(الكُرسي مُقابل الكُردي).. المُعادلة التي توازن علاقة دمشق وأنقرة!

(الكُرسي مُقابل الكُردي).. المُعادلة التي توازن علاقة دمشق وأنقرة!
(الكُرسي مُقابل الكُردي).. المُعادلة التي توازن علاقة دمشق وأنقرة!

أعلنت المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة النظام السوري بثينة شعبان أن النظام يدرس إمكانية رفع دعوى دولية ضد الولايات المتحدة لأنها تنهب النفط السوري، وقالت إن معركة إدلب بدأت والطيران الروسي يدعم قوات النظام، موضحة أن المعركة تتوقف أو تستمر بالاستناد إلى الموقف العسكري، وليس لها علاقة بما يجري في ليبيا.

موقفٌ كان سيبدو وطنياً أو ربما سيادياً، لو أنه تعامل بالمثل مع ما تقوم به تركيا التي تسوح جيئة وذاهباً على الأرض السورية شمال البلاد، دون حسيب أو رقيب، رغم تنفيذها ثلاث عمليات عسكرية واسعة، علماً أن الإدعاء الرسمي للنظام يوصم الوجود التركي بصفة “الاحتلال”، لكنه في الوقت ذاته لم يكلف خاطره لتحريك الملف بطلب رسمي كمُمثل عن “الجمهورية العربية السورية” التي تتمتع بالتمثيل في المؤسسات الدولية ذات الصلة، كمجلس الأمن والأمم المتحدة، فلم يبدي أعتراضاً رسمياً على الوجود التركي حتى الساعة، ولم يطالب بانسحابه إسوة بالأمريكي في شرق الفرات، بشكل رسمي، إذ اقتصر رده على مناكفات وردود إعلامية وبيانات للخارجية لا قيمة قانونية لها.

طلب الود التركي..

فمع بدء الهجوم التركي على شمال سوريا، والذي سمع بـ “نبع السلام” في التاسع من أكتوبر الماضي، وبدلاً من اتخاذه موقفً وطنياً كان قد يحسب له، من خلال رفض الهجوم والقيام بالإجراءات المتعلقة بالقانون الدولي، كتقديم شكوى رسمية لمجلس الأمن، والمطالبة كدولة وطنية بوقف الهجوم العسكري على شعبها، صرّح فيصل المقداد، في العاشر من أكتوبر، بأن “دمشق لا يمكن أن تتحاور مع تلك القوى لا بمنطق انفصالي ولا بمنطق أنهم أصبحوا قوة على أرض الواقع تفرض نفسها بفعل الغزو التركي، وبفعل الدعم الأمريكي، الذي تم توفيره لها بعد أن ارتمت هذه القوى على حساب مصالحها الوطنية وعلى حساب الوطن السوري”.

موقفٌ وإن جاء ليبحث للنظام عما يبرر له تخاذله أمام الهجوم التركي، عبر إلقاء اللوم على قوات سوريا الديمقراطية بحجة علاقتها مع أمريكا، لكنه حاول مجدداً إخفاء حقيقة تنسيق النظامين في دمشق وأنقرة، عبر الوسيط الروسي، بغية الضغط على الأكراد السوريين، لمنعهم من تحقيق الحكم الذاتي مع باقي مكونات المنطقة، ضمن ما يعرف بـ “الإدارة الذاتية”.

فنظام دمشق يدرك حساسية القضية الكردية لأنقرة، ويبدو أنه قد تمكن من استغلالها شر استغلال، عبر عقد صفقات ما، يضمن من خلالها بقائه على كرسي الحكم، مقابل رفض النظام التوصل إلى اتفاق سياسي مع الكُرد السوريين، لأن ذلك كان سيقطع الطريق على تركيا ومبررها بوجود قوى انفصالية تسعى لإنشاء كيان مستقل (وفق الزعم التركي) شمال سوريا، وعليه، عزف المقداد على اللحن التركي، لتكمل النغمة بسيطرة تركيا على ما تعتبرها منطقتها الآمنة بين مدينتي “رأس العين\سريه كانيه” وتل أبيض.

اتصالات مستمرة..

 وفي سياق التناغم التركي مع النظام السوري، القائم على مُعادلة (الكرسي مُقابل الكُردي)، والتي ذكرت آنفاً، كشفت روسيا في الخامس عشر من أكتوبر، أن حكومتي النظام السوري وتركيا تخوضان حواراً ومحادثات مستمرة، مؤكدة أنه سيتم منع وقوع أي اشتباك بين الطرفين، وأشار المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف، في تصريح صحفي، إلى وجود “حوار مستمر” بين سوريا وتركيا، وأوضح في هذا السياق أن الاتصالات جارية “عبر قنوات وزارات الدفاع والخارجية والاستخبارات”.

الأسد يعزف نغم أردوغان..

وفي الحادي عشر من نوفمبر الماضي، عزف رئيس النظام السوري بشار الأسد على النغم الذي يطيب لأردوغان سماعه، فهاجم الكُرد السوريين واعتبرهم عملاء، مؤكداً أنه يريد أن تعود الأوضاع في مناطق شمال وشرق سوريا إلى ما كانت عليه قبل عام 2011، حيث أجرت قناة “آر تي انترناشيونال ورلد” الروسية، مقابلة معه، أشار خلالها أن هناك لقاءات مع تركيا على مستوى الأمن وبمشاركة روسية، وأضاف قائلاً: “لنقل إننا في مرحلة انتقالية، لأنهم سيحتفظون بأسلحتهم الآن (إشارة إلى قسد)، لكننا دعوناهم للانضمام إلى الجيش السوري. بعضهم رفض، لكن في الأيام القليلة الماضية قال بعضهم إنهم مستعدون للانضمام إلى الجيش السوري، وبالتالي، لا نعرف حتى الآن ماذا سيحدث، إلا أننا دعوناهم للانضمام إلى الجيش كي نعود إلى الوضع الطبيعي الذي كان سائداً قبل الحرب…”.

تنسيق عسكري..

ولا يبدو أن الأمر يقتصر على التنسيق السياسي، بل وصل إلى التنسيق العسكري، حيث حدث أن أفرجت تركيا عن 18 عنصراً لقوات النظام، كانت مليشيات الجيش الوطني قد ألقت القبض عليهم خلال عملية نبع السلام، حيث أعادتهم تركيا إلى روسيا، ليصلوا بأمان إلى أحضان النظام، وهي سابقة لم تحدث مثلاً مع مقاتلي قسد، الذين ظهرت مقاطع عديدة صورها مسلحو الجيش الوطني لتعذيبهم والتنكيل بهم، وتصفيتهم ميدانياً، ولعل حادثة تصفية السياسية الكردية السورية هفرين خلف ماثلة أمام الأعين بجدارة.

وفي السياق، حاصرت قوات النظام السوري خلال الأسبوع الجاري، نقطة مراقبة تركية في بلدة الصرمان في جنوب شرق محافظة إدلب بعدما حققت تقدماً ميدانياً خلال الأيام القليلة الماضية، لكن اللافت أن تلك النقطة كانت نقطة المراقبة التركية الثانية التي تحاصرها قوات النظام في المنطقة، إذ حوصرت الأخيرة في آب/أغسطس خلال هجوم عسكري نقطة المراقبة التركية في بلدة مورك الواقعة بمحاذاة إدلب في ريف حماة الشمالي، حيث أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان إنه لا تزال “القوات التركية متواجدة في تلك النقطة، التي تُعد الأكبر بين 12 نقطة مراقبة تركية تنتشر في المنطقة” دون أن يمسسها سوء!

إقرار رسمي..

وفي الرابع والعشرين من ديسمبر الجاري، كشف وزير خارجية النظام السوري، وليد المعلم، أن اجتماعات عقدت بين الجانبين السوري والتركي، وقال المعلم في حوار مع قناة RT الروسية إن اجتماعات عُقدت في السابق مع تركيا لكنها لم تكن مجدية، وأشار إلى أن دمشق ليست مهتمة بعقد اجتماعات مع الجانب التركي لا تؤدي إلى إنهاء الاحتلال التركي لأراض في سوريا (وفق زعمه).

إدلب والضوء الأخضر التركي..

وفي سياق التنسيق المشترك بين الجانبين ف دمشق وأنقرة، قال خبير مجلس الشؤون الدولية الروسي كيريل سيمينوف لصحيفة كوميرسانت الروسية في الرابع والعشرين من ديسمبر: “لا أعتقد أن دمشق كانت ستشن هجوماً على إدلب إذا لم يتم الاتفاق عليه بين موسكو وأنقرة، حيث تم وضع خطة لدمشق للسيطرة تدريجياً على إدلب خلال محادثات أستانا عندما تم إنشاء مناطق حفض التصعيد في المنطقة، ومع ذلك  قد يُسرّع الأتراك أو يُبطئون العملية من أجل الحصول على شروط أفضل في المستقبل”.

جاء ذلك الحديث بالتزامن مع وصول وفدين أحدهما تركي وآخر للنظام السوري إلى العاصمة الروسية موسكو في الثالث والعشرين من ديسمبر، حيث يبدو أن اللقاءات التي كانت تعقد سابقاً بوساطة روسية، ربما قد تحولت إلى مباشرة على الأرض الروسية، وبحسب الصحيفة الروسية فإن جميع الأطراف اتفقت على أن النظام سيسيطر على إدلب وأن بعض التفاصيل فقط ما زالت موضع خلاف.

إلى أين؟

ويبدو أن ما يهم الجانب التركي في سوريا هي قضية الكُرد السوريين، وكيفية منعهم من استحواذ أي حقوق قومية بشكل دستوري في مستقبل البلاد، وضمان عدم الحصول على الحكم الذاتي، التي يبدو أن النظام قد قدم ضمانات عليها، ليحصل إثرها على ضوء أخضر للسيطرة على إدلب، كما يمكن التخمين بأن نقل اللاجئين السوريين والعائلات التي تغادر إدلب حالياً، إلى ما تسمى المنطقة الآمنة، جزءاً من الصفقة، إضافة إلى تخليص النظام من مسلحي المليشيات السورية التابعة لتركيا، التي تتحدث التقارير عن إرسالهم إلى ليبيا، وهي معركة لن يعودوا منها غالباً.

ليفانت-خاص

متابعة وإعداد: أحمد قطمة