عبد العزيز مطر
عبد العزيز مطر

اللجنة الدستورية .. قناع المصالح الدولية الجديد

لم تكن الأصوات التي أنطلقت في شوارع وأزقة العاصمة السورية دمشق المطالبة بالحرية والتغيير هي مجرد صدفة عابرة أو صرخات ألم آني، وإنما تعبير عميق عن رفض الواقع الذي عايشه السوريين لمدة عقود وجثم على صدورهم وحوّل البلد والسوريين إلى رهينة في أيدي السلطة الإستبدادية الحاكمة والذي زاد من تغولها وفسادها صمت المجتمع الدولي لعقود عما يحدث في سوريا، والشعارات التي رفعتها تلك السلطة والتي حولت كل صوت يرفع شعار الحرية والديمقراطيه والعدل والمساواة إلى عدو لها تحاول سحقه بكل الأدوات الممكنة التي تملكها تلك السلطة، فالشعب الذي خرج بكل مكوناته مطلع عام ٢٠١١ رافضاً كل أشكال القمع والإستبداد الذي استمر لعقود و طامحاً لتغيير ذلك الواقع وليس لتغيير الدستور.

فالدستور الذي يعتبر الشكل الأساسي لتنظيم العلاقة بين المواطن والدولة والصيغه الأساسية لنظم التعايش في سوريا لم يكن تغيره وتعديله أو المساس به حاجة ضرورية للشعب السوري دفعته ..للنزول لشوارع المدن السوريه مطالباً بالحريه
-ذلك الدستور الذي لم يطبّق منه مايكفي لتلبية طموحات الشعب وأصبح مجرد أداة او مطية في أيدي السلطة الحاكمة تستأثر من خلاله بالصلاحيات الممنوحه فيه لتلك السلطة بدون تطبيق اي شيء من واجبات تلك السلطه تجاه الشعب السوري التي يقرها الدستور وتكفل حقوق المواطنين السوريين على إختلاف تنوعهم الإثني والعرقي ,لم تكن المعضلة في الدستور بالنسبه للشعب السوري وانما في عدم تطبيق الدستور وتجاوزه من قبل السلطه الحاكمه .. ولذلك أتت ولادة مايسمى اللجنه الدستورية ككائن مشوه منذ البداية لعدة عوامل أبرزها :

طبيعة الهدف الذي أنشأت من أجله اللجنه ..
فالهدف هو تعديل الدستور أو إقرار دستور, وفي كلتا الحالتين لم يكن ذلك الهدف هو طموح الشعب السوري الذي ضحى بمئات آلاف الشهداء لنيل حريته وحقوقه لينتهي ذلك ..الطموح وتلك التضحيات وتلك الآلام على صورة لجنه تطالب بتعديل بند هنا أو آخر هناك يعتبر تفصيلاً صغيراً جداً إذا ماقورن بما قدمه الشعب السوري على مر العقود الماضيه وماتحمله من آلام وكبت وصراع مرير نجم عن مئات آلاف الضحايا من أبناء سوريا

أما العامل الثاني هي ظروف تشكيل اللجنة الدستورية
فتشكيلها أتى بغياب أي قرار للسوريين وبتوافق الدول الفاعلة صاحبة النفوذ على أرض الوطن السوري أي غابت عن تلك اللجنة الصفة الوطنيه في ظروف تشكيلها حيث بات المشاركين فيها يمثلون المصالح الدوليه والإقليميه فما هو معروف ومعتاد وحسب الأعراف الدوليه في كل بلدان العالم يتم انتخاب اللجان الدستورية من قبل هيئة سياسيه منتخبه من الشعب كجمعيه وطنيه أو برلمان أو ماشابه حيث يتم من خلال هذه الهيئات السياسيه الرسميه الشعبية الوطنيه تكليف لجان أو انتخاب لجان لمناقشة الدستور أو تعديله ويتم إقرار الدستور أو تعديله بعد عرضه على إستفتاء شعبي وجميع هذه المتطلبات غير متوفره حالياً بفعل مايحدث فلا يتواجد حالياً برلمان شعبي أو هيئة سياسية تمثل الشعب السوري وإنما هناك مؤسسة يهمن عليها استبداد السلطه الحاكمة أو مؤسسات سياسيه معارضه تهيمن عليها المصالح الدولية وبالتالي لايمكن إطلاق صفة التمثيل الوطني الشعبي على هذه اللجنة, وفي حال تم اقرار الدستور أو تعديله بعد زمن طويل من الخوض والسباحة في بحر التفاصيل .

ماهي آليات عرضه على إستفتاء شعبي ؟
أيضا لاتتوفر هذه الآليات ..وهذا مايجعل تلك اللجنة فاقدة لكل شرعيه حتى تعتبر فاقدة لموجبات وجودها أساساً  ولكن مايبعث على القلق في هذه اللجنة والهدف منها هو محاولة الإلتفاف على القرار الدولي 2254 ومحاولة إختصار مافيه بمصطلح اللجنة الدستورية الذي سعى من أوجدها لإجهاظ محتويات هذا القرار وخاصة البند المتعلق بتشكيل هيئة الحكم الإنتقالي الذي من المفترض أن يكون الدستور ومتعلقاته من لجنة صياغة او تعديل الدستور أحد واجبات هيئة الحكم الانتقالي عن طريق تهيئة المناخ اللازم لهذا الطرح إختصار المشهد والحل السياسي في سوريا والبدء فيه بلجنة لاتمثل طموح السوريين، لن يكون الطريق السليم والأجدى للوصول لنتائج إيجابية مأمولة في الوقت القريب على صعيد إنهاء الكارثة الإنسانية ومحاولة الأطراف الفاعله ملئ الفراغ في ظل غياب القرار بإيجاد حل سياسي يلبي طموح السوريين عن طريق هذه اللجنة وتفاصيلها من أجل إستكمال هيمنة المصالح الدوليه على الأرض السورية ومقدراتها سيطيل أمد الكارثة.

ويضاف إلى ذلك العبثية السياسية التي تمارسها أطراف المعارضة السورية عن طريق مشاركتها في تلك المتاهة السياسية التي لاتجدي أي نفع ولايرجى منها شيء يمكن تقديمه للشعب السوري بعد كل المآسي التي تعرّض لها سيجعل من تلك اللجنة حصان طرواده الذي من خلاله يمكن فك الطوق عن كتلة الاستبداد والادعاء أنه يشارك في عملية سياسية لايعترف بها أساساً، فأكثر مايؤرق تلك الكتلة المستبدة الحاكمه هو كيفية التنصل من التزامها بالاعتراف بالقرار 2254 وإقرار المجتمع الدولي بأن هذا القرار هو خارطة الطريق لحل القضية السورية، الأمر الذي جعل السلطة الحاكمة المستبده في سوريا ترحب بهذه اللجنة كونها طوق النجاة الذي ألقي لها، ولم تكن تلك اللجنة إلا استكمالاً لمحاولات الإلتفاف على القرارات الدولية ذات الصلة بخصوص الملف السوري وتداعياته عن طريق الإتفاقيات واللقاءات خارج إطار القرار الدولي ومسار جنيف، الذي يعتبر هو الضامن الحقيقي المتبقي لإقرار وتحقيق مايرغب به الشعب السوري في إعادة بناء الدولة التي تقوم على مبادئ العدل والحرية والكرامة والديمقراطية، تلك الطموحات التي إذا ماتم تحقيقها هي الطريق الوحيد لعودة السوريين لنسيجهم المتجانس وهي الضمانة الحقيقية لأطياف الشعب السوري التي تكفل لهم إعادة البناء والإعمار على صعيد الوطن والإنسان السوري مجتمعياً وأخلاقياً وحضارياً وإقتصادياً، لتعود سوريا كما كانت لآلاف السنين حاضرة الشرق ولؤلؤته الفريده بكل شيء.

شاهد أيضاً

أنمار نزار الدروبي

مقتدى الصدر والإرهاب السياسي.. جدلية الدين والسياسة والعنف

اضطراب الحركة الجدلية الثلاثية لدى السيد الصدر، بمعنى، كيف تختلط الأوراق لديه فيتحول من رجل …

أترك رد