أرودغان الطامح إلى “أستانة” ليبية

منى غانم
منى غانم

لم يخطر على بال السوريين يوماً أن يتم ربط مصيرهم بمصير أخوتهم في ليبيا، بيد أن التطورات الأخيرة التي شهدتها اللقاءات الروسية -التركية وطريقة تناول الشأن الليبي والسوري بين الطرفين، توحي بتوجه كل من الرئيس التركي والرئيس الروسي بربط مصير إدلب بمصير طرابلس الغرب في مسارٍ مشابه لمسار الأستانة في سوريا.

لقد بُني مسار الأستانة للتفاوض بين الدول الضامنة الثلاث، إيران وروسيا وتركيا، على أساس تبادل جغرافي بين مناطق نفوذ هذه الدول على الأراضي السورية، فعلى سبيل المثال، تمت مبادلة مدينة جرابلس بمدينة داريا اللصيقة بالعاصمة السورية، فدخلت قوات درع الفرات جرابلس في 24 أب 2016 وخرجت قوات المعارضة السورية من مدينة داريا في 26 أب 2016. في نفس السياق، دخلت قوات درع الفرات إلى مدينة الباب بتاريخ ١١ كانون الأول ٢٠١٦، ليعلن الجانب الروسي مباشرة في اليوم التالي إنهاء عملية اخراج الفصائل المسلحة من حلب الشرقية، وتسليم حلب إلى السلطة السورية بإشراف عسكري روسي وتواجد للشرطة العسكرية الروسية في حلب.

لم بكن مسار الأستانة مساراً عسكرياً فقط، فلقد نجح هذا المسار في إطلاق اللجنة الدستورية، التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر سوتشي في 2017، تحت مظلة الأمم المتحدة في 2019، لتؤكد الدول الضامنة أن مسار الأستانة هو أحد الأدوات الإقليمية لتنفيذ القرار الأممي المتعلق بسوريا 2254، لكن فقط بما يتعلق بغرب الفرات، الأمر الذي جعل عملية وضع الدستور السوري عملية قاصرة بنظر كثير من السوريين.

بيد أن هذا المسار قد وصل إلى نهاية مسدودة مع تعثر مسيرة اللجنة الدستورية وعدم قيام تركيا بتحقيق التزاماتها بإيجاد مخرج لتواجد جبهة النصرة في إدلب. ربما أن تركيا لم ترغب يوماً في التخلص من هذه المجموعات الإرهابية المتواجدة في إدلب، رغم نفوذها الكبير في تلك المناطق، رغبةً في الاستفادة منها في سياقات أخرى.

هدفت تركيا من خلال عقد الاتفاقات البحرية مع حكومة الوفاق الليبية إلى كسر عزلتها في شرق المتوسط وضمان دور استراتيجي لها بما يتعلق بالترتيبات الإقليمية المتعلقة بالكشف عن الغاز وتوريده إلى أوروبا. لكن، رغم موافقة البرلمان التركي على إرسال الجيش لدعم حكومة الوفاق الليبية، فإن انخراط الجيش التركي في معارك حقيقة على الأراضي الليبية يحمل له الكثير من المخاطر ويلوح بإمكانية تحول ليبيا إلى مستنقع يغرق فيه.

في هذا السياق، اتفق الرئيسان التركي والروسي في القمة الأخيرة بينهما على وقف إطلاق النار في ليبيا، في مبادرة روسية لتجنيب تركيا الانخراط في القتال على الأراضي الليبية، كذلك تم الاتفاق على عقد مفاوضات سياسية بين حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي في موسكو. تزامن هذا الاتفاق مع اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب، كذلك بالإعلان عن لقاء رئيس الأمن الوطني السوري مع رئيس المخابرات التركية في موسكو في نفس الوقت الذي كانت تعقد فيه المفاوضات الليبية.

يبدو أن موسكو وأنقرة قد اتفقتا على ربط المساريين الليبي والسوري بما يشبه الأستانة السورية، فبدأت تركيا بإرسال بعض المقاتلين السوريين من إدلب إلى طرابلس في مشهد يعيد إلى الذاكرة مشهد إرسال المقاتلين من داريا والغوطة والزبداني وغيرها من المناطق السورية إلى إدلب.

لكن هذه “الأستانة” لن تحقق لتركيا ما حققته “الأستانة” السورية، فتركيا في ليبيا أضعف بكثير منها في سوريا، حيث يٌعد البعد الجغرافي عاملاً مهماً في تحديد مكامن ضعف تركيا في ليبيا، إذ تشكل الأراضي السورية امتداداً طبيعياً للأراضي التركية، بينما تشكل ليبيا امتداداً طبيعياً لمصر التي تدعم الجيش الوطني الليبي، وتستعد لخوض حرب معه في مواجهة تركيا، كما يتمتع الأخير بدعم كبير من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، فضلاً عن دعم مصر وروسيا، الأمر الذي يفتقده النظام السوري الذي لم يكن يدعمه إلا إيران وروسيا.

تجتمع دول الاتحاد الأوربي بموقف موحد تجاه النظام السوري، وتنقسم بشكل كبير بما يتعلق بليبيا. أخيراً، فإن الولايات المتحدة لا تبدي موقفاً محدداً تجاه الأطراف المتصارعة في ليبيا، فعلى الرغم من الاعتراف بحكومة الوفاق كحكومة شرعية، فلقد تحدث الرئيس الأميركي مع الجنرال حفتر، قائد الجيش الوطني، على الهاتف ولم يعلن أي موقف سلبي تجاهه مطلقاً، في الوقت الذي تتخذ فيه واشنطن موقفاً حاداً من الرئيس الأسد ونظامه.

تشكل “الأستانة” الليبية فرصة كبيرة لروسيا للضغط على تركيا، التي أصبحت تعتمد أكثر على موسكو خاصةً بعد إطلاق خط الغار التركي الذي يمرر الغاز من موسكو عبر الأراضي التركية إلى دول أوربا الشرقية. في هذا السياق، يأتي رفض الجنرال حفتر المفاوضات الأخيرة في موسكو، الأمر الذي سبب غضباً كبيراً للرئيس التركي الذي يخشى من أن ينجر جيشه إلى القتال في ليبيا.

ربما ستكمل موسكو مسار تبادل الأراضي مع تركيا في ليبيا، لكن لاستعادة ما أخذته تركيا من الأراضي السورية مقابل إنقاذها من التورط في ليبيا.

منى غانمكاتبة سورية