حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ

حسكيف تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ
حسكيف... تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ

روجدا علي- همبرفان كوسه
“نحن نشاهد تدمير تاريخ يعود لأكثر من 12 ألف عام أمامنا، ثمّة عملية محو للمواقع التاريخيّة. هذا المحو ليس بمحو التاريخ البشريّ فحسب، وإنّما محو مستقبله أيضاً”.
يقول رضوان، وهو كرديّ من سكان بلدة حسكيف في محافظة باتمان بكردستان- تركيا.

ورضوان واحد من آلاف المدنيين الكرد الذين سيواجهون التهجير حال تنفيذ تعبئة سد إليسو قرب بلدة حسكيف الآثرية- التاريخيّة الكرديّة.
وتعود قضيّة حسكيف إلى الواجهة مجدداً. بلدة كرديّة أثريّة يزيد عمرها عن 12 ألف عام، تريد الحكومة التركيّة أن تغرقها كلّها بالمياه، بحجّة بناء سد عملاق لتوليد الطاقة الكهربائيّة لمناطق جنوبي شرقي الأناضول والّتي تمثّل الأراضي الكرديّة في تركيا.

ويضيف رضوان: “الموضوع لا يتعلق بالطاقة، فهذا السد سيوفّر فقط 1.4% من حاجة تركيا، الموضوع يتمثل بمحو التاريخ الكردي، وتغيير البنية الطبيعية لتاريخه، ولاستخدام المياه كسلاح بوجه الدول الاخرى”.

وفي 14 أغسطس/آب من عام 2017، قامت الحكومة التركيّة بتفجير منحدرات صخريّة في حسكيف، ودمّرت أجزاء من البلدة جزئياً.

واعتبر الاتحاد الأوربيّ للإرث الثقافي، أنّ عمليّة غمر بلدة حسكيف الأثريّة يتمّ العمل عليها من دون استشارة كافية للسكان المحليين وخبراء الأثار والتاريخ.
وستجتاح المياه 313 كيلومتراً من الأراضي الزراعيّة وغير الزراعيّة، خلال سنوات من تنفيذ المشروع، وتقول الحكومة التركيّة أنّها ستوفّر 10 آلاف فرصة لترويّة الأراضي الزراعيّة وستقوم بتطوير السياحة في تلك المنطقة، دون أن تقدم معلومات وتفاصيل حول ذلك.

من البداية: بلدة حسكيف الأثريّة
حسكيف، كما يلفظها أهلها، هي مدينة أثريّة- تاريخيّة تقع على ضفاف نهر دجلة، في محافظة باتمان الكرديّة في كردستان تركيا، وأغلب سكانها من الكرد، وهي من أقدم المستوطنات البشريّة حول العالم.

وتستوفي بلدة حسكيف في محافظة باتمان بكردستان تركيا، تسعة شروط من أصل عشر لازمة، ليتم إدراجها ضمن لائحة التراث العالميّ لمنظمة اليونسكو. خلال السنوات الماضية، اكتشف علماء آثار في حفرياتهم على حياة بشريّة لفترة تعود إلى 9500 سنة قبل الميلاد. وتقول المصادر أنّها بنيت قبل 12 ألف سنة، ولا تزال الحياة فيها قائمة إلى اليوم، وبشكل مستمر.

وفي عام 1981، تمّ اعتبار بلدة حسكيف، منطقة محميّة من قبل الحكومة التركية. وتعتبر السياحة والزراعة أهمّ الموارد الاقتصاديّة التي يعتمد عليها سكان بلدة حسكيف في محافظة باتمان.

وفي حسكيف أكثر من 300 مكان أثريّ، و10 أماكن مأهولة بالسكان. وتاريخيّاً، وقعت حسكيف تحت حكم الرومان والبيزنطيين والأتراك، وحكم سكانها الكرد في فترات تاريخيّة متفرّقة.

وفي حسكيف جسور قديمة وقلاع وأماكن أثريّة متنوّعة ومختلفة لعدة أمبراطوريات. منها جسر حسكيف، ويعتبر من أكبر الجسور الحجريّة في العصور الوسطى.

حسكيف
حسكيف

ما هي قصّة سد إليسو؟
يعتبر سد اليسو، أحد مشاريع سدود مشروع جنوبيّ شرقيّ الأناضول (منطقة كردستان)، وبدأت أولى خطواته في فترة الستينيات من القرن الماضي، وتقدّم العمل في المشروع خلال الثمانينيات، وطرح من قبل الحكومة التركيّة للتنفيذ في عام 1997. كان اسم المشروع الذي سيُغرق بلدة حسكيف مرتبطاً باسم شركة بريطانيّة تعرف باسم “بلفور” ، وخُصص وقتذاك مبلغ 200 مليون يورو لتنفيذ المشروع.

وتوقّف العمل في مشروع سد إليسو، بعد ضغوطات من جمعيات وحملات خاصّة لحماية البيئة، وانسحبت الشركة البريطانيّة من المشروع خلال عام 2001.
وبعدها قدّمت شركات وبنوك ألمانيّة ونمساويّة وسويسريّة عروضاً للعمل على السدّ، بقيمة 600 مليون دولار، ولكنها توقّفت بالمقابل بعد ضغوط من منظمات المجتمع المدنيّة ورفض البنك الدوليّ للمشروع، عام 2009.

ويعتبر سد أليسو، الذي سيُغرق حسكيف، ثاني أكبر سد في تركيا من حيث سعة التخزين المائيّة.
واكملت الحكومة التركيّة بشكل شبه كامل، أعمال السدّ، ولكنها حتّى الآن لم تقم بحجز المياه التي ستتسبّب بغرق بلدة حسكيف في محافظة باتمان الكرديّة.

وستتحكم تركيا خلال مشروع جنوبي شرقي الأناضول بالغالبيّة العظمى لمياه نهري دجلة والفرات.

التهجير عبر القانون
ولا يملك أغلب سكان حسكيف القدرة الماليّة لشراء المنازل الجديدة التي سيتم بناءها، وبذلك سيُجبر عدد منهم إلى تغيير أماكن إقامتهم إلى أماكن تناسب قدراتهم الماديّة، وسيأتي محلّهم أناس اخرين، ليسوا من أبناء المنطقة.
ويقول رضوان أنّ: “موارد حسكيف، تتمثل بالزراعة والسياحة، وبسبب السدّ، فإنّ أحد أغنى أراضي و199 منطقة سكنيّة ستغرق تحت المياه، وهكذا سيتم إفقار أهل حسكيف نتيجة خسارتهم لموردهم الوحيد”.

وتقول النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطيّة في البرلمان التركيّ، رمزية توسن: “الدولة التركيّة تنظر إلى قيم الشعب الكرديّ في تركيا كأدوات، تخدم بها مشاريعها. قد تكون هذه المشاريع تسري بطريقة سريّة أو بشكلٍ معلن كما قضية حسكيف”.

وتعتبر توسن بأنّ مشروع حسكيف، ومشاريع تركيا التنمويّة في كردستان- تركيا، تدخل ضمن حرب الدولة التركيّة ضدّ الوجود والتاريخ الكرديّ في تلك المنطقة. تضيف: “قرار تخريب حسكيف وتدميرها قد أتخذ منذ زمن، لكن لا يزال هناك وقت لتوقيفه”.

ويضيف أحد سكّان حسكيف: “يقومون بتقدير مبالغ ماليّة متدنيّة لمنازلنا القديمة عند تحديد سعرها، بينما يقدمون لنا منازلاً بأسعار مرتفعة جداً”.
ويسعى حزب الشعوب الديمقراطيّة، من خلال وجوده في البرلمان التركيّ إلى إيقاف عملية تدمير المدينة.

لكن بحسب النائبة الكرديّة فإنّ: “البرلمان التركيّ ينظر إلى قضيّة حسكيف مثل الحكومة التركيّة. النظرة واضحة، وهناك تحرّك جدي من قبلهم لتطبيق المشروع وتدمير حسكيف، ولا رجاء بالبرلمان”.

سكان حسكيف دون مأوى آخر
تتحجّج الحكومة التركيّة بأنّ بناء السد سيوفّر 10 آلاف فرصة عمل وتروية لمساحات ضخمة من المساحات الزراعية وستساعد في تطوير السياحة، ولم تبيّن حتّى اللحظة الحكومة التركيّة، الآلية التي ستقوم بها بتوفر فرص العمل هذه، والتنمية السياحية والزراعيّة التي ستُنتج عن بناء هذا السد، وسدود مشروع جنوبيّ شرقيّ الأناضول.

وعن ذلك يقول رضوان، وهو من سكّان حسكيف: “المنازل الجديدة يتم بيعها فقط لأهل حسكيف، فلكل منزلٍ قديم يتم إنشاء واحدٍ جديد، وقد طالب أهالي بعض القرى المجاورة بشراء منازل ضمن المشاريع إلا أنّ طلبهم قوبل بالرفض، وهكذا بقي البعض من اهالي حسنكيف بدون منازل”.
وأعلنت الحكومة التركية عن بناء بدائل للسكن في مناطق قريبة من حسكيف، للعوائل التي ستذهب منازلها ضمن مساحة السد وستغرق بالمياة مع البلدة، كذلك أعلنت عن خطط سياحيّة سيتم تنظيمها بشكل دوري لرؤية آثار بلدة حسكيف تحت المياه، بعد الانتهاء من المشروع.

ومارست الحكومة التركيّة منذ تأسيس الجمهوريّة التركيّة سياسة تجويع الكرد في مناطقتهم لإجبارهم على تغيير مكان إقامتهم، فصار عدد كبير من السكّان دون مآوى، وهاجر عدد أخر منهم خارج تركيا، فضلاً عن من ظلّ في تركيا وسافر باتجاه استنبول وأنقرة والمدن الكبيرة.

المعترض على المشروع يواجه تهم بالإرهاب!
في أيار من عام 2017، أوقفت الشرطة التركيّة الصحافي الفرنسيّ، ماتياس دوباردون، أثناء عمله على إعداد تحقيق صحافيّ، ينجزه حول بلدة حسكيف، وتمّ سجنه مدّة شهر بتهمة الترويح لدعاية إرهابيّة مؤيدة لانفصاليين كُرد، وقامت السلطات التركيّة فيما بعد بطرده من تركيا.

ويقول عبد الله دميرباش، الرئيس السابق لبلدية سور آمد (ديار بكر): “مثل كلّ الناس، فإنّ الصحافيين والسياسيين يعارضون القوانين الصادرة عن الدولة التركيّة، فتردّ عليهم الدولة باعتقالهم، وتوجيه تهم الإرهاب إليهم، وتُهم البروباغندا لجماعة إرهابية”.

ويُشير إلى أنّ الخلاف الوحيد القائم بين الصحافيين والناشطين هو بإنّ هذه الفئة تريد أن تظلّ حسكيف قائمة فوق الأرض وحيّة، فيما تريد الدولة التركيّة أن تجعلها تحت الماء، هذا هو الخلاف الوحيد.

وتعرّض عشرات الصحافيين والناشطين في تركيا، وفي المنطقة الكرديّة في تركيا، إلى الاعتقال والاعتداء خلال احتجاجات نظَّمت ضدّ تدمير حسكيف. يواجه أغلب الصحافيين في تركيا تُهم متعلقة بدعم جماعات إرهابيّة، والترويج لها، والعمل في صفوفها.

ويبيّن دميرباش: “الدولة التركيّة لا تريد أن يعمل الصحافيين، ولا تريد أن يكتب الصحافيين ما يجري. تريد تركيا أن تكون كلّ الصحافة العاملة في تركيا تحت يدها وتعمل بأمرها ولمشاريعها وقراراتها، لذلك فإنّ كلّ الصحافيين المعارضين يواجهون هذا المصير”.

وينظم حزب الشعوب الديمقراطيّة احتجاجات مستمرّة مع المنظمات المدنيّة والبيئيّة الرافضة لقرار هدم حسكيف. تعرضت عدة احتجاجات لاعتداء من قبل القوات التركية، واعتقلت الحكومة التركية في فترات مختلفة عشرات الكتاب والصحافيين والسياسيين المناهضين للمشروع.

تقول توسن: “نحن نتحرّك في سبيل إيقاف المشروع، وننظم الاحتجاجات، لكن الحكومة التركية لا تتهاون في قمع نشاطاتنا واعتقال الصحافيين والنشاء وأعضاء حزب الشعوب الديمقراطية”.
وتشير إلى أنّه : “في آخر تدخل لقوى الأمن التركية، هاجمت تجمعاً لمجلس الشباب في الحزب في كل من آمد وباتمان، وقمنا بتوثيق هذا الاعتداء بالصور والوثائق”.

نقل القطع الأثريّة “التركيّة” فقط!
وقامت الحكومة التركيّة بنقل قبّة مزار “زينل بك”، وهو ابن حاكم الكونفدراليّة القبليّة التركمانيّة “آلاق قونيلو” أوزون حسن، بنقلها من البلدة، لحمايتها من الغرق، بعد تنفيذ المشروع. وتعتبر القطعة الأثريّة هذي، هي القطعة الوحيدة التي قامت الحكومة التركيّة بنقلها من بلدة حسكيف في محافظة باتمان.

أُنجز مشروع نقل القبّة في شهر آيار من عام 2017، وخصص له لوح بـ 150 عجلة، وقد قدّمت الحكومة التركية حينذاك تغطية إعلاميّة كبيرة لعملية نقل القبّة.
وعن ذلك يقول الباحث والصحافي الكردي السوري، حسين جمو: ” ضريح “زينل” كان موجوداً في حستكيف، وتم نقله إلى موضع آخر شمالي البلدة، بتكلفة بلغت مليون دولار، وسيكون الضريح ضمن متحف مخصص لآثار حسنكيف، وهي كلها آثار تم اختيارها بمنهجية، لتدل على الوجود التركي في تلك المنطقة من كردستان، وكثير من هذه الآثار تم نسبها إلى القبائل التركية لاحقاً”.

ويبيّن جمو: “عملية التتريك في شمال كردستان تعتمد مقاربة شاملة وليست محصورة ضمن المفهوم التقليدي للصهر السكاني، وهذا يشمل الآثار. من الطبيعي أن لا نجد أي اهتمام من قبل الدولة التركية، منذ تأسيسها الحديث، بأي أثر يدل على الوجود الكردي، حتى على مستوى أضرحة ومساجد أمراء بني مروان، الذين حكموا معظم كردستان وأرمينيا في القرن العاشر الميلادي، بينما أي أثر سلجوقي يتم الاهتمام به وترميمه ووضعه ضمن خرائط السياحة، منها مثلاً ضريح “زينل بك”، ابن زعيم قبيلة “الآق قوينلو” التي حكمت دياربكر لفترة قصيرة في القرن الرابع عشر”.

ولنقل القبّة دلالات إبراز الهوية التاريخية والأثرية للشعوب التركية. حيث أنّ الحكومة التركيّة قامت بنقل هذه القطعة فقط، لحمايتها من الغرق، فيما أبقت على باقي القطع الأثرية، فضلاً عن أنّ المدينة في الأساس تعتبر من أقدم المستوطنات البشريّة في العالم.

“في كل أنحاء كردستان الشمالية (كردستان- تركيا)، لم يتم الإبقاء على أي أثر بارز يدل على الكرد، وإذا تواجد، فيتم إهماله وتعريضه للخراب، كما في حسنكيف حيث معظم الآثار الباقية، بما فيها المساجد، تعود لفترة حكم الأمراء الأيوبيين للبلدة، لكن بعملية ممنهجة، وبسبب عدم وجود سلطة كردية في تلك الأنحاء منذ قرون طويلة، تم تحويل كل هذه الآثار إلى أوابد للتاريخ التركي، مستغلين الترميمات العثمانية”، حسبما يوضّح الباحث الكرديّ.

ويشكك جمو في قضية نقل المزار: “حتى مزار “زينل بك” مشكوك في أمره. فمن المعروف ان هناك سلالة كردية حاكمة كانت تحكم حسنكيف قبل مجيء قبيلة الآق قوينلو والعثمانيين، وشجرة هذه العائلة الحاكمة تصل ب”زينل بك” وهو جد أمراء شيروان، كما أن أحد أحفاده، واسمه أيصاً زينل بك، قد حكم المنطقة و عاصر السلطان سليمان القانوني. بالتالي، هناك معطيات تجعل الشك يدور أصلاً حول ما إذا كان زينل التركي هذا هو صاحب الأثر، وما الداعي ليكون له أثر وضريح معتنى به وهو لم يكن له باع في التعاليم الدينية لا من قريب ولا من بعيد، انما مجرد قائد عسكري شاب؟”.

ولا تخصّ قضيّة حسكيف التي صارت على أبواب الغرق كردستان وناسها وسبل عيشم فحسب، بل أنّها تمثّل قضيّة تهمّ كلّ المجتمع الدوليّ، وتنتمي إليه، ذاك أنّ حسكيف من أقدم المستوطنات البشريّة حول العالم، وبتدميرها، يكون العالم قد فقد أحد أهمّ ارتباطه بالتاريخ والمجتمعات القديمة.

حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ

روجدا علي- همبرفان كوسه
“نحن نشاهد تدمير تاريخ يعود لأكثر من 12 ألف عام أمامنا، ثمّة عملية محو للمواقع التاريخيّة. هذا المحو ليس بمحو التاريخ البشريّ فحسب، وإنّما محو مستقبله أيضاً”.
يقول رضوان، وهو كرديّ من سكان بلدة حسكيف في محافظة باتمان بكردستان- تركيا.

ورضوان واحد من آلاف المدنيين الكرد الذين سيواجهون التهجير حال تنفيذ تعبئة سد إليسو قرب بلدة حسكيف الآثرية- التاريخيّة الكرديّة.
وتعود قضيّة حسكيف إلى الواجهة مجدداً. بلدة كرديّة أثريّة يزيد عمرها عن 12 ألف عام، تريد الحكومة التركيّة أن تغرقها كلّها بالمياه، بحجّة بناء سد عملاق لتوليد الطاقة الكهربائيّة لمناطق جنوبي شرقي الأناضول والّتي تمثّل الأراضي الكرديّة في تركيا.

ويضيف رضوان: “الموضوع لا يتعلق بالطاقة، فهذا السد سيوفّر فقط 1.4% من حاجة تركيا، الموضوع يتمثل بمحو التاريخ الكردي، وتغيير البنية الطبيعية لتاريخه، ولاستخدام المياه كسلاح بوجه الدول الاخرى”.

وفي 14 أغسطس/آب من عام 2017، قامت الحكومة التركيّة بتفجير منحدرات صخريّة في حسكيف، ودمّرت أجزاء من البلدة جزئياً.

واعتبر الاتحاد الأوربيّ للإرث الثقافي، أنّ عمليّة غمر بلدة حسكيف الأثريّة يتمّ العمل عليها من دون استشارة كافية للسكان المحليين وخبراء الأثار والتاريخ.
وستجتاح المياه 313 كيلومتراً من الأراضي الزراعيّة وغير الزراعيّة، خلال سنوات من تنفيذ المشروع، وتقول الحكومة التركيّة أنّها ستوفّر 10 آلاف فرصة لترويّة الأراضي الزراعيّة وستقوم بتطوير السياحة في تلك المنطقة، دون أن تقدم معلومات وتفاصيل حول ذلك.

من البداية: بلدة حسكيف الأثريّة
حسكيف، كما يلفظها أهلها، هي مدينة أثريّة- تاريخيّة تقع على ضفاف نهر دجلة، في محافظة باتمان الكرديّة في كردستان تركيا، وأغلب سكانها من الكرد، وهي من أقدم المستوطنات البشريّة حول العالم.

وتستوفي بلدة حسكيف في محافظة باتمان بكردستان تركيا، تسعة شروط من أصل عشر لازمة، ليتم إدراجها ضمن لائحة التراث العالميّ لمنظمة اليونسكو. خلال السنوات الماضية، اكتشف علماء آثار في حفرياتهم على حياة بشريّة لفترة تعود إلى 9500 سنة قبل الميلاد. وتقول المصادر أنّها بنيت قبل 12 ألف سنة، ولا تزال الحياة فيها قائمة إلى اليوم، وبشكل مستمر.

وفي عام 1981، تمّ اعتبار بلدة حسكيف، منطقة محميّة من قبل الحكومة التركية. وتعتبر السياحة والزراعة أهمّ الموارد الاقتصاديّة التي يعتمد عليها سكان بلدة حسكيف في محافظة باتمان.

وفي حسكيف أكثر من 300 مكان أثريّ، و10 أماكن مأهولة بالسكان. وتاريخيّاً، وقعت حسكيف تحت حكم الرومان والبيزنطيين والأتراك، وحكم سكانها الكرد في فترات تاريخيّة متفرّقة.

وفي حسكيف جسور قديمة وقلاع وأماكن أثريّة متنوّعة ومختلفة لعدة أمبراطوريات. منها جسر حسكيف، ويعتبر من أكبر الجسور الحجريّة في العصور الوسطى.

حسكيف
حسكيف

ما هي قصّة سد إليسو؟
يعتبر سد اليسو، أحد مشاريع سدود مشروع جنوبيّ شرقيّ الأناضول (منطقة كردستان)، وبدأت أولى خطواته في فترة الستينيات من القرن الماضي، وتقدّم العمل في المشروع خلال الثمانينيات، وطرح من قبل الحكومة التركيّة للتنفيذ في عام 1997. كان اسم المشروع الذي سيُغرق بلدة حسكيف مرتبطاً باسم شركة بريطانيّة تعرف باسم “بلفور” ، وخُصص وقتذاك مبلغ 200 مليون يورو لتنفيذ المشروع.

وتوقّف العمل في مشروع سد إليسو، بعد ضغوطات من جمعيات وحملات خاصّة لحماية البيئة، وانسحبت الشركة البريطانيّة من المشروع خلال عام 2001.
وبعدها قدّمت شركات وبنوك ألمانيّة ونمساويّة وسويسريّة عروضاً للعمل على السدّ، بقيمة 600 مليون دولار، ولكنها توقّفت بالمقابل بعد ضغوط من منظمات المجتمع المدنيّة ورفض البنك الدوليّ للمشروع، عام 2009.

ويعتبر سد أليسو، الذي سيُغرق حسكيف، ثاني أكبر سد في تركيا من حيث سعة التخزين المائيّة.
واكملت الحكومة التركيّة بشكل شبه كامل، أعمال السدّ، ولكنها حتّى الآن لم تقم بحجز المياه التي ستتسبّب بغرق بلدة حسكيف في محافظة باتمان الكرديّة.

وستتحكم تركيا خلال مشروع جنوبي شرقي الأناضول بالغالبيّة العظمى لمياه نهري دجلة والفرات.

التهجير عبر القانون
ولا يملك أغلب سكان حسكيف القدرة الماليّة لشراء المنازل الجديدة التي سيتم بناءها، وبذلك سيُجبر عدد منهم إلى تغيير أماكن إقامتهم إلى أماكن تناسب قدراتهم الماديّة، وسيأتي محلّهم أناس اخرين، ليسوا من أبناء المنطقة.
ويقول رضوان أنّ: “موارد حسكيف، تتمثل بالزراعة والسياحة، وبسبب السدّ، فإنّ أحد أغنى أراضي و199 منطقة سكنيّة ستغرق تحت المياه، وهكذا سيتم إفقار أهل حسكيف نتيجة خسارتهم لموردهم الوحيد”.

وتقول النائبة عن حزب الشعوب الديمقراطيّة في البرلمان التركيّ، رمزية توسن: “الدولة التركيّة تنظر إلى قيم الشعب الكرديّ في تركيا كأدوات، تخدم بها مشاريعها. قد تكون هذه المشاريع تسري بطريقة سريّة أو بشكلٍ معلن كما قضية حسكيف”.

وتعتبر توسن بأنّ مشروع حسكيف، ومشاريع تركيا التنمويّة في كردستان- تركيا، تدخل ضمن حرب الدولة التركيّة ضدّ الوجود والتاريخ الكرديّ في تلك المنطقة. تضيف: “قرار تخريب حسكيف وتدميرها قد أتخذ منذ زمن، لكن لا يزال هناك وقت لتوقيفه”.

ويضيف أحد سكّان حسكيف: “يقومون بتقدير مبالغ ماليّة متدنيّة لمنازلنا القديمة عند تحديد سعرها، بينما يقدمون لنا منازلاً بأسعار مرتفعة جداً”.
ويسعى حزب الشعوب الديمقراطيّة، من خلال وجوده في البرلمان التركيّ إلى إيقاف عملية تدمير المدينة.

لكن بحسب النائبة الكرديّة فإنّ: “البرلمان التركيّ ينظر إلى قضيّة حسكيف مثل الحكومة التركيّة. النظرة واضحة، وهناك تحرّك جدي من قبلهم لتطبيق المشروع وتدمير حسكيف، ولا رجاء بالبرلمان”.

سكان حسكيف دون مأوى آخر
تتحجّج الحكومة التركيّة بأنّ بناء السد سيوفّر 10 آلاف فرصة عمل وتروية لمساحات ضخمة من المساحات الزراعية وستساعد في تطوير السياحة، ولم تبيّن حتّى اللحظة الحكومة التركيّة، الآلية التي ستقوم بها بتوفر فرص العمل هذه، والتنمية السياحية والزراعيّة التي ستُنتج عن بناء هذا السد، وسدود مشروع جنوبيّ شرقيّ الأناضول.

وعن ذلك يقول رضوان، وهو من سكّان حسكيف: “المنازل الجديدة يتم بيعها فقط لأهل حسكيف، فلكل منزلٍ قديم يتم إنشاء واحدٍ جديد، وقد طالب أهالي بعض القرى المجاورة بشراء منازل ضمن المشاريع إلا أنّ طلبهم قوبل بالرفض، وهكذا بقي البعض من اهالي حسنكيف بدون منازل”.
وأعلنت الحكومة التركية عن بناء بدائل للسكن في مناطق قريبة من حسكيف، للعوائل التي ستذهب منازلها ضمن مساحة السد وستغرق بالمياة مع البلدة، كذلك أعلنت عن خطط سياحيّة سيتم تنظيمها بشكل دوري لرؤية آثار بلدة حسكيف تحت المياه، بعد الانتهاء من المشروع.

ومارست الحكومة التركيّة منذ تأسيس الجمهوريّة التركيّة سياسة تجويع الكرد في مناطقتهم لإجبارهم على تغيير مكان إقامتهم، فصار عدد كبير من السكّان دون مآوى، وهاجر عدد أخر منهم خارج تركيا، فضلاً عن من ظلّ في تركيا وسافر باتجاه استنبول وأنقرة والمدن الكبيرة.

المعترض على المشروع يواجه تهم بالإرهاب!
في أيار من عام 2017، أوقفت الشرطة التركيّة الصحافي الفرنسيّ، ماتياس دوباردون، أثناء عمله على إعداد تحقيق صحافيّ، ينجزه حول بلدة حسكيف، وتمّ سجنه مدّة شهر بتهمة الترويح لدعاية إرهابيّة مؤيدة لانفصاليين كُرد، وقامت السلطات التركيّة فيما بعد بطرده من تركيا.

ويقول عبد الله دميرباش، الرئيس السابق لبلدية سور آمد (ديار بكر): “مثل كلّ الناس، فإنّ الصحافيين والسياسيين يعارضون القوانين الصادرة عن الدولة التركيّة، فتردّ عليهم الدولة باعتقالهم، وتوجيه تهم الإرهاب إليهم، وتُهم البروباغندا لجماعة إرهابية”.

ويُشير إلى أنّ الخلاف الوحيد القائم بين الصحافيين والناشطين هو بإنّ هذه الفئة تريد أن تظلّ حسكيف قائمة فوق الأرض وحيّة، فيما تريد الدولة التركيّة أن تجعلها تحت الماء، هذا هو الخلاف الوحيد.

وتعرّض عشرات الصحافيين والناشطين في تركيا، وفي المنطقة الكرديّة في تركيا، إلى الاعتقال والاعتداء خلال احتجاجات نظَّمت ضدّ تدمير حسكيف. يواجه أغلب الصحافيين في تركيا تُهم متعلقة بدعم جماعات إرهابيّة، والترويج لها، والعمل في صفوفها.

ويبيّن دميرباش: “الدولة التركيّة لا تريد أن يعمل الصحافيين، ولا تريد أن يكتب الصحافيين ما يجري. تريد تركيا أن تكون كلّ الصحافة العاملة في تركيا تحت يدها وتعمل بأمرها ولمشاريعها وقراراتها، لذلك فإنّ كلّ الصحافيين المعارضين يواجهون هذا المصير”.

وينظم حزب الشعوب الديمقراطيّة احتجاجات مستمرّة مع المنظمات المدنيّة والبيئيّة الرافضة لقرار هدم حسكيف. تعرضت عدة احتجاجات لاعتداء من قبل القوات التركية، واعتقلت الحكومة التركية في فترات مختلفة عشرات الكتاب والصحافيين والسياسيين المناهضين للمشروع.

تقول توسن: “نحن نتحرّك في سبيل إيقاف المشروع، وننظم الاحتجاجات، لكن الحكومة التركية لا تتهاون في قمع نشاطاتنا واعتقال الصحافيين والنشاء وأعضاء حزب الشعوب الديمقراطية”.
وتشير إلى أنّه : “في آخر تدخل لقوى الأمن التركية، هاجمت تجمعاً لمجلس الشباب في الحزب في كل من آمد وباتمان، وقمنا بتوثيق هذا الاعتداء بالصور والوثائق”.

نقل القطع الأثريّة “التركيّة” فقط!
وقامت الحكومة التركيّة بنقل قبّة مزار “زينل بك”، وهو ابن حاكم الكونفدراليّة القبليّة التركمانيّة “آلاق قونيلو” أوزون حسن، بنقلها من البلدة، لحمايتها من الغرق، بعد تنفيذ المشروع. وتعتبر القطعة الأثريّة هذي، هي القطعة الوحيدة التي قامت الحكومة التركيّة بنقلها من بلدة حسكيف في محافظة باتمان.

أُنجز مشروع نقل القبّة في شهر آيار من عام 2017، وخصص له لوح بـ 150 عجلة، وقد قدّمت الحكومة التركية حينذاك تغطية إعلاميّة كبيرة لعملية نقل القبّة.
وعن ذلك يقول الباحث والصحافي الكردي السوري، حسين جمو: ” ضريح “زينل” كان موجوداً في حستكيف، وتم نقله إلى موضع آخر شمالي البلدة، بتكلفة بلغت مليون دولار، وسيكون الضريح ضمن متحف مخصص لآثار حسنكيف، وهي كلها آثار تم اختيارها بمنهجية، لتدل على الوجود التركي في تلك المنطقة من كردستان، وكثير من هذه الآثار تم نسبها إلى القبائل التركية لاحقاً”.

ويبيّن جمو: “عملية التتريك في شمال كردستان تعتمد مقاربة شاملة وليست محصورة ضمن المفهوم التقليدي للصهر السكاني، وهذا يشمل الآثار. من الطبيعي أن لا نجد أي اهتمام من قبل الدولة التركية، منذ تأسيسها الحديث، بأي أثر يدل على الوجود الكردي، حتى على مستوى أضرحة ومساجد أمراء بني مروان، الذين حكموا معظم كردستان وأرمينيا في القرن العاشر الميلادي، بينما أي أثر سلجوقي يتم الاهتمام به وترميمه ووضعه ضمن خرائط السياحة، منها مثلاً ضريح “زينل بك”، ابن زعيم قبيلة “الآق قوينلو” التي حكمت دياربكر لفترة قصيرة في القرن الرابع عشر”.

ولنقل القبّة دلالات إبراز الهوية التاريخية والأثرية للشعوب التركية. حيث أنّ الحكومة التركيّة قامت بنقل هذه القطعة فقط، لحمايتها من الغرق، فيما أبقت على باقي القطع الأثرية، فضلاً عن أنّ المدينة في الأساس تعتبر من أقدم المستوطنات البشريّة في العالم.

“في كل أنحاء كردستان الشمالية (كردستان- تركيا)، لم يتم الإبقاء على أي أثر بارز يدل على الكرد، وإذا تواجد، فيتم إهماله وتعريضه للخراب، كما في حسنكيف حيث معظم الآثار الباقية، بما فيها المساجد، تعود لفترة حكم الأمراء الأيوبيين للبلدة، لكن بعملية ممنهجة، وبسبب عدم وجود سلطة كردية في تلك الأنحاء منذ قرون طويلة، تم تحويل كل هذه الآثار إلى أوابد للتاريخ التركي، مستغلين الترميمات العثمانية”، حسبما يوضّح الباحث الكرديّ.

ويشكك جمو في قضية نقل المزار: “حتى مزار “زينل بك” مشكوك في أمره. فمن المعروف ان هناك سلالة كردية حاكمة كانت تحكم حسنكيف قبل مجيء قبيلة الآق قوينلو والعثمانيين، وشجرة هذه العائلة الحاكمة تصل ب”زينل بك” وهو جد أمراء شيروان، كما أن أحد أحفاده، واسمه أيصاً زينل بك، قد حكم المنطقة و عاصر السلطان سليمان القانوني. بالتالي، هناك معطيات تجعل الشك يدور أصلاً حول ما إذا كان زينل التركي هذا هو صاحب الأثر، وما الداعي ليكون له أثر وضريح معتنى به وهو لم يكن له باع في التعاليم الدينية لا من قريب ولا من بعيد، انما مجرد قائد عسكري شاب؟”.

ولا تخصّ قضيّة حسكيف التي صارت على أبواب الغرق كردستان وناسها وسبل عيشم فحسب، بل أنّها تمثّل قضيّة تهمّ كلّ المجتمع الدوليّ، وتنتمي إليه، ذاك أنّ حسكيف من أقدم المستوطنات البشريّة حول العالم، وبتدميرها، يكون العالم قد فقد أحد أهمّ ارتباطه بالتاريخ والمجتمعات القديمة.

حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ حسكيف… تركيا تبني سدّاً فوق 12 ألف عام من التاريخ

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit