د. محمد شحرور في ذمة الله… لماذا يستمرون في مهاجمته؟

كمال اللبواني
كمال اللبواني

د. محمد شحرور في ذمة الله... لماذا يستمرون في مهاجمته ؟
د. محمد شحرور في ذمة الله… لماذا يستمرون في مهاجمته ؟

إذا مات ابن آدم انقطع عن الدنيا إلا من ثلاث أحدها علم ينتفع به ، لهذا بالضبط يستمر محمد شحرور وتستعر الحملات المعادية له … فقد توفي الدكتور محمد شحرور وانتقل إلى دار الحساب ، ولم تنقطع الانتقادات والاتهامات التي تطاله بل تزايد التهجم عليه وعلى تجربته بشكل ملفت للنظر بهدف تحطيم إرثه ، وهي على ما يبدو ضريبة كل من يخرج عن التقليد ويفكر ويبدع خارج المتوارث والمعتاد والمستبد ، خاصة إذا تعلقت مواضيعه بأمور تعتبر مقدسة ومنزلة ومطهرة لا تمس ، ككتاب الله ( القرآن ) ، الذي لا نختلف على أنه موحى من الله لرسوله الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه (ككل نص مكتوب) هناك قارئ عليه أن يقوم بقراءته والتفكر فيه ، ضمن قواعد (لغة وقراءة) تحكمها ، أيضا هناك تغيّر في الأرضية المعرفية للمدولوات وتطور في علوم اللغة وعلوم القراءات كغيرها من العلوم الإنسانية، وهذا ما يؤثر في تغيّر ما يراه القارئ في هذا النص من محتوى باختلاف التاريخ وتطور الثقافات وارتقاء نظم العقل ، بل إنها تتأثر بتغيير ظروف القارئ ذاتها ، فليس هناك قراءة واحدة ملزمة مقدسة منزلة من الله للكتاب المقدس المحكم التنزيل ، وإلا لما أنزله مكتوباً ، ولا أمرنا بقراءته في كل وقت كفرض عين … فكل القراءات والتفاسير والفقه التي نعرفها هي مجرد جهد بشري ، ولا يصح سحب قدسية الكتاب لتمتد وتشمل القراءات التي قُرأ بها ، ولا يجوز اعتبارها مقدسة مثله ، هذه العملية هي من عطلت الفكر والإبداع والتغير والتطور في عصور الانحطاط الإسلامي التي بدأت قبل ألف عام واستمرت لليوم .
الشيء الأساسي الذي قدمه الدكتور محمد شحرور في مسيرته الفكرية هو فتح باب القراءة الجديدة للكتاب والقرآن ، وشرعنة هذا العمل علناً وحض الناس عليه ، بتقديم نموذج ومثال خاص به ( لايشترط الصحة بذاته ) ، كاسراً بنفسه حاجزاً منيعاً يقف في وجه العقل عند المسلمين الذين أدمنوا (الاتباع والتقليد والاستبداد ) كمتلازمات وجودية.

المحاولة لا يجب اعتبارها بديلاً للفقه الموروث ، بل جوهرها أن الفقه الموروث هو أيضاً مجرد محاولات ، وأن القرآن كتاب وضع لنقرأه ، وليس ليقرأه لنا الآخرون ، هنا العلاقة بين المؤمن والخالق تمر من الخالق للمخلوق عبر الرسالة المدونة من دون وسيط بشري ولا كهنوت ولا سلطات تتستر بتمثيل الله على الأرض.

لم يستخدم شحرور منهجاً عقلياً جديداً في قراءة القرآن ، كما فعل منظروا الإخوان عندما استخدموا بشكل ملتبس ومستور ، منظومات من العقل العلمي الرياضي في قراءة نص أدبي شعري موسيقي فلسفي معرفي حمال أوجه مجازه واسع وإشاراته بعيدة ، وأنتجوا بسبب ذلك فكراً إسلامياً سياسياً يستعيد منهج الخوارج ، ويؤسس لمنهج التكفير والإرهاب الذي يطبع الإسلام الرسمي اليوم ، فقد استعمل شحرور ذات العقل التراثي المعروف ، لكنه استخدم نظريات لغوية مختلفة تخص علم اللغة ، وأهمها ما جاء به الجرجاني وشرحه دك الباب ، بعدم وجود مترادفات في اللغة ، فقولنا حصان ليس مرادفاً لقولنا سابح أو جواد ، وقولنا سيف غير مرادف لقولنا مهند أو حسام … صحيح هي كلمات تدل على مدلول واحد منطقياً وفيزيائياً ، لكنها من ناحية الدلالة اللغوية مختلفة خاصة بمى يتعلق بنوع ووجهة المعرفة بالشيء ، فيختلف المعنى المقصود إيصاله عند اختيار هذا الاسم بالذات وليس ذاك … أهم ما ناقشه في هذا المجال هو الفصل بين مفهوم الكتاب ومفهوم القرآن ، النبي والرسول، النساء والإناث … وصولاً للقضاء والقدر ، باعتبارها مفاهيم مختلفة دلاليا وليست مترادفات ، لأن اعتبار الترادف تطابق يعتبره نوعاً من التسطيح والإفقار للمعنى والدلالة ، كما شرح مطولاً في كتبه وأحاديثه المختلفة التي امتدت عبر ثلاثة عقود على الأقل ، وأهمها وأولها ( الكتاب والقرآن ) الذي صدر في الثمانينات.

باعتماد شحرور لمنهج لغوي مختلف قليلاً عن منهج المفسرين المعتمدين السالفين اختلفت قراءته ، وأنتج فقها يختلف عن الفقه الموروث ، وشريعة متباينة عما شاع ، وهذا ما أقام عليه السلفين الاتباعيين الذين يرون الأصل في الماضي ، ويرون كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، مع أن كل ما نتج عن غير الرسول يمكن اعتباره كذلك … والسوال الخطير الذي لابد من التطرق إليه هنا : ماذا لو اعتمد القارئ منهجاً عقلياً جديداً ، يعتمد على تطور معرفتنا بالعلوم وبالمدلول ذاته وفي نظم العقل والفلسفة ، على سبيل المثال : تغير معرفتنا بالوجود ، بالوحي ، بالملائكة وقوانين الطبيعة الحاكمة ، تغير معرفتنا بمفهوم الزمان والمكان ، والنسبي والمطلق ،معرفتنا بالصبغيات والروح والنفس … حتى مفهومنا عن الله ذاته توسع وتغير عبر التاريخ من إله يحمله اليهود في تابوت ويبنون له بيتا لسكناه ، لإله يتجسد على شكل بشر ويتعذب على الصليب ليفدي الإنسان من خطاياه كما في المسيحية ، إلى إله يسكن السماء التي في الأعلى كما عند الصحابة ، مع أننا عرفنا بعدهم أن السماء هي في الأعلى والأسفل أيضاً عندما اكتشفنا كروية الأرض ( أي أن فعل التنزيل لا يعني الحركة في المكان من الأعلى نحو الأسفل من السماء نحو الأرض ) ، والله ليس في السماء والجنة ليست هناك في المجرات ، بل يجب علينا أن نفهم اليوم أن الله هو في كل شيء هو الكل الواحد هو الأول والآخر والظاهر والباطن ليس شيئاً في الوجود بل هو الوجود كله بوحدته وأجزائه … فلو اعتمدنا في قراءتنا آخر المعارف التي تطورت بشكل حاسم وبتسارع مذهل ، لربما نتجت قراءات تختلف أكثر وأكثر من قراءات شحرور.

شحرور فتح العقل وباب القراءة الجديدة ، هذا هو انجازه ، الذي يعتبر بمثابة ثورة في صعيد الثقافة الإسلامية ، لكن بعد فتح هذا الباب أمام العقل وأمام تطور القراءات هناك مسار طويل يجب السير فيه من أجل استعادة الدين لدوره الحضاري كمنبع ومصدر للقيم والفلسفات ، ولكي يستمر الدين فعالاً في الضمائر والقلوب يتماشى مع العقل فلا يلغيه أو يأمر بتعطيله … ، ولكي نتجنب رميه في متاحف ومعابد مختصة بما بعد الحياة كما حصل للمسيحية التي انفصلت عن حياة البشر واختصت بالموت والمقابر.

من ينتقدون ويشتمون شحرور يسعون لتكريس التناقض بين العقل الحديث وبين الدين ، والذي سينتهي بتحييد الدين وحذفه ، وليس تغييب العقل وتجميده ، بينما لو أرادوا فعلاً إحياء الدين لكان عليهم تقديم الامتنان لمحمد شحرور غفر الله له وطيب ثراه ونفعنا من علمه .

[author title=”د. كمال اللبواني” image=”https://thelevantnews.com/wp-content/uploads/2019/10/كمال-اللبواني-1.jpg”]كاتب وسياسي سوري[/author]