الرئيسية » زوايا و آراء » الرأي » سجن في مصحة عقلية
سجن في مصحة عقلية
سجن في مصحة عقلية

سجن في مصحة عقلية

عندما ينظر أي قاض في قضية جنائية خطيرة ويقتنع أن المتهم مذنب ، و يكتشف قبل أن يصدر حكمه أن المذنب مختل عقليا أيضا ، فماذا يفعل ؟ هل يتركه لعدم سلامته العقلية ليفعلها مجددا ؟ أم يسجنه ويحمله مسؤولية أعماله رغم فقدانه للأهلية العقلية ؟ … فكل مجرم يقدم على فعلته لابد أن يكون في ظرف مضطرب وغير طبيعي ، أو له بنية منحرفة بسبب تكويني أو مكتسب ، فالجنون والجريمة مشكلة حقوقية معقدة فعلا ؟

سجين شاب له سجل عدلي حافل منذ طفولته البائسة ، قضى معظم سنين مراهقته في سجن الأحداث ثم تخرج منه لسجن عدرا ، كان عندما يمر بحالة هياج يستعصي ويهدد بتشطيب نفسه ، ورغم أنه كان فعلا يقطع جلده بالشفرة لكن ذلك لم يعد يفلح مع الشرطة ، حتى اكتشف طريقة أخرى أثبتت فعاليتها أكثر وهي التهديد بتمزيق صورة حافظ الأسد المعلقة في المهجع ، مما يضطر الانضباط والشرطة لمسايرته خوفا على الصورة ومنها ، كرر هذه الحادثة عام 2006 عندما كان معي في المهجع 611 في سجن عدرا ( الصورة أعلاه لي وراء باب تلك الغرفة ) ، ودخلت الشرطة واحتاروا ، لكن الضابط الذي شعر بالحرج أمامي وأنا أرقب المشهد ساخرا وسط جمهرة من نزلاء المهجع المئة الذي ينظرون بشغف لهذا المشهد الإشكالي ( مجرم يحتمي بقدسية صورة حافظ ويهدد بتدنيسها ) ، انفعل الضابط وهاجم السجين الذي مزق الصورة فعلا ، واقتادوه بالضرب لمفرزة التحقيق مع الصورة الممزقة ( الدليل الجرمي ) ، ثم بعد عقاب في المنفردات ، حولوه للقضاء العسكري بتهمة تحقير رئيس الدولة ، فطلب مني السجين بعد أن بوشر بمحاكمته أن أكتب له دفاعا ليقدمه للقاضي ، كإجراء شكلي لا بد منه ، وكانت تسعيرة هذه التهمة هي الحكم ستة أشهر تضاف لأحكامه الأخرى ، فكتبت له دفاعا ، ذكرت فيه سجله العدلي وسبب توقيفه المتكرر ، ثم انتقلت للجانب القانوني في القضية :

1- تمزيق صورة أي شخص موضوعة في مكان (ليس خاصا) لا يعتبر إهانة فنحن نمزق الجرائد التي تحتوي دوما صور القادة وأسماءهم وأقوالهم ، ونمسح بها ونرميها مع القاذورات ، والصورة موضوع الجرم كانت معلقة في مكان غير محترم ومخصص للقتلة والمجرمين ، وكما يقول المثل العربي : الكريم من جَبّ مهانة نفسه.

2- تمزيق الصورة لم يكن بهدف الإهانة بل الوسيلة الوحيدة لردع الشرطة عن ضربه بوحشية، فهم شريكون بالجرم أيضا.

3- الصورة موضوع الجرم هي لشخص متوفي وليست لرئيس الدولة، وبالتالي لا يحق للنيابة العامة أن تأخذ صفة المدعي، في هذه الحال لا بد من مدعي شخصي .

4- بما أن بشار الأسد هو رئيس الدولة وهو لم يرفع قضية تحقير عائلته شخصيا على المتهم فإن الدعوى تسقط شكلا .

طبعا محمد أحمد عويشات 20 عاما يومها ، قدم دفاعه الذي كتبته له بخط يدي، وفي الجلسة التالية أصدر القاضي العسكري حكمه بوضع المتهم في السجن الاحترازي في مشفى ابن سينا للأمراض العقلية لمدة شهر ، أي عمليا حكمه بالبراءة ، لأن هكذا اجراء لا تقوم به ادارة السجن بالنظر لتشابه الواقع بين مشفى ابن سينا ، وسجن عدرا المتجاورين والمتشابهين من كل النواحي ، هناك يسجن المهلوسون ، وهنا يتناول المسجونون حبوب الهلوسة ( البالتان ) ليتأقلموا ، فلكي تعيش في هكذا مكان يجب أن تكون مجنونا ، وإذا عشت ولم تكن مجنونا تصاب به ، أو ترتكب جرما ، أو كلاهما معا هو السائد …
هذا الوضع للنزلاء لا ينطبق فقط على السجن أو المصح العقلي بل أيضا على مستخدمي مؤسسات ومدارس وثكنات ومعامل الدولة كلها ومن ضمنها سلك الشرطة والقضاء والجيش والجامعة … فهي عبارة عن سجون نزلاؤها يتعرضون للقمع والإهانة ويعانون من تشوهات عقلية وعاطفية كثيرة : الهلع والخوف المفرط ، الجنون الآيديولوجي ، التذلل والاستعباد ، الرقص المجنون في الشوارع احتفالا بمن يكرهون ،،، ويرتكبون جمعا معظم أنواع الجرائم والجنح بحق بعضهم وبحق المواطنين ، كالاهمال والرشوة والتشبيح ( أي السطو بإرهاب السلطة) والاختلاس والاحتيال والتهرب الضريبي والغش ، ناهيك عن التجسس والوشاية والنميمة والخطف والترهيب والتعسف … والتي كلها تتسبب في تحطيم السلم الاجتماعي وتوليد بيئة مناسبة لنمو كل أنواع الجرائم الأخرى التي لا تختلف عنها ، لكنها تمارس بصفة فردية وليس ضمن النظام العام للدولة المحمي بموجب القانون ،

محمد عويشات باشر ثورته على طريقته عام 2006 ، أي قبل خمس سنوات من ثورة بقية الشعب ، أدرك محمد هذا الجنون الجمعي ، في تأليه الفرد ، وهددهم بما يخافون منه وهو إرهاب السلطة ، ومزق الصور متحديا لجنونهم … لكن محمد الثائر هو أيضا مصاب بخلل بنيوي وتكويني وأخلاقي وسلوكي وعقلي نتيجة الظروف القاسية والافساد الثقافي الذي عاشه ، وهكذا حملت ثورة أقران السجين محمد بعد خمس سنوات في الكثير من المواقع الكثير من التشوهات الثقافية والسلوكية ، ومارست الممارسات التي كانت ضحيتها ، وعجزت عن انتاج حالة نوعية جديدة أرقى من الفوضى أو الاستبداد .

في النتيجة وبعد ثمان سنوات من الثورة ، والحرب الضروس والصراع المرير لم يتغير الحال أبدا ، ولم أشعر أنني قد خرجت من ذلك السجن لوسط آخر ، ولم ألمس ذلك لا في المناطق التي تحت سيطرة النظام ، ولا في المحررة منه ، ولا حتى في مخيمات اللجوء أو المهجر … فمن تسلط بشار المعتوه المجرم ، وفريقه الذي قرر أن يدافع عن سلطته بتحطيم دولته وتهجير شعبه وجلب جيوش الاحتلال … وصولا إلى البغدادي ، والجولاني وأمثالهم من مجانين الدين الذين فهموه قتلا واجراما وخيانة وتسلطا على العباد بأبشع الطرق ، إلى قادة المعارضة المعاتيه المختلسين ، في المجلس اللا وطني والإتلاف ، ثم في الهيئات والمنصات الذين يبيعون ضمائرهم وأصواتهم بتيكيت طيارة وحجز فندق ، وصولا لأعضاء اللجنة الدستورية الذين لديهم كامل الاستعداد لمسح الأحذية مقابل الراتب 1500 دولار الذي يأخذونه ، وكلهم يظنون أنفسهم بأنهم أنظف وأشرف الناس ، وأنهم يقومون بخدمة جليلة لوطنهم الذي من دونهم سينهار وينتهي ، ويتحفونا بتلك الخطابات والاطلالات والتصريحات عن المستقبل المشرق الذي سيأتي على أيديهم …. وهم جملة مجموعة معتوهين ومنحرفين أخلاقيا وسلوكيا وعقليا ، ومرتكبين لجرائم متعددة أقلها ادعاء تمثيل شعب لم يفوض أحد منهم .

الطبقة السياسية كلها قد حولت سوريا المحتلة والمحررة وبلاد المهجر لسجن احترازي في مشفى عقلي (يوجد حيث يوجد تجمع لسوريين ) ، بعد أن قتل من لديه شرف ونخوة على يد النظام ثم من تبقى منهم على يد الفصائل الجهادية ، واستبعد من بقي عنده ذرة عقل ونزاهة ، وفرغت الساحة لهذا وذاك وضاع شعبنا بين عصفورية المعارضة ومسلخ النظام ، وهكذا أصبح خلاص سوريا محصورا فقط بيد خلاصة الجنون والإجرام الذين اعتصرتهم عبقرية المبعوث الدولي المعتوه هو أيضا ، الذين عليهم أن ينتجوا لنا دستورنا الجديد الذي يكرس حالتنا التي وصلنا إليها .

أن تكون سوريا فأنت في سجن احترازي في مصحة عقلية ، لذلك سوف تحتاج للجنة تنقيب وفريق بحث للعثور على مواطن صالح وعاقل يحترم نفسه ويمكن التعامل معه ، فعلا يتعذر عليك العثور على ذلك المواطن الصالح العاقل في أغلب صفوف الطبقة السياسية والفكرية والعسكرية والدينية التي هي قيادة المجتمع في طرفي الصراع الذي تحول لجنون واجرام متبادل ، المشكلة أن المجتمع الدولي يريد تكريس هذه الحال عبر التوفيق بين مجرمين مجانين فكيف سينجح ؟ وإذا نحج ماذا يتوقع أن تكون النتيجة ؟ ثم ماذا سيكون مصيرنا ومستقبلنا …؟ أم أننا شعب فقد قدرته العقلية بعد أن فقد ما تبقى من وطن ، أو قبل ذلك بكثير ؟؟؟ كنا سنسأل الطبيب لكنه هو أيضا مجنون ؟

د. كمال اللبواني

كاتب وسياسي سوري

شاهد أيضاً

منى غانم

مصر تحمي سوريا

شكّل عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي نقطة تحول كبيرة في مستقبل جمهورية مصر العربية، …

أترك رد