الرئيسية » زوايا و آراء » الرأي » عَصّابة الأيديولوجيا

عَصّابة الأيديولوجيا

إذا كان السّلاحُ الأيديولوجي لا بُدّ منه لدى جهةٍ ما، في بقعةٍ جغرافيةٍ ما، أو في مرحلةٍ تاريخيةٍ ما، لمواجهة الخصوم بالحجج والبراهين في المواضيع الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، إضافةً إلى أهمية الأيديولوجيا كمصدر وقائي ودرع للحماية الشخصية أو المجتمعية، في حال تعرّض الفرد أو المجموعة البشرية لهجمات الآخرين عليهم بفروضهم وتصوراتهم وأفكارهم الخاصة التي ينهالون بها على كل من اعتبروه خصماً لا بُدّ من صدّهِ، أو كل مَن اعتبروه طريدةً لا بُدّ مِن صيدها أو السيطرة الفكرية عليها، من أجل جعل الآخر الذي شُنت حملة الرأي عليه تابعاً له أو لهم، أو مؤيداً لعقيدته أو عقيدتهم، ومن ثَم ليغدو حال المُهاجَم إمّا منهزماً شرّ هزيمة أمام قوة الفلسفة الكلامية للمهاجِم، أو مستسلماً مؤمناً بنظرية الغازي سواء كانت نظريته دينية أم مذهبية أم قومية أم يسارية (بما أن أتباع اليسار كالمتدينين والقوميين في بلادنا فرضوا آراءَهم بالإكراه في بعض بلدان المعسكر الاشتراكي).

إلاّ أن أخطر ما في الأيديولوجيا هو ليس انتشارها الأفقي الذي يُغطي ويحتل مساحات كبيرة من أذهان الرعية، إنما في قدرتها على حجب الرؤية لدى الكائن السابح في بحيرة الأدلجة من دون احتياطات تحميه من احتمالات الغرق أو السرنمة المؤكدة، والغطاء الذي نقصده هو ليس الخلفية التي تدعم من وراء الكواليس مؤسسة مدنية أو اجتماعية ما، ولا نقصد بالغطاء كواجهة سياسية لجهة عسكرية ما، إنما الغطاء المتعلق بالبصر والبصيرة، وأقرب صورة للكائن المغطّى والمساق بـ(ريموت كونترول) الأيديولوجيا هي تلك التي نراها لدى الخيول في المدن، إذ لكي لا ينظر الخيلُ إلاّ أمامه وفي اتجاهٍ واحدٍ فقط، يوضع على جانبي رأسه خلف العيون جلدتان تمنعانه من حالات التشوش التي قد تحدثه مرور العربات بجانب الخيل من اليمين أو اليسار، وكما الرفراف يحمي دواليب السيارة، تقوم جلدتا التوجه البصري لدى الخيول بمهمة التسديدِ، وجعل النظر باتجاه واحدٍ فقط، لئلا ينشغل الحصانُ برؤية أيّ شيءٍ عدا الطريق أو النفق الذي قباله، وهكذا للأسف تعمل بعض الأيديولوجيات بمعتنقيها، فهي تمنعهم من التحديق بالاتجاهات الأخرى، وتحرمهم من النظر حولهم، ومعرفة ما يجري في محيطهم أو في العالم، وتحجب عنهم رؤية أي شيء باستثناء ما يضمن بقاؤهم مسرنمين في الحيّز الأيديولوجي المحدّد لهم، وذلك للمضي في إطاره إلى ما لا نهاية، أو إلى وقت إنعدام دور وفاعلية تلك الأيديولوجيا أو زوال أسباب بقائها.

وحقيقةً لو لم تُشغلنا التبعات الخطيرة للأدلجة لدى بعض الحشود البشرية في مجتمعنا المحلي، لما كنا أهملنا الجانب الايجابي فيها وركزنا فقط على الجانب السلبي والمدمر، وكمثال حي وفي متناول أي شخص من أبناء منطقة عفرين المعلومة البديهية ألا وهي، بأن منطقة الشهباء بينها وبين عفرين رمية حجر، فهي على تخوم المنطقة تماماً، ولكن العقيدة السياسية تمنع المحشورين هناك من التفكير والمقارنة بين حالهم وحال أحد رجالات المنطقة ممن توجه يوماً مع كتائب المتطوعين المدنيين من قرى منطقة عفرين إلى صعيد فلسطين البعيد عنها عشرات الأميال، بُغية مساعدة الفلسطينيين في تحرير أرضهم من مافيات الحركة الصهيونية بعد إعلان دولة إسرائيل، وحيث يقول الدكتور محمد عبدو بهذا الصدد في كتابه (جبل الكرد): “إن حاج حنان شيخ اسماعيل زادة جمع حينها أكثرمن 700 متطوّع من أبناء قرى وبلدات منطقة عفرين للجهاد ضد إسرائيل ضمن جيش الإنقاذ، فوصلوا إلى دمشق، ومن ثم إلى منطقة الحدود مع فلسطين واستشهد العديد منهم في تلك المعارك” رغبة بتحرير أرض الآخرين ممن احتلوها وذلك من باب الحمية الدينية؛ والسؤال الذي يطرح نفسه فهل يا ترى فلسطين قريبة من عفرين أم مخيمات الشهباء؟ وهل الواجب الديني لدى الكرد المساقين مع هوى المنظومة اللادينية ما يزال أبدى من باقي الواجبات كما كان حالهم في تلك الفترة التي كان الكردي فيها مخموراً بالهواجس الدينية؟ لذا لم يحركهم واجب الدفاع عن أرضهم وعرضهم وكرامتهم وممتلكاتهم التي لا تبعد عنهم سوى بضعة كيلو مترات، فيما الهوس الديني دفعهم للتوجه من عفرين إلى فلسطين لمساعدة إخوانهم المسلمين للمساهمة في تحرير الأرض لهم!! عَصّابة الأيديولوجيا عَصّابة 

والمفارقة الصادمة بين ذلك المشهد القديم مقارنةً بالمشهد الراهن لآهالي المنطقة، هو أن كل من له عين رأى، وكل من له بصيرة فَهِم بأن غزوة منطقة عفرين تمت بمباركة بعض أبرز خاقانات المسلمين وجمهورهم المتدين في الجوار، وحيث أن تركيا والقوات المستخدمة من قبلها في غزو عفرين شنت الهجوم عليها على أنغام وتلاوة سورة الفتح! أي لم يُنظر إلى أهالي عفرين ـ أبناء من ذهبوا يوماً لتحرير فلسطين ـ إلاّ ككفار ومشركين لذا تطلّب الأمرُ غزو ديارهم بذريعة محاربة PKK!!
على كل حال ولكي لا نكون ممن يخدع الناس ببضعة كلمات وتعهدات كاذبة، نقول للمقيمين في مناطق الشهباء: لا تعودوا لبيوتكم بناءً على الوعود الوهمية لبعضنا بخصوص العفو العام والسماح، وما إلى ذلك من الكلام المعسول الذي ما من أثرٍ له إلى هذه اللحظة، إنما عودوا وليكن في بالكم أسوأ الاحتمالات، عودوا وتوقعوا الاعتقال والتشليح والسلب والنهب من قِبل البقايا المجتمعية الذين صاروا أسياداً في مرابعكم، عودوا وتحملوا كل وقاحات وانتهاكات بعض أوباش الفصائل إلى حين، وبعد عودتكم جميعاً نقسم بأن أؤلئك الأوباش سيكون حالهم كحال جيش نظام الأسد الذي دخل بيروت يوماً بكامل عنفه وغطرسته وجبروته، ولكنه فيما بعد وبسبب وضاعة ممارساته خرج خاسئاً مدحورا وهو يجرجر خزيهُ كيافطة كبيرة لا يقوى على حملها من ثقل عارها.

ختاماً نقول إذا كانت العَصابة الأيديولوجية ما تزال تمنع مهجري عفرين في مخيمات الشهباء من رؤية الطريق إلى عفرين، وإذا كان الدّين وليس الواجب الوجودي هو الذي ما يزال يسوق القابعين في مخيمات الشهباء، لذا نود تذكيرهم بأن الانتقام من المعتدي دفاعاً عن العرض والبيت والمُلك حلال حسب النصوص الشرعية، بل وليكن مرتاحاً جداً ضمير الذي يود الانتقام ممَن سطى على ماله، استولى على ممتلكاته، وتسبّب بتهجيره من بيته، وهذه الفتوى لا شك غير موضوعة من قِبلي، إنما نُقل ذلك الحديث النبوي على لسان سعيد بن زيد الذي قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد”. عَصّابة الأيديولوجيا عَصّابة الأيديولوجيا عَصّابة الأيديولوجيا

ماجد ع محمد

كاتب سوري

شاهد أيضاً

الجامعه العربية.. والحاجة إلى المشروع العربي

في ظل ما تعيشه سوريا من أزمة مستمرة منذ مرحلة الربيع العربي، وفي ظل التدخلات …

أترك رد