ترامب و نتنياهو

ايان بلاك
ايان بلاك

إيان بلاك ترامب و نتنياهو

التقارير الإخبارية كثيراً ما تعمل بطبيعتها على توضيح مواضيع واسعة النطاق، كما كان الأمر مع الحظر الذي فرضته الحكومة الإسرائيلية على العضوتين الديمقراطيتين في مجلس النواب الأمريكي بسبب دعمهما للقضية الفلسطينية.

كشفت هذه القصة عن العلاقات الحالية بين اسرائيل والولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وبشكل أوسع، عن تغيّر المواقف من اسرائيل والفلسطينين و الآمال المتلاشية في حل عادل لأشد نزاعات العالم استعصاءً.

في صلب الموضوع كان هناك مخطط لرحلة، و لكنها بالتأكيد لم تكن إجازة. كانت قد قدمت دعوة لكل من إلهان عمر ورشيدة طليب من قبل منظمات فلسطينية وإسرائيلية غير حكومية لزيارة القدس والضفة الغربية المصنفتين كأراضي محتلة طبقاً للقانون الدولي. هاتان السيدتان هما من ضمن أربع أعضاء ديمقراطيين كان قد قال ترامب أن عليهم العودة إلى البلاد التي “أتوا منها بالاًصل”. 

رشيدة طليب كانت قد ولدت في ميشيغان لوالدين فلسطينين. إلهان عمر مجنّسة كمواطنة أمريكية وكانت قد أتت إلى الولايات المتحدة الأمريكية كطفلة لاجئة من الصومال. هما أول أمرأتين مسلمتين يتم انتخابهما لمجلس النواب. تم توجيه انتقادات واسعة للرئيس لما يراه الكثيرون ترويجا للكراهية والعنصرية. قبل إعلان اسرائيل للحظر بقليل، كان ترامب قد غرّد بأن السماح للسيدتين بالدخول إلى البلد “سيظهر ضعفاً كبيراً للغاية”. ولكن السفير الإسرائيلي في واشنطن كان قد صرّح في وقت سابق أن اسرائيل لن ترفض دخول نواب أمريكيين “احتراماً لمجلس النواب الأمريكي والتحالف العظيم بين اسرائيل وأمريكا”.     

أعلنت وسائل إعلام اسرائيلية أن تصريح السفير تمت الموافقة عليه مسبقاً من أعلى المستويات في الحكومة الاسرائيلية، مما يعزز الاعتقاد أن القرار اللاحق قد تم اتخاذه لمجرد إرضاء الرجل في البيت الأبيض. كان أساس هذا الحظر قانون صدر في عام 2017 والذي يسمح بترحيل أي شخص يدعم مقاطعة اسرائيل أو المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة (مع أهمية الفارق بينهما). وكان قد صمم على وجه التحديد لمحاربة حركة المقاطعة و سحب الاستثمارات و العقوبات (بي دي إس) والتي جذبت تأييداً متزايداً في الأعوام الأخيرة. تدعم كل من عمر وطليب استخدام وسيلة المقاطعة للضغط على الحكومات، ومن ضمنها الحكومة الاسرائيلية، بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان. وقد اتهم نتنياهو هاتين البرلمانيتين بشكل صريح بالسعي إلى استخدام رحلتهما “لتعزيز المقاطعة ضدنا ورفض شرعية اسرائيل”.  وقد أصبحت القصة أكثر تعقيد عندما  أعلنت اسرائيل لاحقاً أنه يمكن السماح لطالب بزيارة جدتها في الضفة الغربية والتي تبلغ من العمر 90 عاماً مقابل أن تمتنع عن إصدار أي تصريحات سياسية. رفضت طالب تلك “الشروط القمعية” وكان الهاشتاغ #MyPalestinianSitty  أو (جدتي الفلسطينية) من أكثر المواضيع تداولاً على موقع تويتر منذ ذلك الحين.

فوق كل شيء أبرز هذا الجدل مدى الإنقسام حول السؤال المتعلق (باسرائيل أو فلسطين) و الذي أصبح قضية خلافية في الديمقراطيات الغربية كما يمكن أن يتم استغلاله بسهولة لمصالح سياسية داخلية.

اتبع ترامب نهج تشويه سمعة الديمقراطيين على أنهم ليسوا فقط منتقدين لاسرائيل بل أنهم معادون للسامية، داعياً طليب و عمر بـ”الوجه الحقيقي” لمنافس الجمهوريين الرئيسي. في بريطانيا يتم اتهام رئيس حزب العمال المعارض، جيرمي كوربين، الداعم للفلسطينيين منذ زمن طويل بأنه يتجاهل اتهامات بالمعاداة للسامية. ويقوم المؤيدون لحزب العمال بما فيهم أعضاء يهود في الحزب بالرفض الشديد لهذه الاتهامات و إعادة رميها، قائلين بأن حزب المحافظين الحاكم، ورئيسه الجديد بوريس جونسون، ساهموا بنمو مشاعر الإسلاموفوبيا.

أما في الولايات المتحدة، فتحمل هذه القضية أهمية أكبر بكثير. كون إسرائيل أكبر متلق للمساعدات الأمريكية في العالم على مدى أعوام طويلة، كما يتم اعتبارها على نطاق واسع بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. هذه القضية مشتركة بين الحزبين، على الرغم من أن أغلبية اليهود الأمريكيين يصوتون للديمقراطيين، فقد تم إدانه الحظر الذي فرضته اسرائيل على البرلمانيتين، على نطاق واسع ليس فقط من قبل أصوات بارزة ومنظمات مؤيدة لاسرائيل، بل أيضاً من قبل بعض الرياديين في الحزب الجمهوري.

كما أبرزت هذه القصة اعتماد كل من ترامب و نتنياهو على الآخر. فقد كان الرئيس الأمريكي هو من حطّم عقود من التوافقات الأمريكية والدولية عندما قرر نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، كما اعترف بضم اسرائيل لمرتفعات الجولان التي استولت عليها اسرائيل من سوريا في العام 1967. كما أن تخليه الفردي عن الاتفاق النووي مع ايران الذي تم عقده في العام 2015 اعتبر بأنه يصب في خدمة أجندة نتنياهو.

أشار أحد الكتّاب في صحيفة هاآريتز الاسرائيلية: “التوافق التام مع ترامب وسياساته يلطخ إسرائيل بتحيز و عدوانية الرئيس الأمريكي و خطابه العرقي”

“جهود نتنياهو في رد الجميل للمحسن إليه قد تسببت بضرر دائم قد لا يمكن تصحيحه”.  https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-backlash-to-tlaib-travel-ban-is-time-bomb-for-the-u-s-israel-special-relationship-1.7691664

نتنياهو يواجه انتخابات يوم 17 سبتمبر/أيلول، بما أن مساعيه في تشكيل حكومة جديد قد فشلت بعد استطلاعات للرأي عقدت في أبريل/نيسان. وبالتأكيد فإن ترامب يأمل أن يكسب ولاية ثانية في المكتب الرئاسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وكما تبين هذه القصة القاتمة أنه لا يمكن لأحد أن يصدق أن أياً من هذين الزعيمين يمثل المصالح الحقيقية لبلده ومكانتها في العالم، إلا الموالين بشكل أعمى دون أي نقد.