هل تنجح المراصد البحثية بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك
هل تنجح المراصد البحثية بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك

هل تنجح المراصد البحثية بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك

محمد العويدتحقيق

“شخصياً أنأ متفاءل، وبصراحة أكثر مرتاح, لكل ما صدر بالدراسة البحثية وحولها وبعدها، نقداً وتفنيداً وحتى ما قبل الدراسة، كان يسكنني خوف كبير من النتائج أن تكون كارثية قياساً بحجم ما يجري في سورية منذ تسع سنوات، لكن أثبت السوري أنه رائد سلام وباحث عنه وهي فرصة للجميع في مجال الإعلام والفن والكتابة والمجتمع للعمل معا لإرساء السلام، والابتعاد عن لغة الكراهية بين أبناء الوطن الواحد”. مازن درويش مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير معلقاً خلال ورشة باريس الأسبوع المنصرم لمناقشة تفاعل الإعلام ورؤاه وتجاوز الثغرات بعد إطلاق دراسة خطاب الكراهية في الإعلام السوري وما لاقته من ردود بين مرحب ورافض.

فيما رأى الصحفي حسين الزعبي: “أهمية الدراسة تأتي بمبادرتها غير المسبوقة وبطرح سؤال محوري حول وجود خطاب الكراهية في الإعلام السوري”، لافتاً إلى أنه من الأهمية أيضاً: “قيام دراسات متزامنة بطرح فرضيات وأسئلة حول أسباب ومحفزات ودوافع وجود خطاب الكراهية وبالتالي معرفة الأسباب التي تؤدي لمعرفة سبل علاجه قبل تفاقمه وسيطرته على اللغة السائدة”.

الزعبي دعا لأهمية قيام باحثين أخصائيين عايشوا الإعلام وتحولاته وخطابه السابق والحالي زمناً طويلاً،  وذلك لخصوصية اللغة الإعلامية وثغراتها وإمكانية تجاوز أية محددات مسبقة إن رغب العامل في الحقل الإعلامي، فالسياق الذي يمكن إيراده في بداية التقرير أو الخبر الإعلامي بات غير مقبولاً إلا في سياق خلفية الخبر أو التقرير، لأن الأحكام السياسية التوصيفية لا تتناسب مع خصوصية السياق العام بقدر ما يمكن استثمارها في الخلفية لتقديم مزيداً من الإيضاحات التي غالباً يبحث عنها القارئ ولا تحمل الصحفي أو الوسيلة أية أحكام مسبقة، مضيفاً : “اتفق مع الجميع بأننا اليوم أكثر حاجة وضرورة لهذه الدراسات والعمق أكثر بالذهاب لدراسات أكثر تخصصية كوجود خطاب الكراهية في الخبر الميداني أو النوع الإعلامي – حبر أو تقرير رأي – زاوية او تحقيق صحفي – لأن الأجندات السياسية تحاول فرض رؤاها بطريق ذكية، وتتحايل على تمرير هذا النوع من خطاب الكراهية”.

ضبابية المفهوم تقود إلى ضبابية النّص
تعمل القوانين الحديثة على ضمان حماية المساواة بين الناس وتحظر خطاب الكراهية، وتذكر الفقرة 2 من المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحظر أية دعوى إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تُشكل تحريضاً على التمييز أو العدواة أو اللعن، تشمل هذه القوانين منع استخدام عبارات الإهابة، أو الألقاب، لتعيين أفراد من المجتمع بناءاً على عرقهم أو دينهم أو توجههم الجنسي. وتزداد أهمية قوانين مكافحة خطاب الكراهية في المجتمعات الحديثة المتعددة الثقافات. ويبدو بأن الإنترنت باتت مرتعاً واسعاً لخطاب الكراهية لعدد من الأسباب منها ما توفره الشبكة من إمكانية لنشر خطاب الكراهية باسم مستعار، أو مجهول أحياناً.

بتاريخ 31 أيار/مايو 2016، وافقت شركات فيسبوك وجوجل ومايكروسوفت وتويتر على مدونة ضبط السلوك التابعة للاتحاد الأوروبي، وقدّمت هذه الشركات تعاريفها الخاصة بما يشكل خطاباً مفعماً بالكراهية لمتع أشكاله على منصاتها، و لا يسمح بالمحتوى الذي يهاجم الأشخاص على أساس عرقهم الفعلي أو المتصور أو السلالة أو الأصل القومي أو الديانة أو الجنس أو النوع أو الهوية الجنسية أو التوجه الجنسي أو الإعاقة أو المرض. ولكننا في الوقت ذاته نسمح بالتعبيرات التي تُنشر على سبيل الدعابة أو السخرية.

وقد سُجلت بسنة 2012 جريمة كل 40 دقيقة مرتبطة بالموقع، يتعلق الكثير منها بما يمكن وصفه بخطاب الكراهية. هذا، وغيره من وسائل الجدال، يستخدمها البعض لرفض مفهوم “المساحة الآمنة” التي يرغب الفيسبوك، وبعض التيارات الفكرية اليسارية مثلاً، بتوفيرها وحمايتها. والفيسبوك، كغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، موقع خصب للتنمر والهجوم اللفظي الذي يقع، حسب التعريف، ضمن خطاب الكراهية.

لا يخرج الواقع السوري عن الحالة العامة بل يمكن لأي متتبع قراءة حجم الانتهاكات المستمرة، وارتفاع نسبة خطاب الكراهية كنتيجة لغياب مرجعية قانونية واحدة تظلل السوريين باختلاف مواقفهم السياسية، كما فرضت الحرب الدائرة منذ سنوات مستوى قياسي في حضور خطاب الكراهية عبر الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي كانعكاس مباشر لواقع الحرب وجبهات الصراع.

ومن هذه الزاوية جاءت أهمية الدراسة التي أطلقها (المركز السوري للإعلام وحرية التعبير) مشروع “مرصد خطاب الكراهية والتحريض على العنف”، بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وذلك لرصد محتوى وسائل الإعلام السورية عن طريق مجموعة من الصحفيين السوريين المدربين كراصدين، لتقييم مدى استخدام خطاب الكراهية والتحريض على العنف في الإعلام السوري وفق دراسة منهجية، لتكون ورشة باريس أشبه بمراجعة بنيوية للاستماع وتبادل الآراء حول النقاط الواجب تعزيزها أو تجاوزها في الأبحاث القادمة.

اعتمدت المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن للوصول إلى النتائج، كما استخدمت أسلوب العينة الحصصية لاختيار(24) وسيلة إعلام تمثل مجتمع البحث المكون من وسائل الإعلام السورية بمختلف أنماطها (مقروء، مرئي، مسموع)، وعلى اختلاف توجهاتها السياسية (موالية، معارضة، كردية). وتمثلت أداة البحث في استمارة إلكترونية للرصد تم تصميمها وفقاً لمتطلباته، ومعالجتها برمجياً بناءً على طبيعة وسائل الإعلام بمختلف أنماطها، حيث تم تخصيص استمارة لرصد كل نمط إعلامي، وبعد انتهاء عملية الرصد جرت مراجعة الاستمارات من قبل فريق متخصص، وذلك للتأكد من كلمات وعبارات الكراهية والسياق الذي وردت فيه.

في مراجعة المرصد الدورية لدراسته واستقصاء آراء ممثلي منظمات المجتمع المدني وصحفيين سوريين من وسائل إعلامية تختلف وتتباين في رؤاها لخطاب الكراهية ومفرداته، وركزت الورشة التي عقدت في باريس على محاولات توافقية بما يسير لقرب إصدار قاموس مفردات وميثاق شرق ولجنة شكاوى يمكن لها البت في القضايا المطروحة أمامها دون وجود اذرع “ردعية” باستثناء الجانب الأخلاقي، وبما يعزز دور المشاهد والمتابع للوسيلة الإعلامية، ويعول أصحاب هذا الرأي على أن الأصل رغبة أي وسيلة إعلامية بمزيد من المتابعين وحين نضع لجنة الشكاوي الحيادية واقع المؤسسة وخطابها أمام القارئ فانه يتوجب تصحيح المسار الواجب.

أديب الحريري ممثل لرابطة الصحفيين السوريين : “المراجعة التي حدثت للبحث تؤكد النية والتوجه للاستفادة من جميع ملاحظات المشاركين وتطوير الدراسات القادمة لكشف الثغرات في التغطية الإعلامية بما يتعلق بخطاب الكراهية، ويمكن لدراسات لاحقة تبحث أسباب وجود مفردات تعبّر عن خطاب الكراهية، مما يمكننا القول أننا نمضي بجدية ومنهجية وصولاً لأبحاث قد تتناول الحلول وهو ما نطمح له جميعا”.

ودعا المشاركون خلال الورشة لضرورة “تجنب المفردات والمصطلحات التي قد يثير تعميمها حفيظة أي مجموعة بشرية في سوريا، واستخدام مصطلحات تميّز بوضوح بين تقييم الجهات السياسية أو الحزبية أو العسكرية، وبين وصف مجموعة بشرية بأكملها، واستخدام مصطلحات جامعة، تكرّس مفهوم المواطنة، وتسهم في الحفاظ على السلم المجتمعي وتطبيق وسائل الإعلام السورية للمعايير المهنية في الصحافة، ونقل المعلومات للجمهور وشرحها بموضوعيّة وتوازن، وتحري الدقة باختيار المصادر في القضايا المثيرة للجدل، وعدم الخلط بين الرأي والخبر، والتمييز بين العمل السياسي والعمل الصحفي، وإغلاق المنابر في وجه الأصوات التي تثير الكراهية. 

وبدا لافتا ما أشار له مدير برنامج رصد في المركز السوري لحرية الإعلام بأن المنظومة الإعلامية التابعة لنظام الأسد، تناولت الدراسة ببعض التفصيل بما يوحي أن الجميع لا يريد مزيداً من الكراهية بين المكون السوري الواحد وان استثمرتها بما يضمن لها التبرئة ” الصورية”، وقال يحيى فارس مدير البرنامج: “أهمية الورشة تأتي بعد نشر الدراسة التي تضمنت 24 وسيلة إعلامية الأكثر تأثيراً، وتؤسس لأطر تعاون حقيقي بين المؤسسات والمرصد لتحقيق الهدف المشترك الذي يهدف لخدمة النسيج المجتمعي السوري والقضاء على ظاهرة خطاب الكراهية الذي يصيبنا جميعا “بالأذية” المباشرة، والمساهمة في بناء وتعزيز السلم المجتمعي”.

ردود رافضة للدراسة وتوضيح
سرعان ما لاقت الدراسة البحثية بُعيد نشرها في حينهمجموعة من ردود الأفعال، نظراً لقناعة كافة العاملين بالحقل الإعلامي بصوابية عملهم ومنهجيتهم إضافة لحداثة هذا النوع من الأعمال البحثية على ساحة الإعلام السوري، وقالت وسائل إعلام وشخصيات، أن الدراسة البحثية على أهميتها وقعت في خطيئة تصنيف وسائل الإعلام التي رصدتها إلى ثلاث فئات بحسب توجهها السياسي،”موالية، معارضة، كردية”، وبالتالي فان المؤسسات المرصودة لم تحكمها الجغرافية بقدر التوجه السياسي، ويذهب المنتقدون الى أن الدراسة تقع في فخ التمييز على أساس العرق أو القومية، وتحرّض بالتالي، من حيث لا تدري، على التمييز العنصري، الأمر الذي يُفترض أن المشروع يرصده وينتقده.

المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (مرصد خطاب الكراهية والتحريض على العنف) لم يفوت الفرصة للتوضيح والرد، معتبراً، أن بعض الانتقادات مفيدة لتطوير العمل، ومؤكداً أن المشروع لم ولن يحمل أي هدف أو طابع سياسي، بل يهدف للارتقاء بالخطاب الإعلامي السوري من خلال تشجيع الوسائل الإعلامية المختلفة والحد -والتخلص قدر الإمكان- من استخدام خطاب الكراهية لما له من آثار مجتمعية مُدمّرة داعيا لحوار مجتمعيّ محترم ونقد أكاديمي علمي”.

وشدّد المركز: “الدراسة تندرج تحت خانة الدراسات التأسيسية والاستطلاعية، والتي تمهّد وتؤسس لحقل بحثي جديد في مجال الدراسات الإعلامية السورية، لذلك لا بد من البناء على هذا البحث ودعم الدراسات والبحوث الأكاديمية في هذا المجال. وعليه فدراسة المركز السوري للإعلام وحرية التعبير لم تكن دوغمائية في نتائجها، ولم تدعي قدسيّة طرحها وكمالهُ، وإنما هي جهد بحثيّ يصب في إطار تطوير العمل الإعلامي السوري وفتح باب النقاش في مجال لا يزال غائباً عن اهتمام الإعلام السوري. ولذلك نرحب بأي نقاش محترم منفتح موضوعي”.

ثمة متابعة توحي أن الطريق ما زال طويلاً، سيما وأن جبهات القتال مشتعلة بهذه البقعة السورية أو تلك بما يغذي ما لا يرغبه كثر من تزايد لخطاب الكراهية، ليبقى السؤال مفتوحاً أن المراصد البحثية هل ستنجح بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك والمستمر؟.

هل تنجح المراصد البحثية بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك

هل تنجح المراصد البحثية بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك

هل تنجح المراصد البحثية بلجم خطاب الكراهية في الإعلام السوري بعد سنوات من الدم المسفوك

شاهد أيضاً

ما مدى جدية الغرب في حظر "الإخوان المسلمين"؟

ما مدى جدية الغرب في حظر “الإخوان المسلمين”؟

طالب أعضاء في مجلس العموم البريطاني، بداية فبراير الجاري ، بضرورة حظر تنظيم “الإخوان المسلمين”، …

أترك رد