أردوغان يهدد بإغراق أوروبا باللاجئين السوريين

إيان بلاك
إيان بلاك

إيان بلاك

أصبح من الرائج في الأشهر الأخيرة الماضية القول أن الحرب في سورية قد انتهت فعلياً، وأن بشار الأسد قد انتصر وهو باقٍ في دمشق. ولكن هناك قضايا بالغة الأهمية مازالت تنتظر حلاً، ولعل أكبرها مصير منطقة إدلب في شمال غرب سورية. وهناك أيضاً مصير السوريين الذين فروا من بلادهم منذ عام 2011، لا سيما العدد الأكبر منهم المقيمون في تركيا المجاورة.

أراد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في البدايات الأولى رحيل نظام الأسد كما قام بدعم جماعات مختلفة من المقاتلين السوريين الذين يسعون للإطاحة بالأسد، أو بغض الطرف عنهم. وبعد ثماني سنوات على بداية الفصل الأكثر دموية في الربيع العربي مازال هناك 3.6 مليون لاجئ سوري في تركيا، وهو العدد الأكبر للاجئين السوريين في أي بلد في العالم، إلا أن هذا بدأ يتغير.

ففي الأسابيع القليلة الماضية تم إجبار مئات السوريين على ترك المدن التركية ونقلهم في حافلات ترافقها عربات الشرطة إلى المناطق الحدودية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأكراد، تماشياً مع مطالب تركيا بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية. وإن لم يتم ذلك فإن أردوغان يهدد بأنه” سيفتح الأبواب” لملايين السوريين لإرسالهم إلى أوروبا.

في مارس 2016 وافق الاتحاد الأوروبي على منح تركيا 6 مليارات يورو للمساعدة في ضبط تدفق المهاجرين، وهو إجراء لاقى انتقادات بوصفه رشوة وضيعة تهدف إلى تخفيف الضغط الذي تشعر به الحكومات الأوروبية جراء صعود حركات معاداة المهاجرين. وقد تسببت سياسة الباب المفتوح التي تبنتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بموجة غضب شعبوي في ألمانيا.

وفي 11 سبتمبر قال أردوغان لميركل أن تركيا أنفقت 40 مليار دولار لدعم اللاجئين. وبات المسؤولون والمحللون الأتراك يحذّرون بأن مشكلة الهجرة قد تتفاقم أضعافاً مضاعفة وأنه يتعين على الاتحاد الأوروبي بذل جهود أكبر بكثير للمساعدة بهذا الشأن. إن الوضع في إدلب، حيث يقيم 3 ملايين سوري، كثير منهم أطفال ونساء مهجرون عالقون بين فكي كماشة، فنظام الأسد المدعوم من روسيا من جهة، والجماعات الإسلامية الجهادية من جهة أخرى، وهذا ما لا يهدد بتفاقم المشكلة فحسب وإنما بخروجها عن السيطرة.

تزايد العداء للسوريين بين المواطنين الأتراك العاديين في ظل ضعف الاقتصاد، إذ بلغ التضخم والبطالة معدلات مرتفعة، فيما يحمّل كثيرون اللاجئين مسؤولية ذلك. وأظهر استطلاع أجري في يوليو أن 82% من الأتراك يريدون إعادة السوريين إلى بلادهم. إلا أن عدد السوريين في تركيا ازداد بـ10466 شخصاً ما بين يوليو وأغسطس فقط. كما ولد أكثر من 430 ألف طفل سوري في تركيا منذ عام 2011 فيما يرسل معظم السوريين أبناءهم إلى المدارس التركية.وتم مؤخراً منع اللافتات باللغة العربية في استنبول التي يقطن فيها أكثر من 500 ألف لاجئ سوري . وفي غازي عنتاب القريبة من الحدود يشكل السوريين الذين ينحدر كثير منهم من حلب أكثر 20% من السكان.

الهزائم التي مني بها حزب أردوغان الحاكم في الانتخابات البلدية في وقت لاحق من هذا العام، عُزيت إلى حد بعيد للاستياء المتزايد من إزاء وجود اللاجئين السوريين، فيما يتصاعد الخوف من الترحيل الجماعي في أوساط السوريين. وكان الحل يفترض أن يتجسد في إنشاء منطقة آمنة في شمال سورية، شرق الفرات بصورة رئيسة حيث تتمركز القوات الكردية مثل وحدات حماية الشعب. وقد شكلت وحدات حماية الشعب عنصراً أساسياً من عناصر القوات المدعومة من الولايات المتحدة لمحاربة داعش، إلا أن تركيا تعتبرها تنظيماً إرهابياً مثل حزب العمال الكردستاني المحظور أيضاً في الولايات المتحدة وأوروبا. ومن شأن إنشاء المنطقة الآمنة كما يرى أردوغان تحقيق هدفين في وقت واحد، ألا وهما: إبعاد القوات الكردية عن الحدود مع سورية وإعادة توطين مليون لاجئ سوري في المنطقة، ومنحهم موطناً جديداً في بلادهم التي مزقتها الحرب.

كتب الصحافي في جريدة “حرية” التركية بارشين ينانش يقول: ”إذا كانت تركيا ستنهار من عبء اللاجئين ووطأة المشاكل الأمنية فإن العواقب السلبية ستستشعر في أثينا وصولاً إلى لندن. فيما كان الصحافي أوزان شيهون من جريدة صباح أكثر فظاظة إذ قال: ”بالنسبة لمواطني الجمهورية التركية والاتحاد الأوروبي فإن الحل الأمثل هو السماح للاجئين بالإقامة في المنطقة الآمنة، وإلا فإن الفوضى والكوارث ستطال الجميع”.

لكن العقبة تكمن في الخلاف الكبير بين أنقرة وواشنطن إضافة إلى الحلفاء الغربيين مثل فرنسا وبريطانيا. حيث يريد أردوغان للمنطقة الآمنة أن تكون بعمق 20 ميلاً داخل الأراضي السورية وأن تمتد لـ300 ميل على طول الحدود التركية السورية. إلا أن الولايات المتحدة لم تسمح لتركيا بالدخول سوى بضعة أميال في العمق السوري، وهذا ما أغضب تركيا التي وصفت ذلك بأنه “إجراء تجميل من طرف يفترض أنه حليف وهو عاجز عن اتخاذ قرار مستقل عن منظمة إرهابية”.

أما سورية المدعومة من روسيا فقد وصفت هذا التحرك بأنه انتهاك لسيادتها ووحدة أراضيها. ولعل المشهد برمته يذكر بأنه بالرغم من بقاء الأسد على رأس السلطة في دمشق بعد ثماني سنوات دامية فإن التداعيات على سورية، وشعبها والشرق الأوسط وتركيا وأوربا مازالت مستمرة.