الإخوان المسلمون في ليبيا.. بؤس الأيدولوجيا وشقاء السياسة والحرب

الإخوان المسلمون في ليبيا بؤس الأيدولوجيا وشقاء السياسة الحرب
الإخوان المسلمون في ليبيا.. بؤس الأيدولوجيا وشقاء السياسة الحرب

خاص ليفانتكريم شفيق

تكاد الخبرة التاريخية والسياسية التي تفرض ملامحها وخصوصيتها، على الواقع المحلي الليبي، وكذا، تنظيماته السياسية، من الناحيتين النظرية والعملية، أن تشكل حيزاً مستقلاً لها عن غيرها من البلدان الأخرى، في شمال إفريقيا، لا سيما فيما يتصل بتجربة الإخوان المسلمين، منذ ظهورها في مصر، في العقد الثاني من القرن الماضي؛ حيث تنفرد عن مثيلاتها من التنظيمات القطرية، في تونس واليمن وسوريا، ببعض الخصائص المميزة بليبيا؛ ومن بينها الحالة القبلية التي تعيش تحت وطأتها، بينما تتحكم الصراعات الجهوية والتباينات المناطقية، في مساراتها السياسية ومآلاتها العديدة.

إذ أن تلك الحالة المتشظية والقلقة التي تتسم باللاستقرار، على مستوى البنية الاجتماعية المترددة، قد أثرت، بصورة مباشرة، في تنظيم الإخوان بليبيا، وذلك على مستوى نشاطها التنظيمي والمناطقي، ومن ثم، انتشارها، كما أضعفت من تماسك هياكلها، ناهيك عما رافقها من ملاحقات أمنية تقليدية، ساهمت في انكماشها ومحدودوية تأثيرها.

نالت ليبيا استقلالها من الاستعمار الإيطالي، إبان الحرب العالمية الثانية، بينما أعلنت الملكية الدستورية، بقيادة الملك إدريس، في ظل تحولات إقليمية وعالمية جمة، كانت تنذر في جانب مهم منها بتغييرات سياسية عميقة، وانتقال لاعبين جدد لملء الفراغ في مساحات الجغرافيا السياسية، التي بدأت تتشكل من جديد، في الفترة ما بعد الكولونيالية.

بيد أن العقيد معمر القذافي الذي وصل للحكم، في العام 1969، وأعلن نموذجاً للحكم ينهل من الفكر الاشتراكي، بنسخة عربية “إسلامية”، كان الإخوان قد سبقوه في الانتشار، وتأسيس تنظيمهم، بقيادة عز الدين ابراهيم مصطفى، مؤسس التنظيم في ليبيا، وأحد قيادات الإخوان من المصريين، الذي تمكن من الهرب عبر الصحراء إلى ليبيا، وطلب اللجوء من الملك إدريس السنوسي، أثناء أحد صدامات الجماعة مع حكومة الملك فاروق، كما يعد من بين المتورطين في حادث المنشية الشهير، العام 1954، واعتقل في السجن الحربي، خلال فترة الحكم الناصري.

إذاً، أسس القيادي الإخواني المصري أول فرع للجماعة في ليبيا، وتوفرت لهم أحد الملاذات الآمنة لتجديد نشاطهم الدعوي والتنظيمي، وتعبئة أفراد جدد للتنظيم في بيئة جديدة؛ إذ سمح لهم السنوسي بالحرية في العمل والدعوة، بصورة مكنتهم من جذب عناصر محلية، لكن القذافي الذي سبقه الإخوان إلى ليبيا، قبلها بنحو عقدين تقريباً، ما لبث أن قام بترحيل بعضهم إلى مصر، واعتقال بعضهم الآخر، بينما انحسرت الجماعة في ليبيا حتى سبعينات القرن الماضي.

عمد القذافي إلى تأميم الصراع، واحتمالات حدوثه، وتجميد مصادره، والذي كان من بينها الإخوان، كما لعب على الانقسامات القبلية والصراعات الجهوية، لاستمرار جاذبية حكمه وشرعيته. لذا، كانت ولادة الإخوان، في بنغازي، التي تعد إحدى المناطق المهمشة، حيث تمكنت من تعبئة بعض أبناء القبائل، واستثمار ما تعانيه من شرخ اجتماعي، وعليه دأب الإخوان على الانخراط ضمن الدوائر الإسلامية المعارضة، ضد الفكر الاشتراكي، ونموذج الحكم الذي وصفوه بـ”العلماني”، سواء في مصر أو في ليبيا.

 ومن ثم، انشطرت ليبيا، منذ وصول القذافي إلى الحكم إلى قبائل ومناطق متباينة، وبينهم مسافات بينية شاسعة، في مسألة تعاطيها مع النظام، فبعضها مؤيد له، كمثل قبيلتي “القذاذفة” و”المقارحة”، ومعها مناطق مثل: سرت والعجيلات، بينما انتقلت المعارضة لتتركز في قبائل أخرى، تقف على النقيض تماماً، مثل قبيلتي: “الزنتان” و”التبو”، وفي مناطق مثل: “درنة” و”مصراته” و”بنغازي”، والأخيرة، هي ذاتها المدن التي مازالت تعيش تحت وطأة الحرب الأهلية، وتعاني من انسداد الحل السياسي، في ظل سيطرة الميلشيات ذات الطابع الإسلامي، المدعومة من أنقرة والدوحة، منذ الفترة التي تلت انتفاضة 17 فبراير (شباط) 2011، وحتى الآن.

وبصورة مبكرة، انخرط أفراد الإخوان تحت وطأة الانحسار الأمني، والقبضة المتشددة، خلال حكم القذافي، في الجماعات الإسلامية الجهادية، ممثلة في ما يعرف بـ”الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا”، و”الجماعة الإسلامية المقاتلة”، والتي تورطت معها الجماعة في أعمال عنف واغتيالات، حاولت التبرؤ منها، والنأي بنفسها عن تاريخها الدموي، لكنها اعترفت بالأمر في نهاية المطاف، حسبما يوضح أحد أبرز مفكريها، محمد الناكوع، في كتابه: “الحركات الإسلامية الحديثة في ليبيا”.

في فترة أفول عقد التسعينات، دشنت مرحلة أو بالأحرى محطة جديدة بين الإخوان ونظام القذافي، حيث عادت الجماعة إلى الحياة السياسية والاجتماعية، عبر الحوار مع النظام، بواسطة سيف الإسلام، والذي يعد مهندس عمليات المصالحة والحوار بين الطرفين، في فترات تاريخية متفاوتة، الأمر الذي ساهم في انفراجة بعد الحملة القوية التي تعرضت لها الجماعة، منتصف الثمانينات، وتعرض العديد من أعضائهم للإعدام والاعتقال والنفي.

ويلفت موقف الجماعة من النظام الليبي، منهجهاً البراغماتي، والذي يحكم عقلها السياسي، ويحدد آلياتها المراوغة، بينما ينعكس ذلك في تهافتها على الحوار والمصالحة معه، في مقابل اقتسام السلطة، والاستحواذ على حصة منها، الأمر الذي يترتب عليه، تغيير تام وجذري في أدبياتها، وخطابها السياسي تجاه النظام، الذي ينتقل من النقيض إلى النقيض.

وعلى إثر ذلك، تبدلت صفة العقيد القذافي من “الطاغوت” و”الزنديق” إلى “الأخ قائد الثورة، وتغير الحكم “الشرعي”، بحسب آرائهم الدينية الانتهازية، من الكفر وضرورة الخروج عليه، والثورة ضده، إلى اعتباره “ولي الأمر الشرعي” الذي لا يجوز التمرد ضده.

الأمر ذاته، حدث مع تبعات انتفاضة 17 شباط (فبراير) 2011، والتي عكست مواقف متباينة للجماعة، بل ومتناقضة أيضاً، فمثلما كانت تلمع الكعكة الحجرية في عيونهم بمصر، ظلت كعكة السلطة الذهبية تراوغهم، وتربك حساباتهم، وتضعهم في ميزان حساس يعري تناقضاتهم؛ إذ بعد مشروع المصالحة الذي قاده القيادي في الجماعة، مصطفى الصلابي مع سيف الإسلام، وظفروا بعدها بمجموعة من المناصب في الحكومة، والمؤسسات التابعة للقذافي، بالإضافة إلى لإفراج عن المعتقلين، جاءت إغراءات “الانتفاضة” تنقلهم بخفة ونعومة، من موقف إلى آخر نقيضه.

وعليه، عاود القذافي مربع “الكفر” في خطابهم السياسي، فضلاً عن اعتباره حاكماً “غير شرعي”، وبعد شهر واحد من اندلاع الأحداث أخذوا فيها موقفاً حيادياً، عمدوا إلى تشكيل الميلشيات العسكرية، واستدعاء التدخل الخارجي.

“لو شهد الرسول حلف الناتو لبادر إليه”. كانت تلك الجملة المقتضبة، التي وردت ضمن خطبة للشيخ ونيس مبروك، أحد قيادات الإخوان، في مدينة بنغازي، تعكس ذروة التوظيف السياسي للدين لدى الإخوان في الحالة الليبية، في حالته القصوى، وبصورة انتهازية، التي لا تحتاج ثمة تأويل، إذ تفصح الجملة في معناها الواضح، وصيغتها المباشرة عن هويتها ودورها الوظيفي، في منح المبرر والشرعية لتدخل “الناتو”، بغية إسقاط القذافي، لطالما ستظفر الجماعة بعدها بالسلطة، مهما كانت كلفة الأمر.

في الشهر ذاته، الذي صرّح فيه الإخوان بمواقفهم تجاه الانتفاضة، ومن ثم، انخراطهم في أحداثها بعد فترة من الحياد والتردد، حدث تدخل الناتو، حيث وقع القصف في 19 آذار (مارس) 2011، عندما نجحت قوات القذافي في الوصول بالقرب من بنغازي، فصدر قرار مجلس الأمن رقم 1973.

كما أنه مع حصار كتائب القذافي لمدينة مصراته، التي تعد أحد مراكز ومعاقل الإسلاميين، غرب ليبيا، استعان الإخوان بتركيا، وروجوا لسردية تاريخية تقليدية، حول الأصول التركية لمصراته، في محاولة لبعث الميراث العثماني، بشقيه العرقي والديني، على طريقة الرئيس التركي، أردوغان، لاستعادة أحلام “الخلافة” والسيطرة الإقليمية، مجدداً، لتوغلهم في المنطقة، وعليه، لم يدع الإخوان وسيلة أو حيلة لإسقاط القذافي والسيطرة على السلطة إلا وتحروا تنفيذها.

وفي ما يتصل بالدور الإقليمي، ثمة دور قطري وسوداني آخرين، لا ينفيه عناصرهم المحليون، كما اعترف البشير وأمير قطر بدعمهما للإسلاميين، لدرجة أن فرنسا صرّحت، بشكل رسمي، برفضها للدعم القطري تجاه الميلشيات الإسلامية، وعلى وجه التحديد، مجموعة بلحاج.

وفي مؤتمر لأصدقاء ليبيا، عقد في باريس، سبتمبر (أيلول) 2011، شارك في مؤتمره الصحافي، نيكولا ساركوزي، وديفيد كاميرون، والشيخ حمد بن خليفة، ومحمود جبريل، والأخير، تولى منصب رئيس الحكومة الليبي، بعد سقوط القذافي، يوضح الكاتب الصحافي، غسان شربل، في حوار أجراه معه، على صفحات جريدة الحياة اللندنية، أنه خلال هذا المؤتمر الدولي، عندما سأله (يقصد محمود جبريل) أحد الصحافيين الأجانب بعد المؤتمر، عن الأسلحة المنتشرة في ليبيا، خاصة، وقد سقط النظام، فأجاب عليه رئيس الحكومة الليبي السابق: “قلت أن لدينا خطة لاستقرار طرابلس، ولجمع الأسلحة وشرائها، لكن قاطعني أمير قطر أمام الجميع، وقال: الثوار لا يلقون السلاح أبداً، الثوار هم الذين لديهم الشرعية. وكان ذلك طبعاً محرجاً وغريباً”.

ومن جانبه، يوضح الكاتب والباحث السوداني، المتخصص في قضايا الإسلام السياسي، محمد جميل أحمد لـ جريدة ليفانت “أن ثمة انسداد نظري في خطاب الإخوان المسلمين السياسي، وتتماثل الحالة ذاتها مع مجمل حركات الإسلام السياسي، والاختلاف بينهم في الدرجة وليس النوع”.

ويضيف: “الوضع السياسي للإخوان المسلمين في ليبيا يعكس تعبيراً حرجاً عن ذلك الانسداد المذكور آنفاً. وإذا كانت الهوية الانشقاقية بمثابة متلازمة ضرورية في أشكال الانقسام التي تقترن باضطراد في تلك الحالات الدولتية المأزومة، التي تعكسها تجارب حكم الإسلام السياسي، فلن يكون الحال أحسن في ليبيا؛ ففي ليبيا تنشأ تعقيدات مضافة لإرباك مجال العمل السياسي للإخوان المأزوم في بنيته السياسية أصلاً.

وهي تعقيدات تشتبك مع ما خلفه نظام القذافي من تشويه للمجال السياسي، حسبما يوضح جميل أحمد، وتصفية الناشطين فيه ــ إبان حكم العقيد ــ كما تنعكس في الواقع الصراعي الذي نتج عن إجهاض ثورة 2011، عبر دوامة الصراع الأهلي الذي كان بدوره تعبيراً عن الفراغ السياسي الذي ورثه الليبيون عن حقبة القذافي.

ويختتم: “تماهي خطاب الإخوان في نزعته الطائفية المستترة، مع الهويات القبلية والمناطقية في ليبيا، إنما يلعب دوراً في إدارة التناقضات، لكنه لا ينجو من أن يكون أسيراً لها في الوقت نفسه. كما أن الهوية العابرة للأوطان في صلب الفكرة الإخوانية ستكون خصماً لفكرة الوطن المشوشة أصلاً في صراع الفرقاء السياسيين في ليبيا، لكنها (أي الهوية العابرة للأوطان في خطاب الإخوان)، وفي ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده ليبيا، أصبحت أكثر  تعبيراً عن التفريط بالهوية الوطنية، فيما نراه واضحاً اليوم من تدخلات تركيا والاتفاقيات التي تعقدها حكومة السراج في طرابلس مع حكومة أردوغان، لاسيما في التقارب الراهن.        

خاص ليفانتكريم شفيق

تكاد الخبرة التاريخية والسياسية التي تفرض ملامحها وخصوصيتها، على الواقع المحلي الليبي، وكذا، تنظيماته السياسية، من الناحيتين النظرية والعملية، أن تشكل حيزاً مستقلاً لها عن غيرها من البلدان الأخرى، في شمال إفريقيا، لا سيما فيما يتصل بتجربة الإخوان المسلمين، منذ ظهورها في مصر، في العقد الثاني من القرن الماضي؛ حيث تنفرد عن مثيلاتها من التنظيمات القطرية، في تونس واليمن وسوريا، ببعض الخصائص المميزة بليبيا؛ ومن بينها الحالة القبلية التي تعيش تحت وطأتها، بينما تتحكم الصراعات الجهوية والتباينات المناطقية، في مساراتها السياسية ومآلاتها العديدة.

إذ أن تلك الحالة المتشظية والقلقة التي تتسم باللاستقرار، على مستوى البنية الاجتماعية المترددة، قد أثرت، بصورة مباشرة، في تنظيم الإخوان بليبيا، وذلك على مستوى نشاطها التنظيمي والمناطقي، ومن ثم، انتشارها، كما أضعفت من تماسك هياكلها، ناهيك عما رافقها من ملاحقات أمنية تقليدية، ساهمت في انكماشها ومحدودوية تأثيرها.

نالت ليبيا استقلالها من الاستعمار الإيطالي، إبان الحرب العالمية الثانية، بينما أعلنت الملكية الدستورية، بقيادة الملك إدريس، في ظل تحولات إقليمية وعالمية جمة، كانت تنذر في جانب مهم منها بتغييرات سياسية عميقة، وانتقال لاعبين جدد لملء الفراغ في مساحات الجغرافيا السياسية، التي بدأت تتشكل من جديد، في الفترة ما بعد الكولونيالية.

بيد أن العقيد معمر القذافي الذي وصل للحكم، في العام 1969، وأعلن نموذجاً للحكم ينهل من الفكر الاشتراكي، بنسخة عربية “إسلامية”، كان الإخوان قد سبقوه في الانتشار، وتأسيس تنظيمهم، بقيادة عز الدين ابراهيم مصطفى، مؤسس التنظيم في ليبيا، وأحد قيادات الإخوان من المصريين، الذي تمكن من الهرب عبر الصحراء إلى ليبيا، وطلب اللجوء من الملك إدريس السنوسي، أثناء أحد صدامات الجماعة مع حكومة الملك فاروق، كما يعد من بين المتورطين في حادث المنشية الشهير، العام 1954، واعتقل في السجن الحربي، خلال فترة الحكم الناصري.

إذاً، أسس القيادي الإخواني المصري أول فرع للجماعة في ليبيا، وتوفرت لهم أحد الملاذات الآمنة لتجديد نشاطهم الدعوي والتنظيمي، وتعبئة أفراد جدد للتنظيم في بيئة جديدة؛ إذ سمح لهم السنوسي بالحرية في العمل والدعوة، بصورة مكنتهم من جذب عناصر محلية، لكن القذافي الذي سبقه الإخوان إلى ليبيا، قبلها بنحو عقدين تقريباً، ما لبث أن قام بترحيل بعضهم إلى مصر، واعتقال بعضهم الآخر، بينما انحسرت الجماعة في ليبيا حتى سبعينات القرن الماضي.

عمد القذافي إلى تأميم الصراع، واحتمالات حدوثه، وتجميد مصادره، والذي كان من بينها الإخوان، كما لعب على الانقسامات القبلية والصراعات الجهوية، لاستمرار جاذبية حكمه وشرعيته. لذا، كانت ولادة الإخوان، في بنغازي، التي تعد إحدى المناطق المهمشة، حيث تمكنت من تعبئة بعض أبناء القبائل، واستثمار ما تعانيه من شرخ اجتماعي، وعليه دأب الإخوان على الانخراط ضمن الدوائر الإسلامية المعارضة، ضد الفكر الاشتراكي، ونموذج الحكم الذي وصفوه بـ”العلماني”، سواء في مصر أو في ليبيا.

 ومن ثم، انشطرت ليبيا، منذ وصول القذافي إلى الحكم إلى قبائل ومناطق متباينة، وبينهم مسافات بينية شاسعة، في مسألة تعاطيها مع النظام، فبعضها مؤيد له، كمثل قبيلتي “القذاذفة” و”المقارحة”، ومعها مناطق مثل: سرت والعجيلات، بينما انتقلت المعارضة لتتركز في قبائل أخرى، تقف على النقيض تماماً، مثل قبيلتي: “الزنتان” و”التبو”، وفي مناطق مثل: “درنة” و”مصراته” و”بنغازي”، والأخيرة، هي ذاتها المدن التي مازالت تعيش تحت وطأة الحرب الأهلية، وتعاني من انسداد الحل السياسي، في ظل سيطرة الميلشيات ذات الطابع الإسلامي، المدعومة من أنقرة والدوحة، منذ الفترة التي تلت انتفاضة 17 فبراير (شباط) 2011، وحتى الآن.

وبصورة مبكرة، انخرط أفراد الإخوان تحت وطأة الانحسار الأمني، والقبضة المتشددة، خلال حكم القذافي، في الجماعات الإسلامية الجهادية، ممثلة في ما يعرف بـ”الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا”، و”الجماعة الإسلامية المقاتلة”، والتي تورطت معها الجماعة في أعمال عنف واغتيالات، حاولت التبرؤ منها، والنأي بنفسها عن تاريخها الدموي، لكنها اعترفت بالأمر في نهاية المطاف، حسبما يوضح أحد أبرز مفكريها، محمد الناكوع، في كتابه: “الحركات الإسلامية الحديثة في ليبيا”.

في فترة أفول عقد التسعينات، دشنت مرحلة أو بالأحرى محطة جديدة بين الإخوان ونظام القذافي، حيث عادت الجماعة إلى الحياة السياسية والاجتماعية، عبر الحوار مع النظام، بواسطة سيف الإسلام، والذي يعد مهندس عمليات المصالحة والحوار بين الطرفين، في فترات تاريخية متفاوتة، الأمر الذي ساهم في انفراجة بعد الحملة القوية التي تعرضت لها الجماعة، منتصف الثمانينات، وتعرض العديد من أعضائهم للإعدام والاعتقال والنفي.

ويلفت موقف الجماعة من النظام الليبي، منهجهاً البراغماتي، والذي يحكم عقلها السياسي، ويحدد آلياتها المراوغة، بينما ينعكس ذلك في تهافتها على الحوار والمصالحة معه، في مقابل اقتسام السلطة، والاستحواذ على حصة منها، الأمر الذي يترتب عليه، تغيير تام وجذري في أدبياتها، وخطابها السياسي تجاه النظام، الذي ينتقل من النقيض إلى النقيض.

وعلى إثر ذلك، تبدلت صفة العقيد القذافي من “الطاغوت” و”الزنديق” إلى “الأخ قائد الثورة، وتغير الحكم “الشرعي”، بحسب آرائهم الدينية الانتهازية، من الكفر وضرورة الخروج عليه، والثورة ضده، إلى اعتباره “ولي الأمر الشرعي” الذي لا يجوز التمرد ضده.

الأمر ذاته، حدث مع تبعات انتفاضة 17 شباط (فبراير) 2011، والتي عكست مواقف متباينة للجماعة، بل ومتناقضة أيضاً، فمثلما كانت تلمع الكعكة الحجرية في عيونهم بمصر، ظلت كعكة السلطة الذهبية تراوغهم، وتربك حساباتهم، وتضعهم في ميزان حساس يعري تناقضاتهم؛ إذ بعد مشروع المصالحة الذي قاده القيادي في الجماعة، مصطفى الصلابي مع سيف الإسلام، وظفروا بعدها بمجموعة من المناصب في الحكومة، والمؤسسات التابعة للقذافي، بالإضافة إلى لإفراج عن المعتقلين، جاءت إغراءات “الانتفاضة” تنقلهم بخفة ونعومة، من موقف إلى آخر نقيضه.

وعليه، عاود القذافي مربع “الكفر” في خطابهم السياسي، فضلاً عن اعتباره حاكماً “غير شرعي”، وبعد شهر واحد من اندلاع الأحداث أخذوا فيها موقفاً حيادياً، عمدوا إلى تشكيل الميلشيات العسكرية، واستدعاء التدخل الخارجي.

“لو شهد الرسول حلف الناتو لبادر إليه”. كانت تلك الجملة المقتضبة، التي وردت ضمن خطبة للشيخ ونيس مبروك، أحد قيادات الإخوان، في مدينة بنغازي، تعكس ذروة التوظيف السياسي للدين لدى الإخوان في الحالة الليبية، في حالته القصوى، وبصورة انتهازية، التي لا تحتاج ثمة تأويل، إذ تفصح الجملة في معناها الواضح، وصيغتها المباشرة عن هويتها ودورها الوظيفي، في منح المبرر والشرعية لتدخل “الناتو”، بغية إسقاط القذافي، لطالما ستظفر الجماعة بعدها بالسلطة، مهما كانت كلفة الأمر.

في الشهر ذاته، الذي صرّح فيه الإخوان بمواقفهم تجاه الانتفاضة، ومن ثم، انخراطهم في أحداثها بعد فترة من الحياد والتردد، حدث تدخل الناتو، حيث وقع القصف في 19 آذار (مارس) 2011، عندما نجحت قوات القذافي في الوصول بالقرب من بنغازي، فصدر قرار مجلس الأمن رقم 1973.

كما أنه مع حصار كتائب القذافي لمدينة مصراته، التي تعد أحد مراكز ومعاقل الإسلاميين، غرب ليبيا، استعان الإخوان بتركيا، وروجوا لسردية تاريخية تقليدية، حول الأصول التركية لمصراته، في محاولة لبعث الميراث العثماني، بشقيه العرقي والديني، على طريقة الرئيس التركي، أردوغان، لاستعادة أحلام “الخلافة” والسيطرة الإقليمية، مجدداً، لتوغلهم في المنطقة، وعليه، لم يدع الإخوان وسيلة أو حيلة لإسقاط القذافي والسيطرة على السلطة إلا وتحروا تنفيذها.

وفي ما يتصل بالدور الإقليمي، ثمة دور قطري وسوداني آخرين، لا ينفيه عناصرهم المحليون، كما اعترف البشير وأمير قطر بدعمهما للإسلاميين، لدرجة أن فرنسا صرّحت، بشكل رسمي، برفضها للدعم القطري تجاه الميلشيات الإسلامية، وعلى وجه التحديد، مجموعة بلحاج.

وفي مؤتمر لأصدقاء ليبيا، عقد في باريس، سبتمبر (أيلول) 2011، شارك في مؤتمره الصحافي، نيكولا ساركوزي، وديفيد كاميرون، والشيخ حمد بن خليفة، ومحمود جبريل، والأخير، تولى منصب رئيس الحكومة الليبي، بعد سقوط القذافي، يوضح الكاتب الصحافي، غسان شربل، في حوار أجراه معه، على صفحات جريدة الحياة اللندنية، أنه خلال هذا المؤتمر الدولي، عندما سأله (يقصد محمود جبريل) أحد الصحافيين الأجانب بعد المؤتمر، عن الأسلحة المنتشرة في ليبيا، خاصة، وقد سقط النظام، فأجاب عليه رئيس الحكومة الليبي السابق: “قلت أن لدينا خطة لاستقرار طرابلس، ولجمع الأسلحة وشرائها، لكن قاطعني أمير قطر أمام الجميع، وقال: الثوار لا يلقون السلاح أبداً، الثوار هم الذين لديهم الشرعية. وكان ذلك طبعاً محرجاً وغريباً”.

ومن جانبه، يوضح الكاتب والباحث السوداني، المتخصص في قضايا الإسلام السياسي، محمد جميل أحمد لـ جريدة ليفانت “أن ثمة انسداد نظري في خطاب الإخوان المسلمين السياسي، وتتماثل الحالة ذاتها مع مجمل حركات الإسلام السياسي، والاختلاف بينهم في الدرجة وليس النوع”.

ويضيف: “الوضع السياسي للإخوان المسلمين في ليبيا يعكس تعبيراً حرجاً عن ذلك الانسداد المذكور آنفاً. وإذا كانت الهوية الانشقاقية بمثابة متلازمة ضرورية في أشكال الانقسام التي تقترن باضطراد في تلك الحالات الدولتية المأزومة، التي تعكسها تجارب حكم الإسلام السياسي، فلن يكون الحال أحسن في ليبيا؛ ففي ليبيا تنشأ تعقيدات مضافة لإرباك مجال العمل السياسي للإخوان المأزوم في بنيته السياسية أصلاً.

وهي تعقيدات تشتبك مع ما خلفه نظام القذافي من تشويه للمجال السياسي، حسبما يوضح جميل أحمد، وتصفية الناشطين فيه ــ إبان حكم العقيد ــ كما تنعكس في الواقع الصراعي الذي نتج عن إجهاض ثورة 2011، عبر دوامة الصراع الأهلي الذي كان بدوره تعبيراً عن الفراغ السياسي الذي ورثه الليبيون عن حقبة القذافي.

ويختتم: “تماهي خطاب الإخوان في نزعته الطائفية المستترة، مع الهويات القبلية والمناطقية في ليبيا، إنما يلعب دوراً في إدارة التناقضات، لكنه لا ينجو من أن يكون أسيراً لها في الوقت نفسه. كما أن الهوية العابرة للأوطان في صلب الفكرة الإخوانية ستكون خصماً لفكرة الوطن المشوشة أصلاً في صراع الفرقاء السياسيين في ليبيا، لكنها (أي الهوية العابرة للأوطان في خطاب الإخوان)، وفي ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده ليبيا، أصبحت أكثر  تعبيراً عن التفريط بالهوية الوطنية، فيما نراه واضحاً اليوم من تدخلات تركيا والاتفاقيات التي تعقدها حكومة السراج في طرابلس مع حكومة أردوغان، لاسيما في التقارب الراهن.        

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit