أن تخجلَ أيها السوري فتصمتْ
أن تخجلَ أيها السوري فتصمتْ

أن تخجلَ أيها السوري فتصمتْ

عليك أيها السوري أن تخجل، وتشعر كل ثانية بعجزك وتخاذلك، وعليك أن تصفّي ذاكرتك وذهنك لبرهة، وتستدعي كل التفاصيل منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة إلى يومك هذا، أن تستحضر النتائج التي جناها أهلك داخل حدود الموت من ضجيجك، هل أوقف ضجيجك القتل، هل سمعك العالم فقرر إيجاد حل لمشكلة الأطفال الغارقين في الوحل، أو النساء اللاتي يقتلن وهن يحضرن وجبة من الطعام لمن تبقى.

أنت مطالب اليوم بعدم إثارة المزيد من الضجيج، ذلكَ أن كل ما تفعله بات مستفزاً، فارغاً من المحتوى والتأثير، وهو يعنيك أنت فقط، ومحاولة لتثبت لنفسك الخاوية أنك موجود وأن صوتك وكلامك له صدى، وهو مسعى يائس بائس لتريح ضميرك.

أنتَ مطالبٌ اليوم بالابتعاد عن الحشود التي تحشر نفسك داخلها فتريحك وتذهب عنك القلق والأرق وتساعدك على العودة إلى منزلك وأنت شاعر برعشة البطولة، وبريق الإنسانية يشع في داخلك، لم لا! فقد ساهمت بإنقاذها، فها هي صورك تملأ المظاهرات والاعتصامات، تظهر فيها وأنت تحمل اللافتات المنددة بالقتل، أليس وجودك في هذه الأماكن هو جزء لا يتجزأ من الحراك المدني والاجتماعي الراقي الذي تقدمت عبره الشعوب ووصلت إلى ما وصلت له من الديمقراطية والكمال، ألم يكن هو هدفك حين أيدت الثورة، وقلتَ لا للقمع، ألم يكن لك ذات الهدف؟!

لا أحد ينكر أنك إنسان نشيط وفعّال، ولديك من الـ (activity) على الفيس بوك ما لا يملكه غيرك، فأنت غيور على أهلك، وتتمنى لو تستطيع أن تمد لهم يد العون فيزيائياً لكن ما باليد حيلة، فأنت أيضاً تعبت وأرهقت وأفنيت قدميك تجوب في شوارع تركيا وألمانيا وفرنسا تصور غضب الجموع، وتجرب أنواع الخط العربي المنمق في كتابة لافتات وشعارات لا أحد يقرؤها غيرك.

الكذبة الكبيرة التي تعيشها وأرغمت نفسك على تصديقها هي كذبة (الرقي) التي تتلبسك، فتتبناها في بعض القضايا بالكلية، فيما تتنكر لها في مسائل أخرى تمسك وتمس طريقة معاشك، في الشوارع قد يفضي غضبك المدني، المديني، الراقي والحضاري إلى نتائج ملموسة وفقاً لقناعتك الزائفة، لكنك في منزلك، مع أهلك وأصدقائك وجيرانك، فأنت ما زلت تتعامل بمنطق الغابة (القوي يأكل الضعيف)، وتدرك حق الإدراك أن هذا المنطق هو الأكثر نجاعة وفاعلية في ظروفك وتاريخك، فما بالك بمن استباح أرضك، وقتل أهلك؟! كيف يمكن أن تجدي الحلول المدنية إلى نتائج!

من وضع التنظيم الاجتماعي و”العقد” وضع قواعد لهذا التنظيم لكن ما يحدث اليوم في بلدك خرق كل الأعراف والقوانين الوضعية، ولا ينبغي عليك أن تمتثل لشعارات الدول المتقدمة وطريقتهم “الحضارية” في التعبير عن أنفسهم ومطالبهم فهي لا تناسبك، إما أن تأخذ حقك بالقوة ممن استباحه أو تصمت، إما أن تكون شجاعاً فتقتل من قتلك أو أن تعترف بجبنك وتهدأ.

الحشرجات الأخيرة التي يطلقها الحصان قبل وقوعه يطلقها بعد أن يكون قد حاول الوقوف مرات كثيرة، أما أنت فلا يحق لك إصدار أي صوت لأنك في الأساس لم تحاول، لذا ينبغي عليك أن تقع صامتاً، محرجاً من تقهقرك، وعدم قدرتك على المقاومة والصمود.

أيها السوري يكفيك في الظروف الراهنة أن تصمت، “صمتك” هو أصدق حالة يمكنك خلالها أن تعبر لأخوتك تحت الموت بأنك معهم في قلبك، وأنك خجول من نفسك لأنك لست معهم في ساحة الدم الحقيقية.

آلاء عوض

كاتبة وصحفية سورية

شاهد أيضاً

د. كمال اللبواني

فكرة التمنيع الطبيعي

جسم الإنسان لديه قدرات مناعية أساسية، تتعامل مع كل عامل غريب يدخل للجسم، وتحاول القضاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.