رحلة الليرة السورية نحو الهاوية خلال تسعة أعوام

رحلة الليرة السورية نحو الهاوية خلال تسعة أعوام
رحلة الليرة السورية نحو الهاوية خلال تسعة أعوام

ليفانت – مرهف دويدري

انهار الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب الماضية، وعلى كافة المستويات بسبب الحل الأمني المدمّر، الذي لجأ إليه النظام السوري في مواجهة معارضيه، إذ تمّ تدمير أجزاء واسعة من المدن الرئيسية السورية، وتسوية بعض أحياء هذه المدن بالأرض بسبب القصف المركّز والممنهج الذي اتبعه النظام، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية ومئات الآلاف من الضحايا بفعل القصف، بالإضافة لمئات الآلاف من المعتقلين وملايين المشردين خارج البلاد والذي يقدّر عددهم بنحو ستة ملايين في دول الجوار، ونحو مليون لاجئ في أوروبا، وأكثر من ستة ملايين نازح داخل الحدودية السورية بحسب تقارير أممية، وأدى هذا الخراب الاجتماعي والمعيشي بسبب آلة الحرب المدمّرة إلى هروب الاستثمارات التي كانت تعمل في سوريا، وتوقّف عجلة الاقتصاد شيئاً فشيئاً خاصة بعد فقدان النظام السوري لحقول النفط بعد سيطرة تنظيم داعش عليها، وبات يشتري النفط من تنظيم داعش عبر (سماسرة) موالين له؛ هذه الصفقات كانت تعتبر التمويل الأكبر لتنظيم داعش، حيث شارك النظام بهذا التمويل إلى جانب أطراف دولية وإقليمية.

في المقابل أفرزت الحرب في سوريا اقتصاداً موازياً للاقتصاد (الحكومي)، الذي يعاني من ترهّل القرارات، وتفصيل القوانين على مقاس شركات أصحاب النفوذ، أو الواجهات الاقتصادية لرجالات السلطة في الحلقة الضيقة للقصر الجمهوري، حيث بات هناك اقتصادٌ موازٍ هو الاقتصاد الرابح، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الحكومي من تبعات الانهيار، حيث استطاع لفترة ليست بالقليلة الهروب من العقوبات الدولية، في حين كانت تلك العقوبات تطبّق على الاقتصاد الحكومي، ما سارع في انهيار سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الرئيسية (دولار- يورو).

أدت هذه العوامل إلى خسارة الليرة السورية ما يعادل 15 ضعفاً من قيمتها قبل عام 2011 خلال السنوات التسع الماضية، والتي باتت في مهبّ ريح القرارات الدولية، خاصةً بعد رفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي إي عمليات لإعادة الإعمار في سوريا، دون الوصول لحل سياسي حقيقي، حيث قدّرت عملية إعادة الإعمار بـ 400 مليار دولار، بحسب تقارير دولية، والتي قد تستمر في حدّها الأدنى 15 سنة بعد الانطلاق بإعادة الإعمار.

الاقتصاد السوري ما قبل الثورة
سيطر على سوريا تاريخ اقتصادي مضطرب، خاصة بعد انقلاب عام 1963، الذي جاء بحزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة، ووضع سياسات اشتراكية للتأميم والإصلاح الزراعي، وفي عام 1970، تولى حافظ الأسد السلطة بعد أن كان وزيراً للدفاع ،عبر انقلاب سُميّ آنذاك (الحركة التصحيحية). وجرى  تخفيف بعض القيود المفروضة على المشاريع الخاصة، ولكن استمرّت سيطرة الدولة على جزء كبير من الاقتصاد. وبحلول الثمانينات، وجدت سوريا نفسها معزولة سياسياً واقتصادياً بعد الحظر الاقتصادي الذي فرض على سوريا في أعقاب مذابح حماه عام 1982، حيث وجدت الحكومة نفسها في خضمّ أزمة اقتصادية عميقة. انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 22 % بين عامي 1982 و1989. وفي عام 1990 تم تخفيف قيود الحظر الاقتصادي الدولي بعد مشاركة الأسد في محادثات السلام مع إسرائيل في مدريد، والموافقة على الاشتراك في حرب الخليج الثانية مع التحالف الدولي لتحرير الكويت، حيث وضعت حكومة الأسد سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية، على الرغم من أن الاقتصاد لا يزال يخضع لتنظيم كبير.

شهد الاقتصاد السوري نمواً قوياً طوال التسعينات، وفي العقد الأول من الألفية الثانية. وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا 4,058 دولاراً أمريكياً حيث شهد الاقتصاد بروز رجال أعمال جدد على السوق السورية كانوا بمثابة واجهات اقتصادية لرجالات السلطة العسكرية والأمنية والسياسية من ذوي مناصب الصف الأول وتمثلت، هذه الاقطاعات بالأبناء على الأغلب، وبعض الشخصيات ممن لا تاريخ فاسد لديهم؛ عزز هذا النمو مجموعة من القوانين التي تجعل ضريبة الدخل على المشاريع الكبرى تصل إلى الصفر، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تجني ضريبة دخل من الموظفيين.

قبل اندلاع الثورة السورية، كان القطاعان الرئيسيان للاقتصاد السوري هما الزراعة والنفط، اللذان كانا معاً يمثلان نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. ومثلت الزراعة، على سبيل المثال، نحو 26 % من الناتج المحلي الإجمالي ووظفت 25 في المائة من إجمالي قوة العمل. غير أن الظروف المناخية السيئة والجفاف الشديد كان له أثر سلبي على القطاع الزراعي، وبذلك انخفض نصيبه في الاقتصاد إلى حوالي 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، بعد أن كان 20.4 في المائة في عام 2007، وفقاً للبيانات الأولية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء. ومن ناحية أخرى، قوبل ارتفاع أسعار النفط الخام بانخفاض في إنتاج النفط، وأدّى إلى زيادة إيرادات الميزانية والصادرات.

الاقتصاد السوري مع بداية الثورة
في نهاية 2010 كان الدين الخارجي لسورية يقدّر بحوالي أربعة مليارات دولار، والداخلي بحوالي عشرة مليارات، مما يشكل 25% من إجمالي الناتج القومي السوري، وهي نسبة مقبولة إذا ما قورنت بوقائع تاريخية أو بدول أخرى، ويُقدّر البنك الدولي ومنظمة غرب أسيا الدَّين العام السوري بأكثر من مائة وخمسين بالمائة من الناتج المحلي السوري، وهي نسبة تقارب ما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، ويقدّر باحثون آخرون الدين العام السوري بأكثر من ذلك بكثير، وهذا ربما يكون صحيحاً من جهة النفقات العسكرية الإيرانية والروسية والتي لا يتم احتسابها كمبالغ على الحكومة الحالية، بل تتحملها حالياً الدول المصدرة لهذه القوى العسكرية، والتي تفكّر بشكل أو بآخر بنقل أعباء هذه النفقات إلى سورية عن طريق استثمارات نفطية أو عقارية أو اتصالات، كما أدّت العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي لردع نظام الأسد عن خياره العسكري في قمع السوريين، بالإضافة للتدمير والصراع المسلّح المرتبط بالحرب، بعد انتقال الثورة السورية من الخيار السلمي غلى التسليح، كلّ ذلك أدّى إلى تدمير اقتصاد سوريا.

وبحلول نهاية عام 2013، قدّرت الأمم المتحدة الأضرار الاقتصادية الكلية الناجمة عن الحرب السورية بمبلغ 143 مليار دولار، وسيصل مجموع الخسائر الاقتصادية من الحرب إلى 237 مليار دولار بنهاية عام 2015، وفقاً لما أفادت به لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، وسيكلّف استيلاء المعارضة السورية على معبر نصيب الحدودي ما بين 500 إلى 700 مليون دولار في السنة كذل، وفي عام 2018، قدّر البنك الدولي أن حوالي ثلث مجموع مساكن سوريا ونصف مرافقها الصحية والتعليمية قد دمّرها النزاع. ووفقاً للبنك الدولي، فُقد ما مجموعه 226 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي بسبب النزاع من عام 2011 إلى عام 2016.

العقوبات الدولية على النظام السوري
لم تؤثّر العقوبات الأمريكية التي فرضت قبل عام 2011 على الاقتصاد السوري، لانها كانت تستهدف ردع النظام عن بعض الممارسات التي كانت تزعج الولايات المتحدة، خاصة علاقة النظام السوري بحليفته إيران، التي تعتبرها الولايات المتحدة أحد أخطر الأعداء، من بين تلك العقوبات إدراج سوريا في قائمة الدولة الراعية للارهاب، وتشمل هذه التدابير العقوبات المقرّرة تشريعياً، بما في ذلك العقوبات المفروضة على الصادرات، وعدم الأهلية لتلقّي معظم أشكال المعونة الأمريكية أو شراء المعدات العسكرية الأمريكية، وفي عام 2004 فرضت مجموعة شاملة من العقوبات الاقتصادية في ظل إدارة بوش. حيث فرض قانون (محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية) عقوبات على سوريا حظرت بموجبها معظم الصادرات إلى سوريا باستثناء المواد الغذائية والأدوية، وحظر على وجه التحديد تصدير معظم السلع التي تحتوي على أكثر من 10% من القطع المصنّعة في الولايات المتحدة إلى سوريا.

وبعد عدة أشهر من استخدام القتل الممنهج من قبل قوات النظام السوري، وعصابات الشبيحة الموالية له، أصدرت الجامعة العربية القرار رقم 7442 الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، بشأن متابعة تطورات الوضع في سوريا. في 27 نوفمبر/تشرين الثاني حمل هذا القرار مجموعة من العقوبات الاقتصادية، شملت وقف التعامل مع البنك المركزي السوري، ووقف التبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية، باستثناء السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية، ووقف التعاملات المالية مع الحكومة السورية، وفرض الاتحاد الأوربي مجموعة من العقوبات الاقتصادية في بداية عام 2012 لردع النظام السوري عن استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين بالإضافة للعقوبات الأمريكية.

هذه العقوبات الدولية بدأت تؤثر على الليرة السورية بشكل متصاعد في نهاية العام 2011، حيث بلغ سعر الصرف الدولار الواحد 59 ليرة سورية، أي بخسارة قدّرها الخبراء بـ 19% بعد أن كان سعر صرف الدولار نحو 46.5 ليرة قبل 2011. و في نهاية عام 2012 لحاجز الـ70 ليرة، أي بانخفاض يقدر بنحو 50%.
وفي آب 2013 وصل سعر الصرف لرقم مرعب حيث تجاوز الدولار الوحد حاجز الـ 300 ليرة سورية، وعزا بعض المراقبين هذا الانهيار الكبير لليرة الى التهديدات الأمريكية بالتدخل العسكري، بعد مجزرة الكيماوي التي قتل فيها نحو 1600 مدنياً في غوطتي دمشق، لكن المؤشرات كانت تشير إلى أن الليرة بدأت العام 2013 بانهيارات كبيرة.

وجرى تهريب أموال من سوريا بأرقام كبيرة، سواءً من قبل رؤوس الأموال السورية، أو من قبل رموز النظام. وبعد وقف التهديدات الأمريكية تدخل البنك المركزي في السوق ليبيع الدولار لشركات الصرافة حتى تبيعها للمواطنين .. فبلغ سعر الصرف 240 ليرة لكل دولار حتى وصل إلى في نهاية العام 2013 لسعر 163 ليرة مقابل الدولار.
وفي نهاية عام 2014، ووصلت قيمة الليرة إلى 218 ليرة مقابل الدولار. وخلال العام 2015 استمر هبوط الليرة وتضاعفت الأسعار بنحو 700 % وربما أكثر في عموم أرجاء البلاد .. ولم يغلق العام 2015 أبوابه حتى تجاوز الدولار الواحد حاجز 380 ليرة.

أما العام 2016 فهو عام المفاجأة المدوية لليرة .. الدولار يطرق أبواب الـ700 ليرة .. كارثة اقتصادية حلت بالبلاد نتيجة هذا الانهيار .. حيث أنه من المفترض وبعد تدخل القوات الروسية بشكل مباشر إلى جانب قوات الأسد ومليشياته .. من المفترض أن تهبط الليرة إلى مستويات منطقية .. لم يحصل ذلك .. بل تجاوز سعر صرف الدولار لأول مرة في تاريخ السورية لحاجز 600 ليرة.

قبل أن يتراجع في بداية شهر حزيران بعد تدخل المركزي وعاد الدولار إلى حاجز الـ400 ليرة .. لكنه أيضاً لم يصمد طويلاً، حيث عاود الارتفاع ليصل في بداية شهر تموز إلى حاجز الـ490 ليرة.

وشهدت الليرة السورية استقراراً حذراً إلى حدّ ما، عند حاجز الـ 500 ليرة سورية، مقابل الدولار الواحد إلى قبل شهر من الآن، حيث بدأت الليرة تهوي بشكل كبير متزامنة مع الاحتجاجات اللبنانية، إذ عمدت المصارف اللبنانية إلى وقف سحب الإيداعات فيها، ما شكّل ضغطاً على الاقتصاد السوري، حيث يعتقد أن معظم رجال الاعمال السوريين يودعون أموالهم في مصارف لبنان خوفاً من انهيار ما في المركزي السوري.

وتعمل حكومة الأسد جاهدة لتثبيت بقائها، عبر محاولة إقناع العالم بأن الوقت قد حان لإعادة بناء سوريا، عبر برنامج تنموي تقوده الأمم المتحدة. فإن عملية إعادة بناء سوريا سوف تكلف 250 مليار دولار، بينما تقدّرها حكومة النظام السوري بنحو 400 مليار دولار. وسوف تستغرق العملية حوالي 15 عاماً حسب بعض المسؤولين الأميركيين، ما يعني أنه يستحيل على دمشق الاضطلاع بهذه المهمة الضخمة بنفسها، سيما وأن ميزانية الدولة السورية للعام 2018 قُدِّرت بحوالي 3187 مليار ليرة سورية، أي أقل من 7 مليار دولار.

محاولات أثرياء سوريا لدعم الليرة
في نهاية شهر أيلول/سبتمبر عُقد اجتماع في شيراتون دمشق لأثرياء سوريا (كما وصف في وسائل الإعلام)، كان الهدف منه دعم الليرة السورية التي بدأت تنهار بشكل متسارع، حيث أجمع الحاضرون على وضع مبالغ مالية بالدولار كلّ حسب قدرته، على أن يتم دفع المبالغ تباعاً وبسعر تدخلي يحدد كل يوم بهدف زيادة سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار وبحسب وسائل إعلام موالية للنظام السوري مرافقة للاجتماع، أن أحداً لم يصرّح بمبلغه الذي سيودعه، ولكن كانت هناك على ما يبدو أوامر أن على الكل أن يدفع، والدولار سوف ينخفض ويصل إلى الـ500 مبدئياً، لكن حالة من الخوف والقلق سببت ارتفاع سعر الصرف مرة أخرى، وبدأ الدولار بشكل فعلي يتقدم نحو حاجز الـ 800 ليرة، وربما يتجاوز سعر الصرف حاجز الألف ليرة، خاصة مع الانهيارات الاقتصادية المتلاحقة.

بات واضحاً أن العقوبات الأمريكية على إيران حليف النظام السوري، وصاحب الخطوط الائتمانية وإمدادات النفط، بالإضافة للاحتجاجات الواسعة في العراق ولبنان، بدأت تؤثر بشكل فعلي على اقتصاد النظام السوري، حيث بدت كل عوامل الانهيار واضحة في جسد هذا الاقتصاد المنهك أصلاً، وفي محاولة من النظام السوري لكبت غضب مواليه، أصدر بشار الأسد مرسوماً تشريعياً يوم 21/11/2019 يقضي بزيادة رواتب موظفي الحكومة بمبلغ 20 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 27 دولاراً، وللمتقاعدين مبلغ 16 ألف ليرة أي ما يعادل 21 دولاراً أمريكياً.

ليفانت – مرهف دويدري

انهار الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب الماضية، وعلى كافة المستويات بسبب الحل الأمني المدمّر، الذي لجأ إليه النظام السوري في مواجهة معارضيه، إذ تمّ تدمير أجزاء واسعة من المدن الرئيسية السورية، وتسوية بعض أحياء هذه المدن بالأرض بسبب القصف المركّز والممنهج الذي اتبعه النظام، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية ومئات الآلاف من الضحايا بفعل القصف، بالإضافة لمئات الآلاف من المعتقلين وملايين المشردين خارج البلاد والذي يقدّر عددهم بنحو ستة ملايين في دول الجوار، ونحو مليون لاجئ في أوروبا، وأكثر من ستة ملايين نازح داخل الحدودية السورية بحسب تقارير أممية، وأدى هذا الخراب الاجتماعي والمعيشي بسبب آلة الحرب المدمّرة إلى هروب الاستثمارات التي كانت تعمل في سوريا، وتوقّف عجلة الاقتصاد شيئاً فشيئاً خاصة بعد فقدان النظام السوري لحقول النفط بعد سيطرة تنظيم داعش عليها، وبات يشتري النفط من تنظيم داعش عبر (سماسرة) موالين له؛ هذه الصفقات كانت تعتبر التمويل الأكبر لتنظيم داعش، حيث شارك النظام بهذا التمويل إلى جانب أطراف دولية وإقليمية.

في المقابل أفرزت الحرب في سوريا اقتصاداً موازياً للاقتصاد (الحكومي)، الذي يعاني من ترهّل القرارات، وتفصيل القوانين على مقاس شركات أصحاب النفوذ، أو الواجهات الاقتصادية لرجالات السلطة في الحلقة الضيقة للقصر الجمهوري، حيث بات هناك اقتصادٌ موازٍ هو الاقتصاد الرابح، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الحكومي من تبعات الانهيار، حيث استطاع لفترة ليست بالقليلة الهروب من العقوبات الدولية، في حين كانت تلك العقوبات تطبّق على الاقتصاد الحكومي، ما سارع في انهيار سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الرئيسية (دولار- يورو).

أدت هذه العوامل إلى خسارة الليرة السورية ما يعادل 15 ضعفاً من قيمتها قبل عام 2011 خلال السنوات التسع الماضية، والتي باتت في مهبّ ريح القرارات الدولية، خاصةً بعد رفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي إي عمليات لإعادة الإعمار في سوريا، دون الوصول لحل سياسي حقيقي، حيث قدّرت عملية إعادة الإعمار بـ 400 مليار دولار، بحسب تقارير دولية، والتي قد تستمر في حدّها الأدنى 15 سنة بعد الانطلاق بإعادة الإعمار.

الاقتصاد السوري ما قبل الثورة
سيطر على سوريا تاريخ اقتصادي مضطرب، خاصة بعد انقلاب عام 1963، الذي جاء بحزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة، ووضع سياسات اشتراكية للتأميم والإصلاح الزراعي، وفي عام 1970، تولى حافظ الأسد السلطة بعد أن كان وزيراً للدفاع ،عبر انقلاب سُميّ آنذاك (الحركة التصحيحية). وجرى  تخفيف بعض القيود المفروضة على المشاريع الخاصة، ولكن استمرّت سيطرة الدولة على جزء كبير من الاقتصاد. وبحلول الثمانينات، وجدت سوريا نفسها معزولة سياسياً واقتصادياً بعد الحظر الاقتصادي الذي فرض على سوريا في أعقاب مذابح حماه عام 1982، حيث وجدت الحكومة نفسها في خضمّ أزمة اقتصادية عميقة. انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 22 % بين عامي 1982 و1989. وفي عام 1990 تم تخفيف قيود الحظر الاقتصادي الدولي بعد مشاركة الأسد في محادثات السلام مع إسرائيل في مدريد، والموافقة على الاشتراك في حرب الخليج الثانية مع التحالف الدولي لتحرير الكويت، حيث وضعت حكومة الأسد سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية، على الرغم من أن الاقتصاد لا يزال يخضع لتنظيم كبير.

شهد الاقتصاد السوري نمواً قوياً طوال التسعينات، وفي العقد الأول من الألفية الثانية. وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في سوريا 4,058 دولاراً أمريكياً حيث شهد الاقتصاد بروز رجال أعمال جدد على السوق السورية كانوا بمثابة واجهات اقتصادية لرجالات السلطة العسكرية والأمنية والسياسية من ذوي مناصب الصف الأول وتمثلت، هذه الاقطاعات بالأبناء على الأغلب، وبعض الشخصيات ممن لا تاريخ فاسد لديهم؛ عزز هذا النمو مجموعة من القوانين التي تجعل ضريبة الدخل على المشاريع الكبرى تصل إلى الصفر، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تجني ضريبة دخل من الموظفيين.

قبل اندلاع الثورة السورية، كان القطاعان الرئيسيان للاقتصاد السوري هما الزراعة والنفط، اللذان كانا معاً يمثلان نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. ومثلت الزراعة، على سبيل المثال، نحو 26 % من الناتج المحلي الإجمالي ووظفت 25 في المائة من إجمالي قوة العمل. غير أن الظروف المناخية السيئة والجفاف الشديد كان له أثر سلبي على القطاع الزراعي، وبذلك انخفض نصيبه في الاقتصاد إلى حوالي 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، بعد أن كان 20.4 في المائة في عام 2007، وفقاً للبيانات الأولية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء. ومن ناحية أخرى، قوبل ارتفاع أسعار النفط الخام بانخفاض في إنتاج النفط، وأدّى إلى زيادة إيرادات الميزانية والصادرات.

الاقتصاد السوري مع بداية الثورة
في نهاية 2010 كان الدين الخارجي لسورية يقدّر بحوالي أربعة مليارات دولار، والداخلي بحوالي عشرة مليارات، مما يشكل 25% من إجمالي الناتج القومي السوري، وهي نسبة مقبولة إذا ما قورنت بوقائع تاريخية أو بدول أخرى، ويُقدّر البنك الدولي ومنظمة غرب أسيا الدَّين العام السوري بأكثر من مائة وخمسين بالمائة من الناتج المحلي السوري، وهي نسبة تقارب ما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، ويقدّر باحثون آخرون الدين العام السوري بأكثر من ذلك بكثير، وهذا ربما يكون صحيحاً من جهة النفقات العسكرية الإيرانية والروسية والتي لا يتم احتسابها كمبالغ على الحكومة الحالية، بل تتحملها حالياً الدول المصدرة لهذه القوى العسكرية، والتي تفكّر بشكل أو بآخر بنقل أعباء هذه النفقات إلى سورية عن طريق استثمارات نفطية أو عقارية أو اتصالات، كما أدّت العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي لردع نظام الأسد عن خياره العسكري في قمع السوريين، بالإضافة للتدمير والصراع المسلّح المرتبط بالحرب، بعد انتقال الثورة السورية من الخيار السلمي غلى التسليح، كلّ ذلك أدّى إلى تدمير اقتصاد سوريا.

وبحلول نهاية عام 2013، قدّرت الأمم المتحدة الأضرار الاقتصادية الكلية الناجمة عن الحرب السورية بمبلغ 143 مليار دولار، وسيصل مجموع الخسائر الاقتصادية من الحرب إلى 237 مليار دولار بنهاية عام 2015، وفقاً لما أفادت به لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، وسيكلّف استيلاء المعارضة السورية على معبر نصيب الحدودي ما بين 500 إلى 700 مليون دولار في السنة كذل، وفي عام 2018، قدّر البنك الدولي أن حوالي ثلث مجموع مساكن سوريا ونصف مرافقها الصحية والتعليمية قد دمّرها النزاع. ووفقاً للبنك الدولي، فُقد ما مجموعه 226 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي بسبب النزاع من عام 2011 إلى عام 2016.

العقوبات الدولية على النظام السوري
لم تؤثّر العقوبات الأمريكية التي فرضت قبل عام 2011 على الاقتصاد السوري، لانها كانت تستهدف ردع النظام عن بعض الممارسات التي كانت تزعج الولايات المتحدة، خاصة علاقة النظام السوري بحليفته إيران، التي تعتبرها الولايات المتحدة أحد أخطر الأعداء، من بين تلك العقوبات إدراج سوريا في قائمة الدولة الراعية للارهاب، وتشمل هذه التدابير العقوبات المقرّرة تشريعياً، بما في ذلك العقوبات المفروضة على الصادرات، وعدم الأهلية لتلقّي معظم أشكال المعونة الأمريكية أو شراء المعدات العسكرية الأمريكية، وفي عام 2004 فرضت مجموعة شاملة من العقوبات الاقتصادية في ظل إدارة بوش. حيث فرض قانون (محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية) عقوبات على سوريا حظرت بموجبها معظم الصادرات إلى سوريا باستثناء المواد الغذائية والأدوية، وحظر على وجه التحديد تصدير معظم السلع التي تحتوي على أكثر من 10% من القطع المصنّعة في الولايات المتحدة إلى سوريا.

وبعد عدة أشهر من استخدام القتل الممنهج من قبل قوات النظام السوري، وعصابات الشبيحة الموالية له، أصدرت الجامعة العربية القرار رقم 7442 الصادر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، بشأن متابعة تطورات الوضع في سوريا. في 27 نوفمبر/تشرين الثاني حمل هذا القرار مجموعة من العقوبات الاقتصادية، شملت وقف التعامل مع البنك المركزي السوري، ووقف التبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية، باستثناء السلع الاستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية، ووقف التعاملات المالية مع الحكومة السورية، وفرض الاتحاد الأوربي مجموعة من العقوبات الاقتصادية في بداية عام 2012 لردع النظام السوري عن استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين بالإضافة للعقوبات الأمريكية.

هذه العقوبات الدولية بدأت تؤثر على الليرة السورية بشكل متصاعد في نهاية العام 2011، حيث بلغ سعر الصرف الدولار الواحد 59 ليرة سورية، أي بخسارة قدّرها الخبراء بـ 19% بعد أن كان سعر صرف الدولار نحو 46.5 ليرة قبل 2011. و في نهاية عام 2012 لحاجز الـ70 ليرة، أي بانخفاض يقدر بنحو 50%.
وفي آب 2013 وصل سعر الصرف لرقم مرعب حيث تجاوز الدولار الوحد حاجز الـ 300 ليرة سورية، وعزا بعض المراقبين هذا الانهيار الكبير لليرة الى التهديدات الأمريكية بالتدخل العسكري، بعد مجزرة الكيماوي التي قتل فيها نحو 1600 مدنياً في غوطتي دمشق، لكن المؤشرات كانت تشير إلى أن الليرة بدأت العام 2013 بانهيارات كبيرة.

وجرى تهريب أموال من سوريا بأرقام كبيرة، سواءً من قبل رؤوس الأموال السورية، أو من قبل رموز النظام. وبعد وقف التهديدات الأمريكية تدخل البنك المركزي في السوق ليبيع الدولار لشركات الصرافة حتى تبيعها للمواطنين .. فبلغ سعر الصرف 240 ليرة لكل دولار حتى وصل إلى في نهاية العام 2013 لسعر 163 ليرة مقابل الدولار.
وفي نهاية عام 2014، ووصلت قيمة الليرة إلى 218 ليرة مقابل الدولار. وخلال العام 2015 استمر هبوط الليرة وتضاعفت الأسعار بنحو 700 % وربما أكثر في عموم أرجاء البلاد .. ولم يغلق العام 2015 أبوابه حتى تجاوز الدولار الواحد حاجز 380 ليرة.

أما العام 2016 فهو عام المفاجأة المدوية لليرة .. الدولار يطرق أبواب الـ700 ليرة .. كارثة اقتصادية حلت بالبلاد نتيجة هذا الانهيار .. حيث أنه من المفترض وبعد تدخل القوات الروسية بشكل مباشر إلى جانب قوات الأسد ومليشياته .. من المفترض أن تهبط الليرة إلى مستويات منطقية .. لم يحصل ذلك .. بل تجاوز سعر صرف الدولار لأول مرة في تاريخ السورية لحاجز 600 ليرة.

قبل أن يتراجع في بداية شهر حزيران بعد تدخل المركزي وعاد الدولار إلى حاجز الـ400 ليرة .. لكنه أيضاً لم يصمد طويلاً، حيث عاود الارتفاع ليصل في بداية شهر تموز إلى حاجز الـ490 ليرة.

وشهدت الليرة السورية استقراراً حذراً إلى حدّ ما، عند حاجز الـ 500 ليرة سورية، مقابل الدولار الواحد إلى قبل شهر من الآن، حيث بدأت الليرة تهوي بشكل كبير متزامنة مع الاحتجاجات اللبنانية، إذ عمدت المصارف اللبنانية إلى وقف سحب الإيداعات فيها، ما شكّل ضغطاً على الاقتصاد السوري، حيث يعتقد أن معظم رجال الاعمال السوريين يودعون أموالهم في مصارف لبنان خوفاً من انهيار ما في المركزي السوري.

وتعمل حكومة الأسد جاهدة لتثبيت بقائها، عبر محاولة إقناع العالم بأن الوقت قد حان لإعادة بناء سوريا، عبر برنامج تنموي تقوده الأمم المتحدة. فإن عملية إعادة بناء سوريا سوف تكلف 250 مليار دولار، بينما تقدّرها حكومة النظام السوري بنحو 400 مليار دولار. وسوف تستغرق العملية حوالي 15 عاماً حسب بعض المسؤولين الأميركيين، ما يعني أنه يستحيل على دمشق الاضطلاع بهذه المهمة الضخمة بنفسها، سيما وأن ميزانية الدولة السورية للعام 2018 قُدِّرت بحوالي 3187 مليار ليرة سورية، أي أقل من 7 مليار دولار.

محاولات أثرياء سوريا لدعم الليرة
في نهاية شهر أيلول/سبتمبر عُقد اجتماع في شيراتون دمشق لأثرياء سوريا (كما وصف في وسائل الإعلام)، كان الهدف منه دعم الليرة السورية التي بدأت تنهار بشكل متسارع، حيث أجمع الحاضرون على وضع مبالغ مالية بالدولار كلّ حسب قدرته، على أن يتم دفع المبالغ تباعاً وبسعر تدخلي يحدد كل يوم بهدف زيادة سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار وبحسب وسائل إعلام موالية للنظام السوري مرافقة للاجتماع، أن أحداً لم يصرّح بمبلغه الذي سيودعه، ولكن كانت هناك على ما يبدو أوامر أن على الكل أن يدفع، والدولار سوف ينخفض ويصل إلى الـ500 مبدئياً، لكن حالة من الخوف والقلق سببت ارتفاع سعر الصرف مرة أخرى، وبدأ الدولار بشكل فعلي يتقدم نحو حاجز الـ 800 ليرة، وربما يتجاوز سعر الصرف حاجز الألف ليرة، خاصة مع الانهيارات الاقتصادية المتلاحقة.

بات واضحاً أن العقوبات الأمريكية على إيران حليف النظام السوري، وصاحب الخطوط الائتمانية وإمدادات النفط، بالإضافة للاحتجاجات الواسعة في العراق ولبنان، بدأت تؤثر بشكل فعلي على اقتصاد النظام السوري، حيث بدت كل عوامل الانهيار واضحة في جسد هذا الاقتصاد المنهك أصلاً، وفي محاولة من النظام السوري لكبت غضب مواليه، أصدر بشار الأسد مرسوماً تشريعياً يوم 21/11/2019 يقضي بزيادة رواتب موظفي الحكومة بمبلغ 20 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 27 دولاراً، وللمتقاعدين مبلغ 16 ألف ليرة أي ما يعادل 21 دولاراً أمريكياً.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit