محمود سليمان الحاج حمد
محمود سليمان الحاج حمد

ذاك النفير

بعد كل هذه السنين المؤلمة والتي دفع فيها الشعب السوري ضريبة هائلة ومرعبة، ضريبة لايوازيها من حيث حجم الخسارة إلا مادفعه الشعب العراقي ، هذه الضريبة الكبرى تمثلت بفقدان نصف الشعب السوري بين قتل واعتقال وتشريد وإعاقة ، هذه الضريبة تمثلت بفقدان وطن بهويته ، بإقتصاده ، بعملته ، بأراضٍ كثيرة أصبحت خارج الحدود الوطنية – على ضعف هذه الصفة الآن – ولكن الهوية الوطنية بأهم مقوماتها هي الأرض أو الحدود الجغرافية.

ماهو مفهوم الشعار الذي رفعه المحتجون ؟
الكرامة : هي ليست مفهوماً غائماً او غيبياً أو مجهولاً ، إنما هو تعبير واضح وحقيقي عن مطالب الشعب وأهمها ( العيش الكريم ) غير المتبوع بذل أو مِنَّةٍ أو قهر أو استعباد، مفهوم الكرامة أن يحس السوري بمواطنته في أرضه التي يعيش عليها، الاعتداء على حريته ، على ملكيته الخاصة ، على لقمة عيشه ، كل ذلك وغيره كثير هو مرتبط بمفهوم الكرامة ، ناهيك عن الطغيان والتغول الطائفي الذي مارسته عصابة النظام المتحكمة وليس الشعب كله بطوائفه!

تسييس احتجاجات الشعب وتجنيدها كان الضربة الأولى والأكثر فتكاً بالشعب والوطن ومقدراتهما ، النظام بدأ أولاً وأمعن في ذلك حتى حصد نتيجة هذه الممارسة حقد الشعب عليه ، ثم تبعته المعارضة ( المُسَيّسَة والمؤدلجة ) والمرتبطة بأجندات دولية تطوعت بتنفيذها لقاء بعض المنافع المالية أو غيرها وبعض الوعود المضللة بإيصالهم للسلطة وحكم البلاد ، وهنا وقع الشعب السوري بين عدوين واضحين تماماً ( معارضة ونظام ) بين المطرقة والسندان ، ظل هذا الإرتهان من قبل المعارضة والنظام يغرق بتنفيذ أجندات أسياده حتى وصل القاع ، تحول كلاهما إلى رؤساء مخافر عند داعميهم ، وبدأوا يعلنون ذلك بكل صراحة ( وقاحة ) دون أي خجل أو مواربة !
أمّا الشعب ، الشعب الذي لم يعد يملك أي قرار مهما كان صغيراً وربما حتى على مستوى عائلته ماذا سيفعل؟

من ينظر إلى الثورة السورية على أنها فاشلة وأنها جملة أخطاء كارثية تراكمت فوق بعضها حتى تلاشى الشعب فقد يبدو محقاً من وجهة نظر ما، ولكنه لو تعمّق أكثر في التحليل ودراسة هذه الظاهرة على خطورتها فإنه سيرى الأمور بشكل مختلف ، مامن شك بأن الأرض السورية أصبحت برمتها ساحة لتصفيات وأجندات دولية وأن دور الشعب بات محدوداً فهذا صحيح، ولكن هل تموت الشعوب؟ لا ، وبكل تأكيد لا ، فالشعب السوري كان ولازال يثبت أنه الأكثر عزماً وتصميماً على تحقيق أهدافه ، الأكثر صبراً ومواظبة.

وثورته هي :
( ذاك النفير إلى الدنيا أن اضطربي )
وحدها ثورة الشعب السوري هي التي هزت من حولها من الشعوب العربية ونادت أن استفيقوا من غفلتكم الطويلة ، ثوروا على مستعبديكم ، تخلصوا من قاتليكم ، فامتدت شعاراتها لتطرق أسماع كل الشعوب العربية التواقة للتحرر من نير الاستعباد والظلم ، سارت الشعوب العربية بهداها تنشد الخلاص ، مستفيدة من تجربة الشعب السوري في ثورته النارية والتي ضربت أروع الأمثلة في التضحية والإقدام والإخلاص ، ولا يغرنكم خيانة من خان ، ولا توحش من قتل واستباح ، فهؤلاء يظلون وفي كل المقاييس والموازين عبارة عن شراذم وعصابات تعيشت على تضحيات ودماء الشعب السوري ، أما غالبية الشعب المقهور سواء أولئك المرميون على الحدود كلاجئين أو المرميون في المعتقلات أو المشردون في أصقاع الأرض ، كل أولئك أو غالبيتهم بمعنى أدق فهم لازالوا مؤمنين بثورتهم وبحتمية انتصارها وحتمية قيامة جديدة للشعب السوري ودولته ، وهم بالرغم من كل ظروفهم القاسية والمرعبة لازالوا يتمتعون بالنشاط والحيوية الكافيتين لتحقيق مطالبهم المشروعة ، وهم في ذلك سواء مع إخوتهم أولئك الذين يعيشون القهر والذل وقلة الحيلة في المناطق التي يحكمها النظام !!
الحقيقة الساطعة تقول: ليس كل من خرج خارج سلطة النظام هم ثواراً وليس كل من بقي مرغماً هم موالون أو شبيحة كما يروج الكثيرون!
الآن الفقر يطحن كلا الجانبين والمطحون هو الشعب الفقير، الآن كلا قيادات الطرفين تتهاوى تحت سلاح العصابات والمرتزقة، الآن الواقع يقول أن ٩٠٪؜ من الشعب يعيش تحت خط الفقر وفي كلا الطرفين …!!
إنها ضريبة هائلة ، مرعبة ، مخيفة ، بل انها تساوي الموت ولعل الكثيرين أصبحوا يحسدون الأموات على رقادهم في القبور!

المقاربات المنطقية : هي أن يلتقي الشعب السوري المتوحد أصلاً بمصيبته وبمطالبه وأن يتلمس خلاصه بعيداً عن الشعارات الزائفة التي أطلقها الطرفين !!
الآن ينظر السوري إلى حوله فيرى أن الشعوب تسير على خطاه ، في لبنان يرددون صيحاته ذاتها ، وفي بغداد يرى العراقيون يفعلون ذلك وأكثر وهم ينشدون خلاصهم كالفراشات التي تلقي بنفسها في النار عشقاً للنور والحرية !

كلا الشعبين اللبناني والعراقي استفاقا على كذبة الطائفية والأحزاب الدينية التي تاجرت بأرواحهم طويلاً إلى أن وصل بهم الأمر للمتاجرة بلقمة أطفالهم التي امتدت أيدي تلك القيادات لتختطفها من أفواههم وهنا وصلت بهم الأمور لإعلان ثوراتهم التي لن تهدأ حتى تحقق مطالبها في العدالة والعيش الكريم و سينتصرون !!
ماظل واجباً على الشعب السوري هو عدم الاستسلام للأحزاب الدينية ولا لمروجي الطائفية والعاملين عليها كتلك الأسطورة التي تقول أن السحالي وحدها من نفخت على النار ليزداد لهيبها حينما أوقدها النمرود ليحرق النبي إبراهيم الخليل !!

الآن لم يعد يفيد التلطي وراء شعارات كاذبة ، وراء تدين مصطنع يتكسبون من ورائه مايتخم بطونهم من دم الشعوب !!

عظيماً هو ذاك النفير ، وعظيمةً هي تلك الاستجابة لصدى ذاك النفير ، وحقاً ان الدنيا تضطرب لقوته، وسيكون النصر حليف المستيقظين تواً والمؤمنين بحتميته !!

محمود سليمان حاج حمد

كاتب سوري

شاهد أيضاً

أنمار نزار الدروبي

مقتدى الصدر والإرهاب السياسي.. جدلية الدين والسياسة والعنف

اضطراب الحركة الجدلية الثلاثية لدى السيد الصدر، بمعنى، كيف تختلط الأوراق لديه فيتحول من رجل …

أترك رد