا. لم يستطع إلا أن يجعل المأساة السورية مأساة إنسانية, ورغم ذلك فشل حتى إنسانياً, فهو بتركيزه على قضايا اللجوء يجعل من الثورة قضية لاجئين, وليست قضية شعب أمام نظام مجرم, جثم على صدور السوريين لأكثر من نصف قرن. فهل هناك حلول سياسية قادمة يحملها العام الجديد؟ فأملنا كبير أن يزهر الربيع السوري ياسميناً يعبق في فضاءات الحرية.. نحن هنا ننتظر.

الكاتبة أسماء شلاش