آخر أخبار مشروعنا الوطني!

ثائر الزعزوع
ثائر الزعزوع

ثائر الزعزوعصحفي سوري

طرحت الثورة السورية تساؤلات عديدة، ربما ليس بشكل مباشر، لكنها على الأقل طرحت في ندوات ضمن إطار ضيق مثلاً، حول ما هو شكل سوريا مستقبلاً حال سقوط النظام؟ أو كيف يمكن توزيع الأدوار في دولة حكمت على مدى نصف قرن من قبل حزب واحد، وأشخاص لم يتغيروا تقريباً. تولوا مناصبهم في عهد الديكتاتور الأب، واستمروا في عملهم بعد أن ورث الابن الحكم عن أبيه؟ هذه التساؤلات لم تجد إجابات لها، لكثير من الأسباب، أولها أنه ليس ثمة مشروع وطني سوري واضح الملامح، تم طرحه خلال هذه السنوات الداميات. كان أحد أبرز تلك الأسباب تعدد الأوصياء على القوى السورية التي تصدرت المشهد، و الاختلاف فيما بينهم، أقصد الأوصياء طبعاً، فقد حاول كل منهم رسم صورة سوريا المستقبلية وفق رؤيته الشخصية، أو مشروعه، رغم الإعلان الرسمي طبعاً أن من سوف يقرر مستقبل سوريا هم أبناء شعبها، لكننا نعلم أن هذا مجرد كلام للتسويق الإعلامي ليس إلا، فالشعوب لا يحق لها أن تقرر شيئاً إلا إذا انتصرت بنفسها لنفسها، أما عندما يصير قرار هزيمتها أو نصرها خارجياً، فالحقيقة تقول إن من يمسك بخيوط اللعبة هو من سوف يقرر. في حالة نظام دمشق كان الأمر واضحاً، وسهلاً فما يقرره الكرملين تنفذه دمشق دون نقاش، أما على الطرف الآخر، فقد وقع الارتباك الكبير إذ تعددت الولاءات و تشتت، ما بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، وبعض دول الخليج الفاعلة، وبدا أن تلك “المنصات” المعارضة أشبه بحقل تجارب لمشغليها، فهي لا تكاد تطلق تصريحاً، حتى تأتي بتصريح مغاير له على الفور، سنشارك، لن نشارك، سنقوم، لن نقوم، فكيف والحالة هذه يمكن أن يتوقع منها التأسيس لمشروع وطني، بل هل تعي أصلاً معنى ذلك المشروع!

 
سوف يتبدى عند كل حدث مفصلي عمق ذلك الشرخ الذي خلفته السنوات الفارطات، وهذا طبيعي، ليس في الحالة السورية فحسب، ولكن في أية حالة أخرى، غير أن ما يزيد الطين بللاً كما يقال هو ذلك الارتماء الذي تبديه هذه الجهة أو تلك من المعارضات خدمة لمشروع لا يخدم أصلاً المشروع الوطني السوري، ويمكن لطفل صغير، على سبيل المثال، أن يقول إن العملية العسكرية التي شنتها القوات التركية على منطقة الجزيرة السورية، سوف تقودنا إلى مزيد من الخلل. لكن، وهنا الطامة الكبرى، انقادت المعارضة، جزء كبير منها، سياسياً وعسكرياً، لتأييد تلك العملية والمشاركة فيها، سوف يسلّط إعلام، له مصلحة ما، على أن تلك الحرب هي ضد الكرد فحسب، و بهذا يمكن إشعال المشاعر القومية عند هذا الطرف أو ذاك. وفي ظل غياب لمشروع وطني سوري، فإنه من السهل الاصطياد في هذه المياه، وتحويل المعركة التي هي في جوهرها احتلال، إلى عملية تحرير… ممن؟ حسناً من قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل حزب العمال الكردستاني أحد أعمدتها الرئيسة إن لم يكن أقواها طبعاً بحكم خبرته الطويلة، لكن الحقيقة أن ٣٠٠ ألف مواطن سوري تم تهجيرهم من بيوتهم، ليسوا من أتباع ذلك الحزب، بل إن منهم من يظهر عداءه للحزب وتوجهاته، وهذه حقيقة، يستطيع مطلع عابر على الوضع في مناطق الإدارة الذاتية معرفتها، بل وتوثيقها.

استمرت المعارك عدة أيام، كانت نتيجتها قتلاً وتهجيراً، كما هي عادة الحروب دائماً، لكن أثرها على المشروع الوطني السوري سوف يحتاج سنوات من العلاج، خاصة في ظل التحشيد الذي تقوم به جهات لها أغراض في استمرار النار مشتعلة، ودون أن يكون أحد متهماً بشكل كامل أو بريئاً بشكل كامل أيضاً.

سوف تبدأ لجان صياغة الدستور عملها قريباً، سوف تدبج نصوصاً لا نشك بأنها قد تستعيرها من دساتير عالمية، و لكن الدستور المرتقب لن يراعي الحالة التي وصلنا إليها، فهو سيظل مجرد حبر على ورق، ولن يؤسس لمشروع وطني أبداً.. لأن هذا المشروع يستوجب عملاً مجتمعياً تقوم به نخب ثقافية، وسياسية لها ثقل و وزن في الشارع السوري، وطبعاً في حالتنا، هذا الأمر ليس متاحاً على الإطلاق.

تساءلت ساخراً بعد الاتفاق الأميركي التركي على وقف إطلاق النار عن آخر تحديثات الخريطة السورية، و الحقيقة أن ذلك التساؤل الساخر يحمل في ثناياه جملة من الحقائق التي ينبغي التدقيق فيها، فالخريطة السورية ليست جغرافيا فحسب، لكنها تنوع قومي و ديني و طائفي، وقد اختلط حابله بنابله، و وصل فيه الاحتقان ذروته بانتظار أن تتوقف نيران المعارك، وينظر كل سوري ماذا تبقى له من الذاكرة.

في هذه الأثناء، يتم التحضير لمعركة حاسمة في إدلب، هكذا أعلن رأس النظام خلال زيارة قام بها إلى خطوط الجبهة، تلك المعركة، حال وقعت، سوف تسبب نزوحاً و تبديداً جديداً لتلك الجغرافيا، فهل يتوقف السوريون قليلاً لينظروا إلى مشروع وطني يجمعهم أم أننا ذاهبون جميعاً إلى الجحيم؟

….

ثائر الزعزوعصحفي سوري

طرحت الثورة السورية تساؤلات عديدة، ربما ليس بشكل مباشر، لكنها على الأقل طرحت في ندوات ضمن إطار ضيق مثلاً، حول ما هو شكل سوريا مستقبلاً حال سقوط النظام؟ أو كيف يمكن توزيع الأدوار في دولة حكمت على مدى نصف قرن من قبل حزب واحد، وأشخاص لم يتغيروا تقريباً. تولوا مناصبهم في عهد الديكتاتور الأب، واستمروا في عملهم بعد أن ورث الابن الحكم عن أبيه؟ هذه التساؤلات لم تجد إجابات لها، لكثير من الأسباب، أولها أنه ليس ثمة مشروع وطني سوري واضح الملامح، تم طرحه خلال هذه السنوات الداميات. كان أحد أبرز تلك الأسباب تعدد الأوصياء على القوى السورية التي تصدرت المشهد، و الاختلاف فيما بينهم، أقصد الأوصياء طبعاً، فقد حاول كل منهم رسم صورة سوريا المستقبلية وفق رؤيته الشخصية، أو مشروعه، رغم الإعلان الرسمي طبعاً أن من سوف يقرر مستقبل سوريا هم أبناء شعبها، لكننا نعلم أن هذا مجرد كلام للتسويق الإعلامي ليس إلا، فالشعوب لا يحق لها أن تقرر شيئاً إلا إذا انتصرت بنفسها لنفسها، أما عندما يصير قرار هزيمتها أو نصرها خارجياً، فالحقيقة تقول إن من يمسك بخيوط اللعبة هو من سوف يقرر. في حالة نظام دمشق كان الأمر واضحاً، وسهلاً فما يقرره الكرملين تنفذه دمشق دون نقاش، أما على الطرف الآخر، فقد وقع الارتباك الكبير إذ تعددت الولاءات و تشتت، ما بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، وبعض دول الخليج الفاعلة، وبدا أن تلك “المنصات” المعارضة أشبه بحقل تجارب لمشغليها، فهي لا تكاد تطلق تصريحاً، حتى تأتي بتصريح مغاير له على الفور، سنشارك، لن نشارك، سنقوم، لن نقوم، فكيف والحالة هذه يمكن أن يتوقع منها التأسيس لمشروع وطني، بل هل تعي أصلاً معنى ذلك المشروع!

 
سوف يتبدى عند كل حدث مفصلي عمق ذلك الشرخ الذي خلفته السنوات الفارطات، وهذا طبيعي، ليس في الحالة السورية فحسب، ولكن في أية حالة أخرى، غير أن ما يزيد الطين بللاً كما يقال هو ذلك الارتماء الذي تبديه هذه الجهة أو تلك من المعارضات خدمة لمشروع لا يخدم أصلاً المشروع الوطني السوري، ويمكن لطفل صغير، على سبيل المثال، أن يقول إن العملية العسكرية التي شنتها القوات التركية على منطقة الجزيرة السورية، سوف تقودنا إلى مزيد من الخلل. لكن، وهنا الطامة الكبرى، انقادت المعارضة، جزء كبير منها، سياسياً وعسكرياً، لتأييد تلك العملية والمشاركة فيها، سوف يسلّط إعلام، له مصلحة ما، على أن تلك الحرب هي ضد الكرد فحسب، و بهذا يمكن إشعال المشاعر القومية عند هذا الطرف أو ذاك. وفي ظل غياب لمشروع وطني سوري، فإنه من السهل الاصطياد في هذه المياه، وتحويل المعركة التي هي في جوهرها احتلال، إلى عملية تحرير… ممن؟ حسناً من قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل حزب العمال الكردستاني أحد أعمدتها الرئيسة إن لم يكن أقواها طبعاً بحكم خبرته الطويلة، لكن الحقيقة أن ٣٠٠ ألف مواطن سوري تم تهجيرهم من بيوتهم، ليسوا من أتباع ذلك الحزب، بل إن منهم من يظهر عداءه للحزب وتوجهاته، وهذه حقيقة، يستطيع مطلع عابر على الوضع في مناطق الإدارة الذاتية معرفتها، بل وتوثيقها.

استمرت المعارك عدة أيام، كانت نتيجتها قتلاً وتهجيراً، كما هي عادة الحروب دائماً، لكن أثرها على المشروع الوطني السوري سوف يحتاج سنوات من العلاج، خاصة في ظل التحشيد الذي تقوم به جهات لها أغراض في استمرار النار مشتعلة، ودون أن يكون أحد متهماً بشكل كامل أو بريئاً بشكل كامل أيضاً.

سوف تبدأ لجان صياغة الدستور عملها قريباً، سوف تدبج نصوصاً لا نشك بأنها قد تستعيرها من دساتير عالمية، و لكن الدستور المرتقب لن يراعي الحالة التي وصلنا إليها، فهو سيظل مجرد حبر على ورق، ولن يؤسس لمشروع وطني أبداً.. لأن هذا المشروع يستوجب عملاً مجتمعياً تقوم به نخب ثقافية، وسياسية لها ثقل و وزن في الشارع السوري، وطبعاً في حالتنا، هذا الأمر ليس متاحاً على الإطلاق.

تساءلت ساخراً بعد الاتفاق الأميركي التركي على وقف إطلاق النار عن آخر تحديثات الخريطة السورية، و الحقيقة أن ذلك التساؤل الساخر يحمل في ثناياه جملة من الحقائق التي ينبغي التدقيق فيها، فالخريطة السورية ليست جغرافيا فحسب، لكنها تنوع قومي و ديني و طائفي، وقد اختلط حابله بنابله، و وصل فيه الاحتقان ذروته بانتظار أن تتوقف نيران المعارك، وينظر كل سوري ماذا تبقى له من الذاكرة.

في هذه الأثناء، يتم التحضير لمعركة حاسمة في إدلب، هكذا أعلن رأس النظام خلال زيارة قام بها إلى خطوط الجبهة، تلك المعركة، حال وقعت، سوف تسبب نزوحاً و تبديداً جديداً لتلك الجغرافيا، فهل يتوقف السوريون قليلاً لينظروا إلى مشروع وطني يجمعهم أم أننا ذاهبون جميعاً إلى الجحيم؟

….

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit