الرئيسية » زوايا و آراء » الرأي » أي استقرار يحققه نظام يُنتج التطرف ويصدّره للعالم؟
سميرة مبيض
سميرة مبيض

أي استقرار يحققه نظام يُنتج التطرف ويصدّره للعالم؟

لابد أن التساؤل الأكثر مشروعية اليوم هو كيفية قبول المنظومة الدولية باستمرارية نظام قمعي استبدادي، كنظام الأسد، لفترة زمنية تتجاوز خمسة عقود رغم وجود تقارير حقوقية كثيرة توثق الانتهاكات الحاصلة في حقبة الأسد الأب في السجون وأقبية المخابرات وتضييق الحُريات الفردية والسياسية وحرية التعبير والرأي، لكن ذلك لم يدفع بالمنظومة التي تتبنى شرعة حقوق الانسان كمبادئ رئيسية بالضغط لتغيير سلوكيات نظام الأسد، أو الدفع بتغييره جذرياً لهذه الأسباب. أما الاجابة التي نقع عليها كرد على هذا السؤال، لماذا سُمح لنظام الأسد بالاستمرارية لخمسة عقود؟ هي وفق كثير من المراجع النظرية أو مقالات الرأي التي تحلل علاقة الأسد بالقوى العظمى خلال الحقبة الماضية، تُفسّر الأمر بكونه نظام مستقر حافظ على الاستقرار في سوريا، الكلمة المفتاحية التي اهتم بها المجتمع الدولي والتي انبثق منها تبني لمفاهيم مرتبطة أخرى كالأمن في المنطقة والعالم في مقايضة مع حرية الشعب السوري أو شعوب المنطقة عموماً والتي كانت تتراوح بدرجات متفاوتة تحت نُظم قمعية.

فهل كانت هذه المقايضة رابحة؟

يكمن الخلل بداية في توصيف الحال المُستقر والمنظومة التي تُحافظ على حالة الاستقرار فلمثل هذه النُظم مواصفات لا تنطبق أي منها على نظام الأسد، بدءاً بالتعريف العلمي المبسط للحالات والنظم المستقرة على كافة الصعد والتي توصف عموماً بالمسار المستدام الذي يحفظ التوازن والقابل للتجديد الذاتي بحيث تكون الاستجابة الحرة للانحراف في هذه النظم تميل إلى الصفر إلى ما لا نهاية، أي انها ذات مسار غير متأرجح وتمتلك القدرة للعودة إلى وضع التوازن استجابة لأي انحراف عنه، بينما يميل النظام غير المستقر إلى التأرجح باستمرار والانحراف وعدم العودة للوضع السابق لكن الأمر لا ينحصر بين هذه الثنائية وحسب بل أن درجات الانحراف عن وضع الاستقرار الأول تحدد هي الأخرى مدى ثبات أي منظومة واستمراريتها.

لنقرأ حقبة نظام الأسد اذاً من هذا التوصيف العلمي، ضمن ثنائية الحرية وما عُرّفَ بالاستقرار. أدى وهم هذا الاستقرار المقروء من الخارج الى نوع من الاطمئنان والتغاضي عن ممارسات الأسد لعقود لكنه اطمئنان قاصر الرؤية عجز عن تلمس نتائج هذا التجميد والتقييد القسري للمجتمع ونتائج القمع الهمجي للحريات ونتائج الهيمنة الأيديولوجية المحملة بمبادئ العداء والقائمة على نظرية خلق العدو ونظرية المؤامرة الخارجية والمنهج القائم على تعزيز الفساد وتقويض المنظومة القيمية الإنسانية.

نتائج هذا النظام الثابت لعقود خمس بالقوة وليس بالتوازن، هي نتائج لا تقتصر على من هم ضحايا هذا القمع وحسب بل على من هم في موقع الجلاد أيضاً، نتائج تجلى معظمها بما طفى على سطح المجتمع بوضوح في العشر سنوات الأخيرة من ظواهر منحرفة أظهرت انعدام الاعتراف بحقوق الانسان، بالقانون وبالعدالة بكونها قيم غابت من حياة السوريين لدرجة عدم الايمان بها وعدم اعتمادها بل اعتماد صفات سادت كصفات يتقدم بها الفرد في دولة الكذب والفساد والقمع الهمجي.

ما تم تعريفه وتم تبنيه تحت مسمى الاستقرار اذاً واستمر وفقه الأسد لخمسة عقود، تُرجم في الواقع بوضع ثبات مُصطنع يعتمد على تجميد وتقييد شمولي لمجتمع حي يُفترض بمساره الطبيعي المتوازن أن يتوجه نحو التقدم والتطور جميع الصعد وفي الوقت الذي كان به العالم يتقدم كان القمقم يزداد ضيقاً على الشعب السوري كمحيط موبوء ينمي ظواهر منحرفة أبرز ما يثير التوجس فيها على الصعيد المحلي، الإقليمي والعالمي هو التطرف الذي برز بشكل مجموعات وأفكار إرهابية قابلة للتصدير وللتوسع والامتداد كنتيجة رئيسية لمنظومة مُنتجة للإرهاب ومُصدرة له مما ينقض أطروحة المقارنة بين الحرية والاستقرار فهي في الواقع أطروحة بين التجميد ضمن اطار من القمع والظلم والتجهيل وبين التطور الإنساني الطبيعي للمجتمع بتفاعله مع العالم ومع مفاهيم الحداثة والانفتاح ولعل الاختيار يُصبح أوضح في هذه الحالة بالنسبة للسوريين أنفسهم وبالنسبة للمجتمع الدولي الذي يرجح حالة الاستقرار، وهو أبعد ما يكون عن ذلك، في حين انه يجب أن يُرجح حالة التطور المرتبط بسياق آخر تماماً هو الحرية المسؤولة والواعية التي تصل بالمجتمع للتوازن التدريجي، وبالعودة للاطار النظري المطروح آنفاً في توصيف منظومة الاستقرار فنظام الأسد قد أظهر مسار خطي ظاهري متضمناً في آلياته توليد ذاتي لانحراف غير قابل للعودة للحالة السابقة وغير قابل للانتقال لوضع توازن جديد بل هو تدمير ذاتي كامل للمنظومة القائمة مع احتمالية تصدير التأرجح وعدم الاستقرار لنظم محيطة في فضاء مركب ومترابط بصلات دينية، أيديولوجية وغير ذلك. مما يجعل منه عنصر تهديد للاستقرار والامن المحلي، الإقليمي والعالمي ويتوجب على كل من يحمل وعي سليم تجاه هذه المسؤوليات أن يسعى لإنهاء هذه الحقبة نحو توازن حقيقي ومستدام يحقق الاستقرار للجميع.

د سميرة مبيض

عضو اللجنة الدستورية السورية، باحثة في الانثروبولوجيا

شاهد أيضاً

أحمد مطر

لبنان إلى أين؟!

بعد شهر على بداية انتفاضة 17 تشرين الأول وما رافقها من شبه صمت دولي حيال …

أترك رد