مخطط تنظيمي للقابون وحرستا .. ومخيم اليرموك ملكية خاصة لمؤسسة اللاجئين الفلسطينيين !

لا عودة آمنة مضمونة ولا إقامة مستقرة في البلاد السوريون لنا الله
لا عودة آمنة مضمونة ولا إقامة مستقرة في البلاد... السوريون لنا الله

لا عودة آمنة مضمونة ولا إقامة مستقرة في البلاد… السوريون لنا الله

خاص ليفانت | جوري محمد – دمشق 

يقف السوريون أمام عدد من مفترق الطرق التي تحمل حلولاً أحلاها مرّ، فلا البلاد مهيئة بعد لعودة النازحين واللاجئين، ولا البلدان المضيفة قادرة على التأقلم مع السوريين الموجودين فيها من النواحي الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، ولا الأمم المتحدة قادرة على الوفاء بوعودها من تأمين الحماية والأمن للسوريين. ولا سوريا قادرة على المحافظة على من بقي فيها.

بلاد جديدة

يتصفح مازن (45سنة) صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر أخبار تتعلق بمخيّم اليرموك بعد الحديث عن تسريب صور للمخطط التنظيمي الجديد للمخيّم.

خرج مازن مع عائلته من مخيّم اليرموك نهاية العام 2013 بعد رفض والده فكرة الخروج من المخيّم لخوفه من تكرار تجربة النزوح للمرة الثانية بعد أن عرف التجربة الأولى عام1967 عندما نزح عن أرضه في الجولان السوري. يقول مازن: “رفض والدي ترك منزلنا في العام 2012، لكن بعد سوء الأحوال وقتها واشتداد المعارك وكذلك الحصار قررنا الخروج تحت ظل ظروف صعبة جداً”. يتابع مازن استأجرنا منازل في مناطق قريبة من المخيّم الذي عاشت فيه عائلتي لأكثر من أربعين عام وكان والداي متعلقان بفكرة أن المعارك ستنتهي وسنعود قريباً إلى منزلنا. لكن والدي توفي في العام 2017 ولحقت به والدتي بعد أربعة أشهر وأنا أحمد الله أنهما توفيا قبل خروج المسلحين كي لا يشاهدا الدمار الذي حل بمنزلنا وأحاله إلى كتلة من الأنقاض.

تشير التقارير الصحفية والأممية إلى مخيّم اليرموك كأكبر تجمع للفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية حتى سمي بعاصمة الشتات الفلسطيني. المخيّم كان أنشئ في العام 1957 ويبعد عن مركز العاصمة السورية دمشق حوالي 8 كيلومتر. وتقدر بعد الاحصائيات العائدة للعام 2002 وجود أكثر من 112,550 لاجئ فلسطيني مسجل داخل مخيّم اليرموك. لكن سكان المخيم لم يكونوا فقط من الفلسطينيين حيث كان يسكن عدد كبير من السوريين وخاصة أبناء الجولان السوري المحتل.

يُقلّب طبيب الجلدية مصطفى (ح) صور عيادته ومنزله في مخيّم اليرموك الذي زاره مرة واحدة بعد سماح السلطات السورية والفلسطينية المسيطرة على المخيّم للأهالي بالدخول في الشهر التاسع من العام 2018. ويقول: “لم أتمكن من البقاء في المخيّم بعد دخول المسلحين إليه في العام 2012 واشتداد القصف. وفضّلت الخروج مع عائلتي إلى مكان آمن، تنقلت بين عدد من الأماكن واستقريت أخيراً في منطقة صحنايا في ريف دمشق، وافتتحت عيادتي التي أسستها من جديد على أمل أن أعود الى المخيّم بعد خروج المسلحين. لكن بعد خروج المسلحين لم يكن مسموح لنا العودة بشكل نهائياً كان علينا الدخول والخروج ضمن ساعات محددة، عدت وقتها إلى منزلي والعيادة حيث تهدم جزء كبير من منزلي، والعيادة نُهبت.

يتابع “مصطفى”: “لم أجد سوى خارطة فلسطين معلقة على جدار منزلي وصورة قديمة لمدينتي حيفا جلبتهما معي ولم أعد بعدها الى المنزل. ويأست اليوم من انتظار الأخبار التي تتحدث عن السماح بالعودة وإعادة ترميم المنازل، وفوجئت قبل أيام بحديث لرئيس الوزراء السوري عماد خميس بالتحضير لمخطط تنظيمي جديد قد أفقد بسببه منزلي وعيادتي بشكل نهائي”. مضيفاً: “رفضت شراء منزل وعيادة في أي مكان على أمل العودة، لكن حلم العودة تبخر اليوم مع أخبار المخطط وكذلك انتهت مدخراتي التي كان من الممكن أن تشتري لي منزل خاصة بعد ارتفاع أسعار العقارات الجنوني”.

خوف على الحقوق

أبدى الكثير من السوريين خوفاً من ضياع حقوقهم في ممتلكاتهم خاصة أبناء المناطق العشوائية التي أحاطت بدمشق لعقود طويلة. حيث وجد مسؤولو “النظام السوري” في الدمار الذي لحق بهذه المناطق كمخيّم اليرموك والقابون والكسوة وغيرها من الاحياء السورية حجة لإزالة هذه المناطق. وبدأت المخاوف تزداد بعد صدور قانون التنظيم رقم عشرة وذلك لعدم وجود تعليمات تنفيذية كما هو حال المرسوم 66 الصادر عام 2012، والمفروض أنه مخصص إعادة تنظيم مناطق المخالفات العشوائيّة عبر إحداث منطقتين تنظيميتين في نطاق محافظة دمشق.

وكان عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق، سمير الجزائرلي كشف لوسائل إعلامية مقرّبة من النظام عن نسب دمار هائلة في مناطق المخيّم، بلغت بحسب “الجزائرلي” أكثر من 90% في المنطقة الممتدّة من دوّار البطيخة شمال المخيّم على كلا الطرفين وصولاً إلى مقبرة الشهداء القديمة وامتداد شارع 30، أما في شارع فلسطين عند الطربوش ومقابل سينما النجوم وباتجاه يلدا فالأضرار أقل وفق قوله.

أما بخصوص الأضرار في البنى التحتية، أوضح الجزائرلي أنّ أضرار شبكتي الكهرباء والهاتف في اليرموك بلغت أعلى نسبة والتي قاربت 95%، أمّا الصرف الصحّي والمياه فلا تتجاوز نسبة الأضرار 30%، مشيراً إلى أنّه قد جرى تأهيل الآبار في شارع 30 ويتم تغذية اليرموك حاليًا بمياه الشرب من شبكة عين الفيجة.

وعن خضوع مخيّم اليرموك للقانون رقم 10 قال الجزائرلي: “الجزء القديم من مخيّم اليرموك فقط لن ينطبق عليه قانون التنظيم رقم 10، لأنّ الأرض من الناحية القانونية ملك لمؤسسة اللاجئين الفلسطينيين، والمواطن فيها لا يمتلك سوى البناء فقط”.

وتقريباً تقع حدود المخيم القديم بين شارعي اليرموك وفلسطين من مشفى حلوة زيدان إلى منطقة مستوصف “محمد الخامس” القديم التابع لوكالة أونروا.

وأوضح الجزائرلي في حديث سابق لصحيفة “الوطن السوريّة”: “هناك عقارات بُنيت في مخيّم اليرموك بشكل مخالف وفي حال تهدمها لن يُسمح ببنائها بشكل مخالف وسيطبق عليها التنظيم”. وحول إمكانية عودة الأهالي إلى المخيّم – والمقصود هنا المخيّم القديم-، بيّن الجزائرلي أنّه يجري العمل على “دراسة كل مربع على حدة وتوصيف العقارات بشكل دقيق وترقيم وإغلاق هذه العقارات، ومن ثم يتم تسليم هذه العقارات من لجنة التسليم لأصحابها وفق شروط إثبات الملكية التي حددها القانون 10 ومنها سند التمليك أو قرار محكمة أو سند كاتب عدل أو وكالة غير قابلة للعزل أو إيصال ماء أو كهرباء في المسكن”.

كلام الجزائرلي قد ينسفه المخطط التظيمي الجديد الذي من الممكن أن يطيح بمباني وحارات عديدة كما هو الحال في منطقة القابون التي سيتم وفق المخطط التظيمي الجديد لها إزالة حوالي 140 منشأة صناعية. حيث قُدّم أكثر من 740 اعتراضاً من أهالي منطقة القابون إلى محافظة دمشق على المخطط التنظيمي، وتمت إحالتها كاملة إلى اللجنة الإقليمية التي ستجتمع لدراستها واتخاذ القرار بخصوصها.

وكان مدير التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق إبراهيم دياب ذكر  “لصحيفة الوطن”، بأن اعتراضات أهالي القابون الصناعي تركزت بشكل عام على تقدير نسب الأضرار، وتغيير صفة المنطقة ونقلهم إلى المنطقة الصناعية.

تغيير حقيقي

أعلنت محافظة دمشق في شهر تموز 2019 عن المخطط التنظيمي رقم 104 للقابون الصناعي وجزء من الأراضي الزراعية لحرستا، وأتاحت للأهالي وأصحاب الحقوق تقديم اعتراضاتهم عليه ضمن مهلة شهر، ليتم تعديل الدراسة وفق الاعتراضات المحقة.

حيث تم تقسيم المنطقة المذكورة إلى قسمين، الأول (أ) ومساحته 23.7 هكتاراً ونسبة الأضرار فيه تقارب 70%، والثاني (ب) ومساحته 116.1 هكتاراً ونسبة الأضرار فيه بحدود 30%، والجزء الآخر المضاف عند البانوراما حرستا مساحته 75 هكتاراً.

ويتضمن مخطط القابون الصناعي تحويل المنطقة إلى سكنية تجارية خدمية، حيث ستضم إضافة للأبراج السكنية مبانٍ استثمارية ومشافٍ ومدارس ومراكز تجارية، وعدة مراكز خدمية للمدينة.

ويوجد نحو 750 منشأة صناعية منتجة في منطقة القابون الصناعية وتعمل بمجالات مختلفة من كيميائية وهندسية وغذائية ونسيجية، وتنقسم إلى منشآت كبيرة ومتوسطة وصغيرة، حسبما ذكره مؤخراً رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها سامر الدبس.

وجاء الإعلان عن المخطط التنظيمي لمنطقة القابون ضمن خطة وضعتها محافظة دمشق في تشرين الثاني من عام 2018 لتنظيم مناطق السكن العشوائي المحيطة بالمدينة دون وضع مواعيد محددة لتنفيذ أي من هذه المناطق بعد إعداد مخططاتها.

وتعد منطقة القابون المنطقة التنظيمية الثالثة الموافق عليها في دمشق، بعد ماروتا وباسيليا، بالاستناد إلى المرسوم 66/2012 والقانون 10/2018. فيما ينتظر مخيّم اليرموك مطلع شهر شباط 2020 للإعلان عن مخططه.

كما وضعت الخطة مصوراً لبرزة والقابون وجوبر ينتهي خلال 2019، فيما ينتهي وضع مصور لمنطقة التضامن والزاهرة ونهر عيشة 2020، ثم سفح قاسيون وركن الدين والمهاجرين ومعربا في 2021، والدويلعة والطبالة في 2022، والمزة 86 ومخالفات دمّر 2023، وأخيراً استملاك المعضمية في 2023 وتنتهي بـ2024.

عودة طوعية

تصوّر قنوات التلفزة السورية مئات النازحين السوريين المتوقفين على معبر المصنع اللبناني لإنهاء أوراقهم من أجل الدخول إلى سورية، وذلك ضمن خطة لإعادة السوريين برعاية روسية. حيث رفضت الأمم المتحدة المساهمة في هذه الحملة لكن الأمم المتحدة لم توقف هذه العملية بحجة أن العودة طوعية وأن القتال توقف في عدد من المدن السورية أبرزها دمشق.

معظم العائلات العائدة إلى سورية من لبنان، تتألف من نساء وأطفال ورجال مسنين، فيما يخشى الشبان من العودة بسبب الخدمة الإلزامية.

التقيت أثناء تواجدي في لبنان بعدد من العائلات السورية المقيمة في مخيمات للاجئين السوريين في مناطق عرسال. تقول سناء الخالد من منطقة القلمون في ريف دمشق (35 سنة): “هدّمت قوى الأمن اللبناني عدد من الخيّم التي كنا نقيم فيها مع عائلتنا وطلبت منا هدم الباقي كي نعود إلى سورية بحجة أن سورية باتت آمنة وعلينا العودة إليها”. متابعة: “زوجي يعمل في أعمال البناء وإذا عاد سيتم سوقه لخدمة العلم لأنه تخلف عنها كما نخشى من وجود ملاحقة أمنية كوننا من منطقة خرجت ضد النظام ولنا أقارب كثر حملوا السلاح”. مضيفة: “إذا عاد زوجي فلن نجد من يصرف علينا لذلك سيبقى زوجي في لبنان للعمل ونعود نحن الى سوريا”.

تتحضر رشا ذات العشر سنوات للعودة إلى سوريا على أمل أن تدرس، حيث لم تلتحق رشا بمدرسة نظامية طيلة وجودها في لبنان. ويقول والد رشا حسن سالم: “خرجنا من سوريا قبل سبع سنوات من حمص بعد أن اشتدت المعارك هناك دون أن نحمل معنا غرض من أغراضنا. واليوم يطالبنا الأمن اللبناني بالعودة الى سوريا علما أننا من أبناء حي الحميدية في حمص، الذي يُمنع العودة إلى أجزاء كبيرة منه”. متابعاً: “نحن اليوم نقع بين نارين نار الإقامة في لبنان وسط الغلاء الذي نعيشه في لبنان وتصاعد وتيرة الاحداث وبين الواقع في سوريا”.

تحاول دول عديدة التخلص من السوريين اللاجئين لديها، فيما يستخدمهم البعض كورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي. دون النظر إلى احتياجاتهم ورغباتهم في ظل تراجع حاد للدعم الأممي المقدّم لملف اللاجئين السوريين وعدم التوصل إلى أي تسوية سياسية حقيقية.

كما يحاول النظام السوري اليوم التسويق لنفسه على أنه حكومة تقود البلاد نحو التعافي من الحرب التي لا تزال مستمرة منذ ثماني سنوات. عبر عرض مشاريع سياحية للاستثمار وبث دعاية خارجية بصور منمقة لمسؤوليها وهم يعملون في عدد من المحافظات. فيما يقود الروسي ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى أرض الوطن.

لكن الصورة الحقيقية تبقى بعيدة عن هذا التسويق خاصة مع عدم وجود أرقام حقيقية لسوريين عادوا من دول الاتحاد الأوربي فيما انحصرت العودة على السوريين اللاجئين في لبنان وأعداد خجولة من الطرف الأردني.
سيبقى السوريون يرقعون في الداخل منازلهم وطرقاتهم وأحلامهم على وعود إعادة الاعمار وموسيقى الانتصار على أمل وقوع التغيير الحقيقي.

لا عودة آمنة مضمونة ولا إقامة مستقرة في البلاد… السوريون لنا الله

خاص ليفانت | جوري محمد – دمشق 

يقف السوريون أمام عدد من مفترق الطرق التي تحمل حلولاً أحلاها مرّ، فلا البلاد مهيئة بعد لعودة النازحين واللاجئين، ولا البلدان المضيفة قادرة على التأقلم مع السوريين الموجودين فيها من النواحي الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، ولا الأمم المتحدة قادرة على الوفاء بوعودها من تأمين الحماية والأمن للسوريين. ولا سوريا قادرة على المحافظة على من بقي فيها.

بلاد جديدة

يتصفح مازن (45سنة) صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر أخبار تتعلق بمخيّم اليرموك بعد الحديث عن تسريب صور للمخطط التنظيمي الجديد للمخيّم.

خرج مازن مع عائلته من مخيّم اليرموك نهاية العام 2013 بعد رفض والده فكرة الخروج من المخيّم لخوفه من تكرار تجربة النزوح للمرة الثانية بعد أن عرف التجربة الأولى عام1967 عندما نزح عن أرضه في الجولان السوري. يقول مازن: “رفض والدي ترك منزلنا في العام 2012، لكن بعد سوء الأحوال وقتها واشتداد المعارك وكذلك الحصار قررنا الخروج تحت ظل ظروف صعبة جداً”. يتابع مازن استأجرنا منازل في مناطق قريبة من المخيّم الذي عاشت فيه عائلتي لأكثر من أربعين عام وكان والداي متعلقان بفكرة أن المعارك ستنتهي وسنعود قريباً إلى منزلنا. لكن والدي توفي في العام 2017 ولحقت به والدتي بعد أربعة أشهر وأنا أحمد الله أنهما توفيا قبل خروج المسلحين كي لا يشاهدا الدمار الذي حل بمنزلنا وأحاله إلى كتلة من الأنقاض.

تشير التقارير الصحفية والأممية إلى مخيّم اليرموك كأكبر تجمع للفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية حتى سمي بعاصمة الشتات الفلسطيني. المخيّم كان أنشئ في العام 1957 ويبعد عن مركز العاصمة السورية دمشق حوالي 8 كيلومتر. وتقدر بعد الاحصائيات العائدة للعام 2002 وجود أكثر من 112,550 لاجئ فلسطيني مسجل داخل مخيّم اليرموك. لكن سكان المخيم لم يكونوا فقط من الفلسطينيين حيث كان يسكن عدد كبير من السوريين وخاصة أبناء الجولان السوري المحتل.

يُقلّب طبيب الجلدية مصطفى (ح) صور عيادته ومنزله في مخيّم اليرموك الذي زاره مرة واحدة بعد سماح السلطات السورية والفلسطينية المسيطرة على المخيّم للأهالي بالدخول في الشهر التاسع من العام 2018. ويقول: “لم أتمكن من البقاء في المخيّم بعد دخول المسلحين إليه في العام 2012 واشتداد القصف. وفضّلت الخروج مع عائلتي إلى مكان آمن، تنقلت بين عدد من الأماكن واستقريت أخيراً في منطقة صحنايا في ريف دمشق، وافتتحت عيادتي التي أسستها من جديد على أمل أن أعود الى المخيّم بعد خروج المسلحين. لكن بعد خروج المسلحين لم يكن مسموح لنا العودة بشكل نهائياً كان علينا الدخول والخروج ضمن ساعات محددة، عدت وقتها إلى منزلي والعيادة حيث تهدم جزء كبير من منزلي، والعيادة نُهبت.

يتابع “مصطفى”: “لم أجد سوى خارطة فلسطين معلقة على جدار منزلي وصورة قديمة لمدينتي حيفا جلبتهما معي ولم أعد بعدها الى المنزل. ويأست اليوم من انتظار الأخبار التي تتحدث عن السماح بالعودة وإعادة ترميم المنازل، وفوجئت قبل أيام بحديث لرئيس الوزراء السوري عماد خميس بالتحضير لمخطط تنظيمي جديد قد أفقد بسببه منزلي وعيادتي بشكل نهائي”. مضيفاً: “رفضت شراء منزل وعيادة في أي مكان على أمل العودة، لكن حلم العودة تبخر اليوم مع أخبار المخطط وكذلك انتهت مدخراتي التي كان من الممكن أن تشتري لي منزل خاصة بعد ارتفاع أسعار العقارات الجنوني”.

خوف على الحقوق

أبدى الكثير من السوريين خوفاً من ضياع حقوقهم في ممتلكاتهم خاصة أبناء المناطق العشوائية التي أحاطت بدمشق لعقود طويلة. حيث وجد مسؤولو “النظام السوري” في الدمار الذي لحق بهذه المناطق كمخيّم اليرموك والقابون والكسوة وغيرها من الاحياء السورية حجة لإزالة هذه المناطق. وبدأت المخاوف تزداد بعد صدور قانون التنظيم رقم عشرة وذلك لعدم وجود تعليمات تنفيذية كما هو حال المرسوم 66 الصادر عام 2012، والمفروض أنه مخصص إعادة تنظيم مناطق المخالفات العشوائيّة عبر إحداث منطقتين تنظيميتين في نطاق محافظة دمشق.

وكان عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق، سمير الجزائرلي كشف لوسائل إعلامية مقرّبة من النظام عن نسب دمار هائلة في مناطق المخيّم، بلغت بحسب “الجزائرلي” أكثر من 90% في المنطقة الممتدّة من دوّار البطيخة شمال المخيّم على كلا الطرفين وصولاً إلى مقبرة الشهداء القديمة وامتداد شارع 30، أما في شارع فلسطين عند الطربوش ومقابل سينما النجوم وباتجاه يلدا فالأضرار أقل وفق قوله.

أما بخصوص الأضرار في البنى التحتية، أوضح الجزائرلي أنّ أضرار شبكتي الكهرباء والهاتف في اليرموك بلغت أعلى نسبة والتي قاربت 95%، أمّا الصرف الصحّي والمياه فلا تتجاوز نسبة الأضرار 30%، مشيراً إلى أنّه قد جرى تأهيل الآبار في شارع 30 ويتم تغذية اليرموك حاليًا بمياه الشرب من شبكة عين الفيجة.

وعن خضوع مخيّم اليرموك للقانون رقم 10 قال الجزائرلي: “الجزء القديم من مخيّم اليرموك فقط لن ينطبق عليه قانون التنظيم رقم 10، لأنّ الأرض من الناحية القانونية ملك لمؤسسة اللاجئين الفلسطينيين، والمواطن فيها لا يمتلك سوى البناء فقط”.

وتقريباً تقع حدود المخيم القديم بين شارعي اليرموك وفلسطين من مشفى حلوة زيدان إلى منطقة مستوصف “محمد الخامس” القديم التابع لوكالة أونروا.

وأوضح الجزائرلي في حديث سابق لصحيفة “الوطن السوريّة”: “هناك عقارات بُنيت في مخيّم اليرموك بشكل مخالف وفي حال تهدمها لن يُسمح ببنائها بشكل مخالف وسيطبق عليها التنظيم”. وحول إمكانية عودة الأهالي إلى المخيّم – والمقصود هنا المخيّم القديم-، بيّن الجزائرلي أنّه يجري العمل على “دراسة كل مربع على حدة وتوصيف العقارات بشكل دقيق وترقيم وإغلاق هذه العقارات، ومن ثم يتم تسليم هذه العقارات من لجنة التسليم لأصحابها وفق شروط إثبات الملكية التي حددها القانون 10 ومنها سند التمليك أو قرار محكمة أو سند كاتب عدل أو وكالة غير قابلة للعزل أو إيصال ماء أو كهرباء في المسكن”.

كلام الجزائرلي قد ينسفه المخطط التظيمي الجديد الذي من الممكن أن يطيح بمباني وحارات عديدة كما هو الحال في منطقة القابون التي سيتم وفق المخطط التظيمي الجديد لها إزالة حوالي 140 منشأة صناعية. حيث قُدّم أكثر من 740 اعتراضاً من أهالي منطقة القابون إلى محافظة دمشق على المخطط التنظيمي، وتمت إحالتها كاملة إلى اللجنة الإقليمية التي ستجتمع لدراستها واتخاذ القرار بخصوصها.

وكان مدير التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق إبراهيم دياب ذكر  “لصحيفة الوطن”، بأن اعتراضات أهالي القابون الصناعي تركزت بشكل عام على تقدير نسب الأضرار، وتغيير صفة المنطقة ونقلهم إلى المنطقة الصناعية.

تغيير حقيقي

أعلنت محافظة دمشق في شهر تموز 2019 عن المخطط التنظيمي رقم 104 للقابون الصناعي وجزء من الأراضي الزراعية لحرستا، وأتاحت للأهالي وأصحاب الحقوق تقديم اعتراضاتهم عليه ضمن مهلة شهر، ليتم تعديل الدراسة وفق الاعتراضات المحقة.

حيث تم تقسيم المنطقة المذكورة إلى قسمين، الأول (أ) ومساحته 23.7 هكتاراً ونسبة الأضرار فيه تقارب 70%، والثاني (ب) ومساحته 116.1 هكتاراً ونسبة الأضرار فيه بحدود 30%، والجزء الآخر المضاف عند البانوراما حرستا مساحته 75 هكتاراً.

ويتضمن مخطط القابون الصناعي تحويل المنطقة إلى سكنية تجارية خدمية، حيث ستضم إضافة للأبراج السكنية مبانٍ استثمارية ومشافٍ ومدارس ومراكز تجارية، وعدة مراكز خدمية للمدينة.

ويوجد نحو 750 منشأة صناعية منتجة في منطقة القابون الصناعية وتعمل بمجالات مختلفة من كيميائية وهندسية وغذائية ونسيجية، وتنقسم إلى منشآت كبيرة ومتوسطة وصغيرة، حسبما ذكره مؤخراً رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها سامر الدبس.

وجاء الإعلان عن المخطط التنظيمي لمنطقة القابون ضمن خطة وضعتها محافظة دمشق في تشرين الثاني من عام 2018 لتنظيم مناطق السكن العشوائي المحيطة بالمدينة دون وضع مواعيد محددة لتنفيذ أي من هذه المناطق بعد إعداد مخططاتها.

وتعد منطقة القابون المنطقة التنظيمية الثالثة الموافق عليها في دمشق، بعد ماروتا وباسيليا، بالاستناد إلى المرسوم 66/2012 والقانون 10/2018. فيما ينتظر مخيّم اليرموك مطلع شهر شباط 2020 للإعلان عن مخططه.

كما وضعت الخطة مصوراً لبرزة والقابون وجوبر ينتهي خلال 2019، فيما ينتهي وضع مصور لمنطقة التضامن والزاهرة ونهر عيشة 2020، ثم سفح قاسيون وركن الدين والمهاجرين ومعربا في 2021، والدويلعة والطبالة في 2022، والمزة 86 ومخالفات دمّر 2023، وأخيراً استملاك المعضمية في 2023 وتنتهي بـ2024.

عودة طوعية

تصوّر قنوات التلفزة السورية مئات النازحين السوريين المتوقفين على معبر المصنع اللبناني لإنهاء أوراقهم من أجل الدخول إلى سورية، وذلك ضمن خطة لإعادة السوريين برعاية روسية. حيث رفضت الأمم المتحدة المساهمة في هذه الحملة لكن الأمم المتحدة لم توقف هذه العملية بحجة أن العودة طوعية وأن القتال توقف في عدد من المدن السورية أبرزها دمشق.

معظم العائلات العائدة إلى سورية من لبنان، تتألف من نساء وأطفال ورجال مسنين، فيما يخشى الشبان من العودة بسبب الخدمة الإلزامية.

التقيت أثناء تواجدي في لبنان بعدد من العائلات السورية المقيمة في مخيمات للاجئين السوريين في مناطق عرسال. تقول سناء الخالد من منطقة القلمون في ريف دمشق (35 سنة): “هدّمت قوى الأمن اللبناني عدد من الخيّم التي كنا نقيم فيها مع عائلتنا وطلبت منا هدم الباقي كي نعود إلى سورية بحجة أن سورية باتت آمنة وعلينا العودة إليها”. متابعة: “زوجي يعمل في أعمال البناء وإذا عاد سيتم سوقه لخدمة العلم لأنه تخلف عنها كما نخشى من وجود ملاحقة أمنية كوننا من منطقة خرجت ضد النظام ولنا أقارب كثر حملوا السلاح”. مضيفة: “إذا عاد زوجي فلن نجد من يصرف علينا لذلك سيبقى زوجي في لبنان للعمل ونعود نحن الى سوريا”.

تتحضر رشا ذات العشر سنوات للعودة إلى سوريا على أمل أن تدرس، حيث لم تلتحق رشا بمدرسة نظامية طيلة وجودها في لبنان. ويقول والد رشا حسن سالم: “خرجنا من سوريا قبل سبع سنوات من حمص بعد أن اشتدت المعارك هناك دون أن نحمل معنا غرض من أغراضنا. واليوم يطالبنا الأمن اللبناني بالعودة الى سوريا علما أننا من أبناء حي الحميدية في حمص، الذي يُمنع العودة إلى أجزاء كبيرة منه”. متابعاً: “نحن اليوم نقع بين نارين نار الإقامة في لبنان وسط الغلاء الذي نعيشه في لبنان وتصاعد وتيرة الاحداث وبين الواقع في سوريا”.

تحاول دول عديدة التخلص من السوريين اللاجئين لديها، فيما يستخدمهم البعض كورقة ضغط على الاتحاد الأوروبي. دون النظر إلى احتياجاتهم ورغباتهم في ظل تراجع حاد للدعم الأممي المقدّم لملف اللاجئين السوريين وعدم التوصل إلى أي تسوية سياسية حقيقية.

كما يحاول النظام السوري اليوم التسويق لنفسه على أنه حكومة تقود البلاد نحو التعافي من الحرب التي لا تزال مستمرة منذ ثماني سنوات. عبر عرض مشاريع سياحية للاستثمار وبث دعاية خارجية بصور منمقة لمسؤوليها وهم يعملون في عدد من المحافظات. فيما يقود الروسي ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى أرض الوطن.

لكن الصورة الحقيقية تبقى بعيدة عن هذا التسويق خاصة مع عدم وجود أرقام حقيقية لسوريين عادوا من دول الاتحاد الأوربي فيما انحصرت العودة على السوريين اللاجئين في لبنان وأعداد خجولة من الطرف الأردني.
سيبقى السوريون يرقعون في الداخل منازلهم وطرقاتهم وأحلامهم على وعود إعادة الاعمار وموسيقى الانتصار على أمل وقوع التغيير الحقيقي.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit