في اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة هل تفي الأمم المتحدة “بوعدها”؟

في اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة هل تفي الأمم المتحدة "بوعدها"؟
في اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة هل تفي الأمم المتحدة "بوعدها"؟

في اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة[1]

هل تفي الأمم المتحدة “بوعدها”؟

تعزيز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة” محور تركيزها هذا العام، فالأمم المتحدة، على لسان أمينها العام “انطونيو غوتيريش”، تتعهد اليوم بمناسبة اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة بأنها “لن تترك أحداً خلف الركب” في استراتيجية التنمية لعام 2030 ، وذكرت الأمم المتحدة على موقعها الالكتروني، أن الهدف من هذا اليوم، الذي أعلنت الاحتفال به عام 1992، هو  إذكاء الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ورفاههم في المجالات كافة.

باتجاه “الركب”:

رسمياً، كانت الخطوة الأولى للأمم المتحدة في 20 كانون الأول 1971، عندما أعلنت الجمعية العامة “حقوق المتخلفين عقلياً[2]” ودعت إلى العمل، علي الصعيدين القومي والدولي، لحماية هذه الحقوق، ثم تبعه إعلان “حقوق المعاقين[3]” عام 1975 الذي نص على عدم التمييز بين “المعاقين” في حقوقهم، وفي عام 1982 اعتمدت الجمعية العامة برنامج العمل العالمي المتعلق بالمعوقين[4].

 المبادئ الـ 25 التي أعلنتها الأمم المتحدة عام 1991 لحماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي وتحسين الرعاية الصحية العقلية[5]، كانت أكثر إنصافاً وتفصيلاً من إعلان 1971، فقد نصت للمرة الأولى على حقوق “الأشخاص المصابين بمرض عقلي” في قضايا أهمها؛ الحماية من العنف الجنسي والاستعباد، وحرية الدين والمعتقد والحقوق السياسية والمدنية، والاتصالات وسرية المعلومات، وتلقي العلاج المتناسب مع الخلفية الثقافية والاجتماعية، العمل بأجر مماثل للجميع، ومنع إجراء التعقيم للمرضى، أو إعطاء العلاج كعقوبة أو لراحة الآخرين.

كانت كل من إيطاليا والسويد قد اقترحتا في وقت سابق على الأمم المتحدة صياغة اتفاقية دولية للقضاء على التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن العديد من ممثلي الحكومات “جادلوا” بأن وثائق حقوق الإنسان كافية بحد ذاتها، فجاءت القواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة[6]” ١٩٩٣ التي أجلت اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة[7] حتى أواخر عام 2006 والتي وصفت بعد توقيعها عام ٢٠٠٧ بكونها ”تحولاً مثالياً“ في المواقف والنهج تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة كأول اتفاقية حقوق الإنسان مدعومة من المجموعات الإقليمية كافة.

 

2019 عاماً لإدماج ذوي الإعاقة… لماذا؟

إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة” هو عنوان هذا العام، فالأمين العام في كلمته اليوم يؤكد أن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة هي “الضمان” للوفاء بما أسماه “الوعد المركزي” لخطة التنمية لعام 2030 المتمثل في “عدم ترك أحد خلف الركب، [Leave No One Behind[8“، وفي التقرير الرئيسي للأمم المتحدة عن الإعاقة والتنمية لعام ٢٠١٨   نفى “غوتيرش” إمكانية تحقيق التنمية المستدامة بدون “مشاركة الجميع”، مؤكداً أن الإدماج الكامل للأشخاص ذوي الإعاقة، الذين تقدرهم الإحصائيات الأممية  بمليار إنسان حول العالم، هو “حتمية أخلاقية، وضرورة عملية” لبناء مجتمعات صحية ومستدامة.

تقرير 2018 الذي يعد الأول لدراسة الإعاقة وأهداف التنمية المستدامة، على مستوى الأمم، اعترف بأن الإعاقة مسألة شاملة لعدة قطاعات لابد من اخذها بالاعتبار لتحقيق أهداف التنمية، وغطى مجالات غير مسبوقة في أبحاث عالمية مثل دور الوصول إلى الطاقة لتمكين “الأشخاص ذوي الإعاقة” من استخدام التكنولوجيا،  كما أورد جدول أعمال عام 2030 الذي يتضمن11 مؤشراً و7 أهداف تشير صراحة إلى “الأشخاص ذوي الإعاقة”، وتغطي التعليم والتوظيف، وتوفير المدارس “الحساسة” لحاجاتهم، وإدماجهم وتمكينهم، وتيسير المواصلات والمرافق العامة والمساحات الخضراء المناسبة، وبناء مقدرات البلدان وفقاً للبيانات المفصلة حول الإعاقة.

التقرير، الذي أعده أكثر من 200 خبير من وكالات الأمم المتحدة، والمؤسسات المالية الدولية، والدول الأعضاء والمجتمع المدني بما فيه من مؤسسات البحث والمنظمات ذات الشأن، قدم مراجعات لتشريعات 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة لتقييم الوضع الحالي للقوانين التمييزية المتعلقة بالتصويت والانتخاب والحق في الزواج وغيرها.

الصورة ليست جميلة“، يقولها “غوتيريش” بصراحة عقب تقرير المراجعات، الأمر الذي دعاه لإطلاق استراتيجية الأمم المتحدة لإدماج ذوي الإعاقة[9]  في حزيران الماضي “لرأب الفجوات القائمة” في نشاطات المقر الدائم وعلى المستوى القُطري، إنها “ليست استراتيجية كلمات، إنها استراتيجية عمل”، يؤكد غوتيريش، “لرفع معايير أداء الأمم المتحدة فيما يتعلق بإدماج ذوي الإعاقة في جميع المجالات”، وخاصة بعد أن وجدت منظمة العمل الدولية “أن استبعاد ذوي الإعاقة من عالم العمل يمكن أن يسلب حوالي 7 % من ناتج البلدان المحلي الإجمالي”، الأمر الذي “استدل” به “غوتيريش” على أن تفعيل حقوق ذوي الإعاقة ليس “مسألة عادلة” فقط، بل استثمار منطقي في مستقبلنا المشترك”. 

  

“تريو”النقمة”: تمييز وعنف مضاعف …

ما الذي يعنيه أن يكون الشخص امرأة ذات إعاقة في سوريا؟” سؤال طرحته السورية “نوجين مصطفى[10]” التي تحدثت عن تجربتها كفتاة مصابة بالشلل الرعاش أمام مجلس الأمن في نيسان الماضي، مؤكدة أنها ليست الوحيدة، ولكنها “تجربة آلاف السوريين من ذوي الإعاقة الذين يعانون للبقاء على قيد الحياة بسبب محدودية أو انعدام الخدمات الأساسية في سوريا والتهديد المستمر بالعنف وخاصة ضد النساء والفتيات”، الأمر الذي تؤكده “سلام” بقولها ” ثلاثة أشهر من العمل كانت الجحيم بعينه”، لقد اعتزلت “سلام” العمل الإعلامي بسبب مضايقات زملاء “مهنة المتاعب” لكونها تجمع “تريو النقمة” على حد تعبيرها فهي “امرأة”، و”صحفية”، و “من ذوات الاحتياجات الخاصة” ، الأمر الذي يستحضر كلام المديرة العامة لليونسكو “أودري أزولاي” في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي لا تزال فعالياته بأيامها الـ”16″ مستمرة، فقد حذرت ازولاي بأن “الصحفيات والنساء ذوات الإعاقة” من بين أكثر النساء في العالم تعرضاً للعنف.

المرأة السورية، تمثل نموذجاً مصغراً للعنف الذي تتعرض له أقرانهن من ذوات الإعاقة في العالم، الأمر الذي غفلته اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو، 1979” ، إلا أن  كل من إعلان ومنهاج عمل بيجين عام 1995 قد اعترف “بأن النساء والفتيات ذوات الإعاقة يواجهن “مشاكل متعددة”، كما نشرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عام 2012 تقريراً بشأن العنف ضد النساء والفتيات والإعاقة[11]، جاء فيه أنهن يتعرضن للعنف في سياقات كثيرة “في منازلهن وفي المؤسسات وعلى أيدي أفراد أسرهن المباشرة أو مقدمي الرعاية أو غرباء وفي المجتمع المحلي وفي المدارس وغير ذلك””،  وأن نحو ٨٠ % منهن يتعرضن للعنف، وإن احتمال تعرضهن للعنف الجنسي يزيد بأربع مرات عن احتمال تعرض النساء الأخريات وفقاً للاتحاد الأوربي.

فوق المعاناة “عصة حرب“:

يواجه ذوي الإعاقة حالات النزاع المُسلح هجمات عنيفة وتهجيرا قسريا، وإهمالا مستمراً في الاستجابة وفقاً لدراسة أجرتها “هيومن رايتس ووتش[12]” خلال سنوات الحرب في جمهورية أفريقيا الوسطى، والكاميرون، والعراق، وميانمار، وجنوب السودان، واليمن، وفي العديد من الحالات “ترك ذوي الإٌعاقة” في منازلهم أو في قرى مهجورة” في ظل شح الماء والطعام، ما أدى وفقاً للتقرير، إلى “موت الكثير منهم” لعجزهم عن الفرار، الأمر الذي دعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “لتسليط الضوء” على آثار النزاع على ذوي الإعاقة،” الذين يغيبون عن أجندات السلام والأمن في العديد من البلدان حول العالم” في اجتماعه في كانون الأول العام الماضي، ولأول مرة، كما أعلن “غوتيريش” في كلمته اليوم “اعتمد مجلس قراره الأول على الإطلاق، المكرس لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة في النزاعات المسلحة”.

وفي سوريا،  في ظل غياب المصادر الرسمية، أظهرت بيانات المفوضية السامية لأمم المتحدة لشؤون اللاجئين[13]، أن “أكثر من 5.6 مليون سوري سجّلوا كلاجئين في الدول المجاورة”، وأن 3.09% منهم هم ذوي إعاقة، وأضافت المفوضية في التقرير الذي نشرته عام 2018، أن هناك ما يقدر بنحو 2.9 مليون شخص من ذوي الإعاقات داخل سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن 2% من اللاجئين هم من الأطفال ذوي الإعاقة الذين “غالباً ما يتم تهميشهم واستبعادهم من الفرص، ويعيشون حياة منعزلة ويكافحون ضد الوصمة والتمييز وبيئة لا تلائم احتياجاتهم أو تطلعاتهم”.

وفي عام 2014، أشارت دراسة “أثر التَّهجير على المعاقين والمسنين في مجتمع اللاَّجئين السوريين[14]“، أن  واحداً من كل 15 لاجئ سوري في الأردن وواحداً من بين كل 30 لاجئ في لبنان أصيب جرَّاء الحرب.

عشر أعوام على “اللحاق بالركب” … كافية؟

ثلاثة عقود على إعلان اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة، وأكثر من خمسين عاماً من الجهود الأممية، وبرغم التقدم المحرز، مازال “الركب الموعود” بعيداً عن الكثير “منا”، فالوضع يزداد صعوبة مع ذوي الاحتياجات الخاصة في “المصطلح السوري” وخاصة في سوريا والدول النامية عموماً التي تشير إحصائيات الأمم المتحدة[15] أن80% من الأشخاص ذوي الإعاقة في العالم متواجدين فيها، و50% منهم لا يتحمل تكاليف الرعاية الصحية، هذا يعني أن تجاوز “المعوقات” التي لا تزال تقارير الأمم المتحدة ترددها في كل مناسبة والتي تتمثل “بوصمة العار” وعدم إمكانية الوصول في البيئات المادية والافتراضية والتمييز، والجهل بالإعاقة، وسوء البنى التحتية والتشريعات، ونقص البيانات.. والقائمة تطول، يصبح أكثر استحالة وخاصة في أوضاع البلدان التي تطحن مقدراتها “رحى الحرب”.

الوضع يزداد إشكالية، عندما يتعلق بإنهاء قرون من التمييز وممارسات العنف ضد النساء وخاصة ذوات الإعاقة، على اعتبارهن أكثر الفئات “تهميشاً” ليس فقط بالمقارنة مع غيرهن من النساء، بل حتى بالمقارنة مع أقرانهن من الذكور “فوضعهن أسوأ” كما ذكر تقرير المنتدى الأوربي للإعاقة[16] مؤخراً، و”خاصة في المناطق الريفية” يردف التقرير، هذا في الوضع العادي، فكيف سيكون الوضع إذاً في بلدان “النزاع المسلح” التي إن لم تكن “غائبة عن الركب تماماً”، فهي تقوده “بالاتجاه المعاكس”؟!

[author title=”نجلاء محمد” image=”https://thelevantnews.com/wp-content/uploads/2019/11/نجلاء-محمد.png”]صحفية سورية[/author]

……………………………….

المراجع

[1] https://www.un.org/ar/observances/day-of-persons-with-disabilities [2] https://undocs.org/ar/A/RES/2856%28XXVI%29 [3] https://undocs.org/ar/A/RES/3447%28XXX%29 [4] https://undocs.org/ar/A/37/351/add.1 [5] https://undocs.org/ar/A/RES/46/119 [6] https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/CRPD/Pages/ConventionRightsPersonsWithDisabilities.aspx [7] https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/CRPD/Pages/OptionalProtocolRightsPersonsWithDisabilities.aspx [8] https://undg.org/wp-content/uploads/2019/04/Interim-Draft-Operational-Guide-on-LNOB-for-UNCTs.pdf [9] https://www.un.org/en/events/disabilitiesday/assets/pdf/UN-Disability-Inclusion-Strategy.pdf [10] https://soundcloud.com/unnewsarabic/4y90ka2ghgai [11] https://www.ohchr.org/Documents/HRBodies/HRCouncil/RegularSession/Session20/A-HRC-20-5_ar.pdf [12] https://www.hrw.org/ar/news/2018/12/05/324874 [13] https://www.unhcr.org/ar/news/stories/2018/7/5b6c194a4.html [14] https://www.fmreview.org/ar/aboutskinner.pdf [15] https://www.un.org/ar/observances/day-of-persons-with-disabilities/background [16] http://www.edf-feph.org/newsroom/news/european-human-rights-report-3-gender-and-disability-women-and-girls-disabilities