الرئيسية » تقارير و تحقيقات » تقارير » بريطانيا تخوض معركة تثبيت الخطوط الحمراء في الخليج العربي
بريطانيا تخوض معركة تثبيت الخطوط الحمراء في الخليج العربي
بريطانيا تخوض معركة تثبيت الخطوط الحمراء في الخليج العربي

بريطانيا تخوض معركة تثبيت الخطوط الحمراء في الخليج العربي

تبقى أراء الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر في أهمية أسيا الوسطى بالنسبة للقوى الكبرى حاضرة بقوة في عالمنا المعاصر  على خريطة الصراع الجيوسياسية. وتمتد أسيا الوسطى لتشمل الشرق الأوسط  وضمناً الخليج العربي.

وتسجل المملكة المتحدة حضورًا وازنًا على المستوى السياسي والاقتصادي في الخليج العربي وللشرق قليلًا نحو باكستان والهند يعود ل 400 سنة تقريباً.

استقلّت دول الخليج عن بريطانيا عام 1971، واستمر نفوذ بريطانيا السياسي والاقتصادي حاضرًا بقوة، فالخليج يشكل عقدة مواصلات بحرية وجوية رئيسة إلى الشرق، ويحتوي على الموانئ والمطارات ومحطات الوقود اللازمة للقطع البحرية وبواخر الشحن والطائرات.

تصاعدت أهمية الخليج الجيوسياسية بالنسبة لبريطانيا بعد استقلال الهند والباكستان وفقدان المملكة المتحدة لقوعدها في كلا البلدين، ما حتّم عليها التواجد بقوة في الخليج لضمان طرق المواصلات والتجارة للشرق، والقرب من إيران وبحر قزوين يؤخذ بالحسبان أيضاً.

اكتشاف النفط والاحتياطيات الكبيرة، وإنتاج يومي يمر من مضيق هرمز يتخطى 5 مليون برميل يومياً، رفعت أسهم المنطقة بالنسبة للمملكة المتحدة مع تزاحم الدول الكبرى نحو المنطقة وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين التي تزحف بمشروعها الضخم مبادرة الحزام والطريق والذي يمر بالمنطقة ولقي قبولًا من المملكة العربية السعودية والإمارات.

حضور إيران المقلق في الخليج العربي بعد الثورة الاسلامية، بات أمرًا مزعجًا للغرب، إيران التي كانت شريكًا مع الغرب في عصر الشاه، تمارس دور الشرطي في المنطقة، أصبحت الآن تهدد ممرات تجارة النفط في الخليج بشكل جدي في مساومة تبدو للغرب تحديًا في غير مكانه.

النظام الإيراني يحتل جزر طنب الصغرى والكبرى كما أنه يشاطئ الخليج على طول ساحله المقابل العربي، أمر أقلق الغرب، إلا أن لدى إيران ما تهتم به بعد الثورة الإسلامية ١٩٧٩، الحرب مع العراق، التعافي من أثار تلك الحرب، الحصار الاقتصادي، المعارضة الإيرانية، وتنحية الخصوم السياسيين من التيار الإصلاحي، نعم  كانت الأمور هادئة في الخليج حتى وقت قريب.

مع وصول الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لمقعد الرئاسة في إيران، بدأت صرخات ترتفع ضد الغرب واسرائيل، وبدأ مسلسل الضغط والعقوبات المؤثرة، كانت إيران تبحث عن الخلاص فكان لابد من الاستثمار في التمدد اللوجستي والتدخل في دول المنطقة الذي بدأ في العراق عام ٢٠٠٣ بعد الغزو الأميركي.

لقد كان غزو العراق الخطأ الذي انتظرته إيران لحصد الأوراق المطلوبة للعب مع الأميركي والمجتمع الدولي.

أمن الخليج مصلحة بريطانية .. والتهديد الإيراني أصبح واقعًا

في 10 ديسمبر 2016 أكّد وزير الخارجية البريطاني آنذاك بوريس جونسون في منتدى «حوار المنامة» ما سبقته إليه رئيسة الحكومة السابقة تيريزا ماي، على  أن أمن الخليج هو من أمن المملكة المتحدة.

في وقت يتغير فيه النظام الدولي وتُفرض معادلات نفوذ وسيطرة جديدة في أقاليم مختلفة من العالم، وصعود قوى جديدة، الصين، روسيا، البرازيل، تسعى المملكة المتحدة لحجز مكان أو على الأقل أن تحافظ على مكتسباتها في مناطق معينة من العالم ولاسيما في الخليج العربي.

وتسعى بريطانيا لتعزيز حضورها العسكري في  البحرين و سلطنة عُمان، في إطار إعادة تموضع سياسي واقتصادي وعسكري. كما تؤكد ربط أمنها بأمن دول الخليج وتبدي استعداداً جادّا لمواجهة تمدد إيران في المنطقة من سورية إلى اليمن، ولاسيما في ضوء تصرفات الأخيرة في مياه الخليج و مضيق هرمز التي تهدد سلامة خطوط شحن النفط والتجارة.

مضيق باب المندب، الخليج العربي، جغرافيا ضيقة  تعتبر الأهم في العالم، لم تمر التجاوزات الإيرانية في اعتراض السفن ببساطة.

لقد دعت أميركا لتشكيل حلف دولي لأجل حماية الخليج لقي رفضًا من الأغلبية الأوروبية، بينما سارعت بريطانيا للدخول فيه وأرسلت بارجة مقاتلة لبحر العرب لن تحدث فرقًا  بطبيعة الحال ولكن لتثبيت واقع جيوسياسي قديم أصابه ترهل نوعًا ما في السنوات الثلاثين الماضية.

وأشارت جملة من المعطيات الاستخبارتية المنشورة عن مسؤولية إيران في حادثتي الاعتداء على سفينتين تجارتين في الخليج وغرق إحداها، وبين اتهام ونفي بدأت مياه الخليج العربي تصبح ساحة لتصفية الحسابات في سياق اعتبار ورقة التهديد هذه من قبل النظام الايراني مرفوعة بقوة على طاولة المفوضات في الاتفاق النووي الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية والمالية الأميركية.

تكرر السيناريو في اعتراض الحرس الثوري الإيراني بعض السفن لتنتهي باحتجاز الأخير لسفينة بريطانية سينتا أمبيرو على خلفية احتجاز الحرس الملكي البريطاني لسفينة غريس 1 الايرانية في جبل طارق التي تم إطلاقها مؤخرًا، لتصل إلى قبالة السواحل السورية اللبنانية في المياه الاقليمية ويختفي أثرها بعد أن أطفأت جهاز التتبع، فيما يبدو خطوة متوقعة حيث فرغت حمولتها من خلال ناقلات أصغر إلى ميناء بانياس السوري.

رأت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة أن الأمر تجاوز الخطوط الحمراء، واقترح العم سام مبادرةً دولية لحماية خطوط التجارة في مضيق هرمز. لم يستجب للمبادرة إلا بريطانيا ورفضت أغلبية أوروبية الاقتراح باستثناء الدانمارك.

لم يمر وقت طويل حتى أرسلت بريطانيا قطعة بحرية عسكرية بحجة حماية كياناتها التجارية، بينما أميركا طلبت من العالم على لسان ترامب أن يحموا سفنهم بأنفسهم.

ويرى مايكل ستيفنز في مقال نشره على موقع كونسيرفاتيف ميدل إيست كاونسيل  “أن الإيرانيين سيشعرون بأنهم عززوا من مكانتهم بعد انتهاء خلافهم مع بريطانيا، إلا أن الحقيقة هي أن طهران لم تجن أي فائدة استراتيجية لنفسها. وهو أن حماية السفن في الخليج أصبحت أولوية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة”.

يمكن فهم إصرار وتأكيد  بريطانيا على تأمين الخليج بشكل “عملي”، يندرج في سياق تأكيد بريطانيا على تاريخية موقعها بالنسبة للخليج والدول العربية  المطلة عليه، وبالتزامن مع محاولة الخروج من الاتحاد الاوربي وتأكيد رئيس الوزراء بوريس جونسون أن بريطانيا قوة أوروبية، و خلافات واضحة مع إيران في الملف النووي، تؤكد بريطانيا حليفة الولايات المتحدة على حضورها في الخليج بينما تخطط أميركا للانسحاب من أفغانستان و تعزز القرار السيادي لكل من الهند وافغانستان بوجود الجار الصيني يجبر الحليفين على تحركات دبلوماسية ولوجستية.

أصبحت إيران محاصرة في سواحلها على الخليج العربي أكثر من أي وقت مضى، فقد أخطأت باحتجاز السفينة البريطانية، وجلبت تواجدًا عسكريًا بحريًا مضاعفًا إلى الخليج، فيما يبدو أن إيران تدفع بكرت الجوكر في كل مرة (نربح أو نخسر) لسحب أميركا لتنفيذ ضربة عسكرية لإعلان الحرب وإشعال المنطقة.

التواجد البحري البريطاني والأميركي مرشح للتزايد في بحر العرب ومضيق هرمز، ضمن شراكة استراتيجية بريطانية أميركية تاريخية لأسباب سياسية أمنية واستراتيجية. وتحتاج بريطانيا للانضمام إلى حلف الولايات المتحدة بعد قراراها بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي واتفاق كلا البلدين على الموقف من إيران والقرب من قلب العالم في قزوين وأسيا الوسطى خطوط طريق الحرير الصيني البحري والبري.

بريطانيا لم تعد وحيدة في معركة المصالح على الشرق الأوسط، ولم تعد كما كانت في السابق، إنها بشكل أو بآخر تترنح  اقتصاديًا وتعاني من تبعات كارثية فيما لو خرجت من الاتحاد الأوروبي من دون إتفاق، وتعول على تحالف عابر للأطلسي لا يشكل قيمة مضافة للمملكة المتحدة بنظر بعض خصوم بوريس جونسون وحزب المحافظين.

دول الشرق الأوسط لم تعد تلك الدول الضعيفة كالهند والباكستان وأفغانستان و إيران والسعودية والإمارات، على بريطانيا أن تبذل جهدًا كبيرًا لتحافظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.

 

ليفانت
إعداد:وائل علي

 

 

 

شاهد أيضاً

الليرة السورية تاريخ مشرق ونهاية مجهولة

الليرة السورية تاريخ مشرق ونهاية مجهولة

الليرة السورية لم تكن لحظة ظهورها كنقد للتداول إلا عملة لها مكانتها بين العملات الدولية، …

أترك رد