الرئيسية » زوايا و آراء » المدونة » “عدي ميزر المدلول” عن سيرة مِظلة السلم الأهلي في محافظة الحسكة
عدي ميزر المدلول
عدي ميزر المدلول

“عدي ميزر المدلول” عن سيرة مِظلة السلم الأهلي في محافظة الحسكة

تشهدُ المناطق الكُردية توترات متلاحقة، كان لبعض الرجال دور مهم في وأد الفتن والنار الساعية لالتهام أبنائها. لذا فإن تسليط الضوء على شخصيات محورية ذيّ أثر عميق في التأثير على الأحداث ودفعها نحو التهدئة والاستقرار. قدّ يُعتبر من صُلب العمل الصحفي والمدني. فما امتازت به الجزيرة السورية حتى اليوم، وعلى الرغم من التهديدات الداخلية من قبيل تعارض التوجهات العشائرية إلى الطروحات السياسية والتي تشكل الخطر الأكبر على السلم الأهلي ومُهددات لبتر تلاحم الفئات والمكونات، فإن أدوراً مميزة راحت تلعبه شخصيات أثبتت شمول محبتها واهتمامها للجميع. ومنها الشيخ عدي المدلول.
لم ألتقِ ب”عدي المدلول” في صبايّ إلا في خيم العزاء والمناسبات التي كانت تُقام في أماكن أتواجد بها، كقريتنا على سبيل المثال . كُنتُ في المرحلة الإعدادية حين شاهدته يدخل مضافة قريتنا برفقة الشيخ” كُلال حقي” أحد مشايخ الدين المعروفين في المنطقة، وكحالِ أقراني لم أكن لأعرف نوعية الضيف الزائر، لكن زيادة الاهتمام والتقدير خلقا لديَّ فضولاً لم يُشبع إلا بعد حين.

قلةٌ من لم تختفِ سيرهم. أو بقيت بمفاعيل سلطوية أو بوقائع سلبية. وذاك الشخص لم تختفِ سيرته أبداً. بالنسبة لمن في عمري، يخطر لهم بين الحين والأخر، بالذات حينما يمرون بموازاة منزله في حيّ القصور بالقرب من جامع “زينُ العابدين” في مدينة قامشلو.

شكلت سيرته، بالنسبة للكثيرين من الجيل الكُردي الجديد، نقلة نوعية في الخطاب عن الأخر “العربي” وفق ما ترسم في ذاكرتنا من مآساً ودورً لقسمً كبير للنخب ووجهاء القبائل والعشائر العربية عبرَ إقحامهم لذواتهم في الصراع السياسي للقضية الكُردية في سوريا. لكن سيرته شكلت صدّمةً للكثيرين ممن لم يتعرفوا عليه بفعل فارق العمر الزمني، ما خالف الصورة التي ثبتت في ذاكرة جيلنا الجديد خاصة في رقعة جغرافية امتازت بأنواع من الشخصيات المركبة والمُعقّدة والساعية نحو تحقيق الذات، قفزاً فوق ما يحمله المضمون.

في المرة الأولى التي رأيته بها، في منزل أحد الوجهاء في حيّ الهلالية الكُردي. كان شخصاً فارع الطول، ذو بشرة بيضاء نقية، وبعينين حادتين كبيرتين، وأنف جميل لا يشبه أنوف أترابه ودون أيَّ شامة في الوجه، وبلباسه المُشترك بين الكُرد والعرب. وليس كغيره من المشايخ، فإن الابتسامة لا تفارق مُحياه قط، مُشرفاً على ملئ صحون الضيوف بالطعام وهو الضيف كحال غيره. رُبما تشكل سيرة”عدي” سردية كلاسيكية تقليدية لكثير من أنماط الشخصيات التي تحمل اللقب والصفة عينها “شيخ العشيرة” لكن ما ميزه عن غيره من الزعامات المحلية والعشائرية والوجهاء الاجتماعيين في عموم المنطقة، إنها شخصية ليست نتاج تحولات الظروف الأمنية والسياسية والمالية والجغرافية، وليست الساعية نحو تعزيز مكانتها المالية عبر استغلال رغبة معظم الأطراف والقوى السياسية المُسيطرة بالحصول على ولائه. وهي الشخصية الأكثر إمكانية لاستغلال ما يجري اليوم والخروج بمظهر البطل الوحيد.

وكرد الجميل على ما فعله وقدمه وعائلته للأرمن إبان النزوح الأرمني بعد الفرمانات التركية، ولجوئهم إلى المناطق الكُردية، تلقى “عدي” دعوة شخصية إلى جمهورية أرمينية عام 2006، كأحد الوجهاء والمعنيين بالسلم الأهلي وشكراً لما قدمه من حماية وحفظً للأرمن، واحتفت به الجمهورية كأحد الأبطال اللذين شكلوا مِظلة للأرمن.

لم يشأ مغادرة البلاد في الأزمة، قاطعاً على نفسه عهداً البقاء مع مُحبيه، وهو ما دفعه لرفض جميع العروض التي انهالت عليه من دول إقليمية والمغريات المادية لترك المنطقة، لكنه آثر البقاء كصمام آمان للسلم الأهلي.في إحدى المرويات للجانب الرياضي في حياة”عدي” عشقه لنادي الجهاد الرياضي وتبرعه بمبالغ كبيرة لهم بغض النظر عن نتائجه السيئة، وتشجيعه المستمر للاعبين والهيئات الإدارية، وتكفله بمصاريف الوفود الرياضية وضيوفهم إلى المدينة.

ما ساهم في تقوية نفوذه الاجتماعي وفق المرويات الكثيرة، مجموعة من الأمور المُركبة: إحداها الولاء الشديد لأتباعه ورجال قبيلته ووجهائها، واستعدادهم للتضحية في سبيله. وثانيتهما تعلق بما قدمه ولعبه من أدوار وساطية لحل الخلافات العميقة والمشاكل المعقدة بين مختلف المكونات ، ودوره الأساسي في فض دعوات البعض من بعض العشائر العربية وكرد فعل على الانتفاضة الكُردية في 2004 في قامشلو وسائر المدن الأخرى، ورغبة هؤلاء من الانتقام، لكن دوره المحوري في فضّ دعواتهم خلقت صدّ مُريح ورد فعل إيجابي من مختلف القوة الكُردية شعبياً وسياسياً، والتي كادت أن تنتهي بصراع أهلي داخلي واحتراب دون معرفة نهايته. وثالثتها: ما يُروى عنه باحترامه للخطوط الحُمر الاجتماعية، وفرضه على كُل المنتمين إلى نسبه. ورابعتها: فتحه لمضافته يومياً من الصباح وحتى المساء لاستقبال جميع المطارنة ورجال الدين الإسلامي والعشائر العربية والكُردية، وكل من له حاجة أو رغبة بحل مشكلته، أو للترفيه عن النفس ومجالس الشعر. وخامستها: تتمة مشروع والده الراحل،”ميزر” في تشجيع الطلبة خاصة الجامعيين حتى لُقب بــ”بيت مال الطلبة”. والسادسة: تكفله بمعيشة مئات العوائل المحتاجة شهرياً وخاصة اليتامى. وسابعها ارتباطاته بعلاقات قوية مع الزعماء الوطنيين على مستوى سوريا كُلها وبعض الدول الإقليمية، ولا تزال شرفة منزله شاهد عيان على أولِ خطبة للراحل”جمال عبد الناصر” في مدينة قامشلو على الحشد الجماهيري.

تبقى سيرة “عدي” كأحد الرمزيات الدالة على تواجد من يُفضل العمق الشعبي على سطوة السلطة وإمكانية استغلال النفوذ لما يُحققه من مكاسب، وكأحد أعمدة السلم الأهلي إلى جانب شخصيات أخرى كثيرة، رُبما نفيها شيءً من حقها في المستقبل القريب

شفان إبراهيم

كاتب وصحفي سوري
 

تعليق واحد

  1. حواس حمد المخلف

    و مليون نعم من الأخ الشيخ عدي ميزر المدلول الذي سار بكل امانه على خطى والده الشيخ ميزر المدلول ابو خوام الذي نال لقب ابو الفقراء و المحتاجين بكل جدارة و لعدم تفريقه بينهم لأي دين او ملة ينتمون .
    نرجوا الله العلي القدير يطيل بعمر اخي ابو ياسر و يتوجه بالصحة و العافية و يديمه ذخراً لمنطقتنا و شعبها عامة

أترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: