الرئيسية » زوايا و آراء » الرأي » ازدواجية السياسة الخارجية الأمريكية ومخاطرها شرق الأوسطية
أسامة محمود آغي
أسامة محمود آغي

ازدواجية السياسة الخارجية الأمريكية ومخاطرها شرق الأوسطية

يعرف المهتمون بالشأن الأمريكي، أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية هي محصلة توازن قوى بين تيارين أمريكيين يتصارعان داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، هذان التياران يتناقضان في نظرتهما لبؤر الصراع الدولية، التي تؤثر على مصالح الولايات المتحدة، أو مصالح حلفائها، وكذلك يتناقضان في أسلوب حلهما لهذه الصراعات.

يمتاز التيار الأول، والذي سنطلق عليه اسم “تيار الاحتواء”، بأنه ينظر إلى بؤر الصراع المعادية على أنها بؤر يمكن احتواؤها عبر أساليب ووسائل غير عنفية، ويكون العنف العسكري هو الأسلوب الأخير، الذي يلجأ إليه هذا التيار، ويمكن الدلالة عليه من خلال انموذج حكم إدارة باراك أوباما.

ويمتاز التيار الثاني، والذي سنطلق عليه اسم “تيار القوة”، بأنه ينظر إلى بؤر الصراع المعادية للأمريكيين، أو لحلفائهم، على أنها بؤر يجب تفريغ وسحق قوتها المهددة عبر أساليب الحرب العسكرية.

هذان التياران، هما في الحقيقة انعكاس جلي للصراع داخل مؤسسات الحكم الأمريكية،(البيت الأبيض- الكونغرس بمجلسيه- البنتاغون- وكالة CIA ). وهما أيضاً يعكسان طبيعة التوازن الداخلي ضمن هذه المؤسسات. إذ أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تمتلك هامشاً من الصلاحيات، يمكنها من رسم السياسات الأمريكية، ووضع هذه السياسات على طاولة الرئيس في البيت الأبيض.

إن قوة الرئيس الأمريكي المنتخب، تجد نفسها أمام هذا الاتحاد غير المعلن للدولة العميقة، ويمكن بيان أن من يقف خلف هذين التيارين، هي مصالح الشركات الأمريكية الكبرى، والتي قد تتناقض مع استراتيجية أو سياسة الإدارة الأمريكية، فهذه الشركات هي من يصنع شيوخ الكونغرس ونوابه. وبالتالي فنحن كمراقبين خارجيين، نرى الصراع بصورته السياسية المعلنة، ولا نرى خفاياه السرية المتعلقة بالسيطرة على الأسواق العالمية، وعلى ضرورة اتباع أسلوب أمني وعسكري، يحافظ على هذه السيطرة.

لقد أماط كتاب جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي المستقيل من إدارة ترامب، والمعنون ب”استدعاء إشارة فوضى.. تعلم تولي القيادة” اللثام عن هذا الصراع الداخلي بين التيارين الأمريكيين. لقد كان ماتيس مع سحق البرنامج النووي الإيراني في مهده، من خلال ضربات عسكرية تدمره تماماً، في وقت رفض الرئيس باراك أوباما هذا الأسلوب، وانتهج أسلوب التواصل السري مع إيران بشأن برنامجها النووي، وصولاً إلى الاتفاق المسمى (خمسة + واحد) مع إيران.

هذا الاتفاق أعطى إيران مزايا عديدة، ازدادت بموجبها قوة إيران السياسية والعسكرية والتقليدية، وازداد مع هذه المزايا تدخلها في شؤون دول إقليم الشرق الأوسط العربية، الأمر الذي اعتبره ماتيس خطأً استراتيجياً ارتكبه الرئيس باراك أوباما، وهو خطأ سيكلف الولايات المتحدة خسائر غير منظورة في اللحظة الآنية، ولعل في مقدمة هذه الخسائر ابتعاد حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة عنها.

إذاً، يمكن قراءة سياسة الرئيس أوباما، بأنها في عمقها الحقيقي سياسة” الفوضى الخلاقة” بأسلوب تيار الاحتواء، هذه السياسة التي تعتمدها القوى النافذة في “الدولة العميقة” في أمريكا، وقد ظهرت هذه السياسة من خلال انجازها الاتفاق النووي وملاحقه مع إيران. وظهرت أيضاً بامتناع أوباما عن ضرب النظام السوري بعد استخدامه السلاح الكيماوي، كما قال الأمريكيون عنه، بأنه خط أحمر. تم إغماض العينين عنه، لأسباب تتضح من خلال وجود الصراع داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، والتي كانت يد اسرائيل هي المسيطرة على قرار هذه المؤسسات في تلك الآونة.

أما سياسة ترامب، فهي الأخرى، تجد نفسها أسيرة هذه الصراعات الداخلية، وقد ظهرت عدم قدرة ترامب على تنفيذ انسحابه العسكري من سوريا، وكأنها محصلة ضغط سياسي كبير، مارسته قوى “الدولة العميقة” عليه. وقد ظهر هذا الضغط الشديد بعد أن ألغى الرئيس دونالد ترامب تصريحاً أمنياً لرئيس جهاز CIA في شهر آب عام 2018. حيث وقع رؤساء جهاز المخابرات المركزية الأمريكية السابقون وعددهم اثنا عشر مديراً بياناً، قالوا فيه:” أن ما فعله ترامب ما هو إلا محاولة لخنق حرية التعبير”.

إن ترامب صاحب الخبرة الضعيفة على مستوى إدارة الدولة الأمريكية، وجد نفسه أمام تحديات كبيرة، وصلت إلى حدود محاكمته أمام الكونغرس، وسبب هذه المحاكمة الحقيقي، ليس كما يقول الاعلام الأمريكي، أو تصريحات بعض أعضاء مجلس النواب من غير المؤيدين لسياسة إدارة ترامب، فواضح للعيان، أن الذين يريدون محاكمة ترامب، هم من يقفون مع تيار “الاحتواء”، أي مع احتواء إيران سياسياً وتفاوضياً، وضد سياسة مواجهتها، التي رسمتها الإدارة الحالية. هذه السياسة تمتاز بتقسيم النفوذ الإيراني إلى مناطق، يمكن تفريغ النفوذ منها، من خلال خصوصيات كل منطقة، وهو ما يعني نزيفاً للحكم الإيراني، إضافة إلى مزامنة ذلك النزيف بسلسلة من العقوبات الاقتصادية الشديدة، وصولاً إلى حد إنهاك النظام الإيراني، ودفع البلاد للإنفجار الداخلي.

هذه السياسة، هي سياسة “تيار القوة” بأسلوب جديد، وكلفة قليلة، وفاعلية أكبر، وهو أسلوب تضرر منه حلفاء الولايات المتحدة في أوربا الغربية، والذين يريدون التوصل إلى صيغة يحافظون بموجبها على امتيازاتهم الاقتصادية مع إيران، والتي صارت في حالة إزعاج لهم. إذ أن العقوبات الأمريكية ستطال كل جهات تتعامل مع إيران اقتصادياً، إذا خرقت قوانين العقوبات المطبقة عليها.

“تيار الاحتواء” له أذرع أوربية ودولية، وهو مع إيجاد صيغة تفاهم مع إيران بعيداً عن الحرب معها. ولكن هذا التيار لم يستطع حتى اللحظة منع إدارة ترامب من الذهاب أبعد في تنفيذه، ولذلك تبدو محاكمة ترامب، وكأنها ذات هدفين اثنين هما: الأول، منع ترامب من تجديد ولايته الثانية نتيجة هذه الحملة المترافقة مع محاكمته، وهي حملة قد ترتد ضد من يقف خلفها، وتمنح ترامب قوة إضافية بمواجهة خصومه، ومواجهة “الدولة العميقة”. الهدف الثاني هو تصحيح السياسة الترامبية بما يخدم أهداف خصومه في “الدولة العميقة”.

هذا الصراع الداخلي بين التيارين الأمريكيين، ينعكس سلباً على علاقات ومصالح الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين، وهو يهز صورتها الدولية، ويجعل نتائج سياساتها الخارجية رهن صراع التيارين وتناقضهما، وقد ظهر هذا التناقض جلياً في قرار ترامب سحب قواته من سوريا، وهو أمر أزعج خصوم سياسته الداخليين، فهم لا يريدون أن تنجح سياسة ترامب، وتحصد نقاطاً لمصلحة تجديد ولايته الرئاسية.

إن الصراع الداخلي في الإدارة الأمريكية، سيجعل من أبعادها الدولية في حالة اضطراب، مما قد ينعكس خطراً على المصالح الأمريكية، ويخدم أجندات إقليمية، تخشى الولايات المتحدة نتائجها عليها.

بقي أن نقول: هل يتسع صراع التيارين الأمريكيين، ليغدو مؤشراً على بداية تراجع سيطرة الولايات المتحدة دولياً، وبدء مرحلة دولية جديدة، هي مرحلة تعدد الأقطاب، بدلاً من القطب الواحد المهيمن.

أسامة محمود آغي

كاتب سوري

 

شاهد أيضاً

منى غانم

مصر تحمي سوريا

شكّل عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي نقطة تحول كبيرة في مستقبل جمهورية مصر العربية، …

أترك رد