اليمن 2020

لم يزحف العام 2020 على اليمنين زحفاً، بل جاء مهرولاً يحمل حلّاً أخيراً لصراعات دامت سنوات طويلة، السنوات الخمس الأخيرة في ظل انقلاب المتمردين الحوثيين والسيطرة على صنعاء، والسنوات الأربع قبلها (2011-2015) التي تأججت فيها فتنة الربيع العربي المشؤوم، فاعتلى الإخوانيون متنها وعاثوا فيها فساداً وخراباً، وكذلك سنوات الوحدة الفاشلة الثقيلة بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في العام 1990.

مثّل إتفاق الرياض في 5 نوفمبر 2019، برعاية السعودية ودعم الإمارات، بين الشرعية اليمنية والمجلس الإنتقالي الجنوبي، بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس اليمني عبدربه منصور هادي وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي القائد عيدروس الزبيدي، بارقة الأمل الأخيرة التي قد تُنهي ملفات عدة، على رأسها الصراع بين شطري اليمن، الشمال والجنوب، وتوحيد الصفوف لإنهاء التمرد الحوثي المدعوم من إيران.

يرى المراقبون أن عودة السلام إلى اليمن، وبسبب سيطرة رموز يمنية، ومنهم قادة وحلفاء حزب الإصلاح المتفشي بين جنبات الحكومة اليمنية، على مفاصل الدولة، سيجعل تنفيذ إتفاق الرياض، شبه مستحيل، ومردُّ ذلك أن فشل الوحدة، الذي أنتج سياسات عبثية سادت في اليمن، منذ تسعينيات القرن الماضي، قد أحدث فوضى اجتماعية واقتصادية وسياسية، فكانت سبباً مباشراً لنشوب فجوات وانقسامات بين المكونات اليمنية المختلفة، وظهر ذلك جلياً بتآمر الإصلاح اليمني مع الحوثية الإنقلابية في العام 2015 فانقلب الحوثي على الشرعية وقام بتأسيس دولة داخل دولة كما حدث في لبنان والعراق، بالرغم أن أقصى أمنيات الحوثي، في عهد علي عبد الله صالح، كانت الحصول على كرسي وزاري أو برلماني، ما شجع إيران على تقسيم القبائل وزرع الفتن وتمرير مشروعها الطائفي والتسلل إلى عقر دار اليمن، فحطّت رحالها في صنعاء، بفعل المتآمرين والخونة والعملاء.

خريطة اليمن السياسية، قبل وبعد إتفاق الرياض، مختلفة كلياً، فكان المجتمع الدولي ينظر إليها، قبل إتفاق الرياض، فلا يفهم شيئاً، يرى صراعاً بين الشرعية اليمنية والإنقلابية الحوثية ويرى عزم التحالف العربي بقيادة السعودية لدعم الشرعية، لكنه لا يرى الحقيقة كاملة على أرض الواقع، فحين انطلقت عاصفة الحزم، بادر الجنوبيون إلى دعم تلك العاصفة الجريئة لقطع يد إيران في اليمن، وحماية حدود السعودية، ونجحوا بشكل ملحوظ، في تحرير معظم محافظات الجنوب من قبضة الحوثية الإرهابية، ما أثار ريبة حزب الإصلاح اليمني، وبعض قيادات الشرعية، الذي تربطهم علاقات وثيقة مع الحوثي، فبدأ النخر قوياً وسريعاً، مدعوماً من تركيا وإيران وقطر، لتفكيك التحالف العربي، والطعن في الإمارات العربية المتحدة، بكافة الوسائل، فأصبح الهجوم الداخلي، لا يتجه شمالاً لإنهاء الإنقلاب، بل يتجه جنوباً، بذريعة “الوحدة المقدسة” وأن الجنوبيين يسعون إلى فك الإرتباط، فصوّب الإخوان المتحالفين مع كل قوى الظلام بنادقهم إلى الجنوب، والذي ساهم بتضليل المجتمع الدولي والعربي وساهم بخلق فوضى جديدة غير مفهومة والتشويش على بوصلة الحرب، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فحين سلّم حزب الإصلاح ميليشيات الحوثي الإنقلابية، كافة المواقع المحررة مع الأسلحة والمعدات العسكرية، تكشّف للجميع أن ماكينة الإخوان التي تعمل بالتمويل الإيراني والتركي، هي التي تخلق تلك الفوضى وكانت تطيل متعمدة أمد الحرب.

على وقع ذلك، عاد الباحثون، إلى الملفات الأخيرة في اليمن، ملفات السنوات الخمس الماضية (2014-2019) والتي ساهمت بتحول جماعة الحوثي الإرهابية، إلى مكوّن سياسي وعسكري مستقل، يحظى بالدعم الإيراني والقطري، يتحرك نحو الجبهات، يهدد أمن السعودية، يحتل العاصمة صنعاء، ينشب أظافره في الموانىء والمؤسسات الحكومية، يزرع الألغام ويغتصب النساء ويجنّد الأطفال ثم يجلس على طاولة المفاوضات العالمية، كما حدث في استوكهولم برعاية الأمم المتحدة، يفاوض على دماء أطفال اليمن وعلى استقراره وأمنه..!

يمكن القول أن إتفاق الرياض، قد أعاد رسم وتوضيح الخارطة اليمنية، سياسياً وجغرافياً، فظهر المجلس الإنتقال الجنوبي، الذي أنشىء قبل عامين، ممثلاً لأطياف الجنوب كافة، وظهرت الشرعية اليمنية، لكن طفى إلى السطح أيضاً، المنشقون عن الشرعية فرادى وجماعات، سواء قيادات الإصلاح أو بعض الوزراء كأحمد الميسري وزير الداخلية وصالح الجبواني وزير النقل، وبعض الأسماء التي ظهرت في منتدى بروكسل، التي إدعت أنها تمثل الجنوب، لكنهم في حقيقة الأمر يمثلون الطابور الخامس، الذي يعمل مع الشرعية والحوثي وإيران وتركيا وقطر، في آن واحد، وبهدف يعلمه الجميع وهو تفتيت لحمة الجنوب والتشويش على إتفاق الرياض، آملاً في إفشاله.

بالطبع، فإن التأخر في تنفيذ بعض بنود إتفاق الرياض، خلال الشهرين الماضيين، سواء لأسباب لوجستية، من وجهة نظر التحالف، تتعلق بإعادة تموضع القوات الأمنية والعسكرية، أو لأسباب أخرى، تتعلق بمحاولات الإصلاح اليمني الأخيرة في استخدام تقية الجيش للضرب في القوات الجنوبية، وبهدف الطعن في نوايا المجلس الإنتقالي، وإظهار الجنوبيين يخترقون إتفاق الرياض، قد جعل اليأس يتسرب إلى اليمنيين، وخاصة الجنوبيين، فظنّوا أن إتفاق الرياض سيفشل فعلاً، لكن ذلك لايبدو منطقياً، لأن التحالف العربي بقيادة السعودية، لم يقرر فقط إنجاح الإتفاق، بل قرر إنجاح مشروع السلام الشامل في اليمن، سلماً أم حرباً، وسيشهد العام 2020، تحقيق ذلك الهدف الكبير،بالصبر الجميل.

نورا المطيري

روائية وباحثة سياسية عربية

شاهد أيضاً

عماد شريتح

ماذا تبقى من الاقتصاد لنا كسوريين؟!

صديقي (هاينز) لم يصدق أبداً إن إحدى الصور التي طبعتها من الانترنت حقيقية، والتي تظهر …

3 تعليقات

  1. صبري الخلاعي

    نورا المطيري تروي مايحصل بالمختصر المفيد وكلنا امل في ان يكون العام 20 هو عام رد الحقوق لأهلها نعم للتحالف نعم للجنوب لا للحوثي ولا للإخوان

  2. نور المطيري شكرا لك على هذا المقال لاكثر من رائع،،،وكنت اود ان توضحي المعاناه التي تعرض لها شعب الجنوب من بعد صيف94من ذلك ممارسة سياسه الاذلال، ،،والتفقير والتهميش والاخفائات القسريه وجرائم الاباده الجماعيه وسوى ضروب المعاملات، ،،واستخدام القوه المفرطه الممييته بالذخيره الحيه ضد التظاهرات السلميه، ،،،للحراك الجنوبي السلمي، حتى ضهور المجلس الانتقالي

  3. أبناء الجنوب العربي

    مقال اكثر من رائع وقد شخّصت الكاتبة الحالة اليمنية بشكل دقيق جداً لم يسبق له مثيل ، ويفترض ان يكون هذا المقال هو التقرير الذي يرفعه المبعوث الدولي لليمن مارتن جرفث الى مجلس الامن الدولي إن ارادو تشخيص حقيقي وواقعي للمعضلة اليمنية .
    كاتبة رائعة جداً وعلى دراية كاملة ودقيقة لكل تفاصيل المشهد اليمني بحذافيره ، وقد اظهرت الحقائق التي لايريد الكثير اظهارها في المعظلة اليمنية . في هذا المقال يكمن مفتاح الحل الوحيد في اليمن .
    شكراً بحجم السماء للكاتبه العربية نورا المطيري وشكراً للصحيفة .

أترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: