الرئيسية » المزيد » مزن مرشد.. “خارطة بالأقدام” نهايات تراجيدية لقصص أبطالها واقعيون

مزن مرشد.. “خارطة بالأقدام” نهايات تراجيدية لقصص أبطالها واقعيون

 

حلم مغتصب وشخصيات مهمشة في زمن غائم وثقيل

فاتن حمودي

 “كنت ولا زلت أرسم ذاكرة المكان بقدميَّ العاريتين، لا أدري من أين تعلمت  هذه العادة، ولا أذكر في أي عمر بالتحديد، بدأت ممارستها” أبدأ بهذه الجملة التي تشكل مفتاحاً في المجموعة القصصية”خارطة بالأقدام”، للكاتبة مزن مرشد، هذا العنوان الذي يشير  إلى الرحلة، وإلى العشق والألتصاق بالأرض، والنفي إلى جغرافيات أخرى، إلى ذاكرة مكان، وهو ما يشكل العتبة الأولى للقراءة، والسفر في عوالم المجموعة التي ضمت 15 قصة، الصادرة عن كتابوك، وتمحور أغلبها حول الحب، الحب حين يعرّي الواقع، الذهنية، الحياة، فنرى شخصيات مأزومة، ما يدفعنا للسؤال، عن الرمز الحقيقي لصوت الضحية؟ وعن الدلالات التي حملتها النهايات التراجيدية في قصص المجموعة؟

تتمثل الكاتبة لحظتنا المعاصرة، حيث يتداخل في قصصها الحقيقي  بالواقعي، ليخرج إلى اليومي ، و السياسي، والوجودي ـ الانساني السوري خاصة،  المكان فيها، كما الزمن/ لا يكتفيان بتأثيث عوالم القصة، بل هما برمزيتهما و إيحاءاتهما، يؤثران على الشخصيات و الأحداث في إطار علاقة جدلية.

سؤال الكتابة:

تدعونا الكاتبة مزن مرشد،  للدخول إلى معالم هذه الخارطة،  ومتاهاتها، وشخوصها، كما في عالم كافكا العبثي الغرائبي، حيث الحلم مغتصب، والشخصيات مهمشة، والزمن غائم وثقيل، فتحضر عوالم القصص عبر الذاكرة، والمخيلة، واللغة، واليومي، و الألم، والأمل، والسؤال الوجودي للذات الساردة، تتساءل في قصتها “جاراتي في باريس”، والتي تدور حول رحلة الهجرة واللجوء ولم الشمل، والتي يشكل مفتاح اللقاء بالجارات كلمة “السلام عليكم”، ومن ثم الدعوة إلى سهرة، وانزياح الأسئلة نحو لحظة العبث، تحكي عن باريس،”المبنى الذي  نسكنه كان نموذجاً مصغراً عن باريس الكبرى”، كإشارة إلى خلائط الأرض، وتسرد كراوية، لحظة الوجع، من خلال سؤال، و مونولوج داخلي: “ما خفتُ منه لم يطل انتظاره، استسمحتني إحداهن بسؤال، تمالكت نفسي، وابتلعت دمعي، أعرف بأنها ستسألني عن قتل الأطفال في بلدي،  ستسألني عن سفاح دمشق، وعن الشهداء تحت التعذيب، ستسألني عن المعتقلات، عن الموتى جوعاً، عن الحصار وتدميرالمدن” ص15

تنتقل من المونولوج الداخلي، إلى سؤال الخيبة، لتسجل من خلاله، موقف العرب من معاناتنا: “قولي لنا ما معنى كلمة “فَشَرْت”، التي جعلت  أبو عصام يخرج عن طوره ويطلق زوجته؟”.

قصة خارطة بالأقدام

تأخذنا في “خارطة بالأقدام”،  إلى ذاكرة مكان تتلمسها وترسمها بقدميها الحافيتين، وكأنه إحساس عاشقة فقدت رائحة الأمكنة والوجوه والناس، يحضر المكان الواقعي، تحضر حمص بأحيائها، “استطيع التمييز بدقة بين السبيل وباب الناعورة، بين باب السباع وسفل التلة، وبين شارع المحطة والدبلان، كلٌ له ملمسه وحرارته، ومزيج من أرواح مروا فوقه”37

بنفس القصة تأخذنا إلى دمشق، وتحديداً إلى المحلّق الجنوبي، في حي الميدان، تحضر صديقتها ناهد، والتفجير الذي شهدته العاصمة، والذي أدى إلى بتر  رجل صديقتها، لتنتهي القصة، بشكل تراجيدي، يعكس مآلات الحالة السورية، “وامتلأت بعده شوارع سوريا كلها بالدماء، منذ تلك اللحظة، لم اعد أقوى على السير حافية، حجارة الطريق تسكنها أرواح الأبرياء”.

السرد والنهايات:

نعلم أن علم السرد، يتكون من” الفضاء أو المكان، و الشخصيات، و الزمان، و الوظيفة السردية،  كلها  أطراف تذوب في بوتقة واحدة، وهو ما تحيلنا إليه الكاتبة من خلال إشاراتها لفضاء المكان والزمان والشخصيات، التي تعكس تراكم مشاكل الواقع، يمضي السرد نحو تسجيل موقف تارة، ورصد اللحظة السورية بشكل مباشر، وإن كان محمولاً على البوح، أو الاقتراب من النثر الشعري، ففي قصة “الجحر”،تقول:” من النافذة الوحيدة  التي في الباب أطلوا عليه، رأوا وحدته، رأوا عذاباته، رأوا الرائحة تنبع من الجدران، لكنهم لم يشعروا بشيء” ص 34.

يبدو واضحا، أثر العمل الصحافي على لغة السرد عند مزن، والذي أخذنا إلى المباشرة في أكثر من قصة، وهو ما يدفعنا للسؤال: هل أرادت الكاتبة أن تسجل موقفاً صارخاً و واضحاً؟

تقول:” السوريون الهاربون من شبح  الموت الحالمون بفرصة للحياة، فقط فرصة، واحدة ليعيشوا كبشر، ما ذنبنا أن يكون لحمنا طعاماً، بعدما أكلته البراميل، والمعتقلات، ألا يكفي ما أكله الجوع من أجساد أطفالنا، ألا يكفي ما أكله الهاون والسيف والرجم والتعذيب، ألا يكفي ما أكلته العربان والغربان والكلاب من لحومنا كم أنت محظوظة يا أسماك بحر أيجة، اريدـ أريد ذاكرتك….أريد أن أكون بلا ذاكرة” ص 35..

نهايات تراجيدية:

رغم اعتراف الكاتبة بأن بعض القصص حقيقية، ومن ملفات القضاء، حيث تعرّفت إلى بطل إحدى القصص كما تقول” “اثناء قيامي بإعداد تحقيق صحفي عن سجن عدرا”، وما بين الواقعي والمتخيل، نرى علاقات أجتماعية متفسخة، الفقر، الطائفية، الريف، المدينة،  انحلال في القيم، الأعتقال، رغم حالات الحب، والرومانسية، واللغة التي تعيدنا إلى لحظات مسروقة، موضوعات متعددة تتناولها قصص المجموعة، الحب المقتول، الأعتقال، الخيبة، ويشكل الحب خيط حقيقي، والذي يأتي ضمن سياقات متعددة، ففي “رجل وأمرأة”، تتناول علاقة حب بين رجل متزوج وأمرأة، بعيداً عن مؤسسة الزواج، حيث العطر الساحر وإدمانه، تأتي نهاية القصة فاجعة، حين يقرر العاشق قتل حبيبته” قرر أن راحته تكمن في موتها، عندها لن تكون لسواه أبداً”.

في قصة”الوسادة”، والتي تحكي عن الأعتقال، لتشكل الوسادة المطرزة بالورد بطلاً حقيقياً، تفوح منها رائحة عطر أمرأة، رائحة الغياب، تقول:”أصبح سريري بوسادة واحدة”، “لكنني لم أخبره أن والدته عندما اخبروها باعتقاله صمتت إلى الأبد”، “توقفت لوهلة لم اعرفه، من هذا الغريب”، البطلة تأخذ لحبيبها تلك الوسادة، “وبقيت الوسادة ذات الوردة الحمراء حديث الخارجين، ولم استطع إلى الآن أن أفهم سر تعلقهم بهذه الوسادة، قالوا لي إن وسادتي أزهرت شجرة وردة حمراء”. ص65

يحضر في العمل  أصوات الاستغاثات، الأنين، رائحة الموت، رائحة الحياة، رائحة الأرواح، رائحة الطائفية، وتلك الثورة “ثورة البعث التي حملت على مراكبها طلائع الأستبداد، وجاء الوريث الذي دمّر بلدا كي يحتفظ بكرسي”.ص 98

كاننا تجاوزنا عنبر تشيخوف، وطاعون كامو، في هذا الجحيم السوري، بل نرى أن مزن مرشد، تسمي الأشياء بأسمائها، تحكي عن الوجع السوري، بعيداً عن أي مواربة، قصص تعتري الوجود الإنساني الموت الذي يترصد الجميع، أفراداً وجماعات،  قصة السارد فيها واحداً، قصص تجسد الحزن والإنكسار، اللاجدوى، ضمن فضاء عام رومانسي، هناك من بقي، وهناك من غادر، تستحضر القصص سؤال الإنسان تحت سماء الحرب، وتحت أكثر من سماء، الخيط الأساسي هو خيط الحب، الحب لدرجة التماهي، الحب لدرجة القتل، الحب لدرجة العزلة والأنتحار، شخصيات مأزومة، في عام متفجر.

 

شاهد أيضاً

علامات تُشير إلى أن جهاز الآيفون مخترق

علامات تُشير إلى أن جهاز الآيفون مخترق

يعتقد الكثير من مستخدمي الآيفون أن نظام التشغيل الخاص بهم هو الأكثر أماناً مقارنة بالأندرويد …

أترك رد