بوريس والبريكست

إيان بلاك
إيان بلاك

إيان بلاككاتب بريطاني

شهر أغسطس هو ذروة موسم العطل في بريطانيا، فالمدارس مغلقة وشوارع المدن الكبرى هادئة بشكل ملحوظ. وفي فترة الإجازات والرحلات الرخيصة، يسافر كثيرون إلى الخارج، لاسيما إلى أوروبا، وإن كان تراجع قيمة الجنيه الإسترليني هذا العام يعني أن تلك الرحلات ستكون أعلى كلفة. 

البرلمان في عطلة أيضاً، ولكن ليس هناك إجازة موسمية لأزمة البريكست، فقد تعهد رئيس الوزراء المحافظ الجديد، بالخروج من الاتحاد الأوروبي بحلول 31 أكتوبر، باتفاق أو دون اتفاق معتبراً الأمر مسألة “حياة أو موت”، كما يقول بطريقته الحماسية المعتادة.

وتبدو ثقة جونسون بنفسه في تناقض صارخ مع رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي التي لم يكن لديها خيار سوى التنحي بعد أن قوبل اتفاق الخروج الذي أعدته مع بروكسل بالرفض ثلاث مرات من أعضاء مجلس العموم.

لطالما عرف عن الصحافي وعمدة لندن ووزير الخارجية السابق بوريس جونسون توقه إلى الوصول إلى رئاسة الوزراء، وستحدد الأسابيع القليلة القادمة مدة مكوثه هناك، ومآل أكبر أزمة تعيشها بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية.

الشخصية لها دور كبير في ملف جونسون والبريكست، فهو شخص يستمتع باهتمام الرأي العام والأضواء ـ إلا عندما يتعلق الأمر بحياته الخاصة التي تتسم بالفوضى – ولعل اختياره لأعضاء مجلس الوزراء الجديد، وكلهم من أنصار البريكست المتشددين يرسخ الانطباع بأنه يعني ما يقول هذه المرة.

في يونيو 2016، عندما تم إجراء الاستفتاء العام على الخروج من الاتحاد الأوروبي، كان جونسون والوزراء الذين عينهم مؤخراً يزعمون أن بريطانيا ستكون أفضل حالاً خارج الاتحاد الأوروبي. أما تيريزا ماي، وعلى النقيض منه، فقد أيدت البقاء في الاتحاد الأوروبي وتعهدت بـ ” تنفيذ” ما صوت البريطانيون لأجله بفارق ضيق (52% مقابل 48% ).

(استعادة السيطرة) من بروكسل، كان شعار أنصار البريكست. إذ يؤكدون أن الدول الأخرى ستكون متحمسة لإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع بريطانيا بعد أن تتحرر من قيود السوق الأوروبية الموحدة (وهي الأنجح عالمياً). ومع ذلك فإن تلك الاتفاقيات لا يمكن التفاوض حولها إلا بعد أن تخرج فعلياً من الاتحاد الأوروبي ـ وليس سلفاً.

لقد بات من الشائع وصف المزاج العام في بريطانيا بأنه عشائري إذ ينقسم المواطنون ما بين معسكر الخروج ومعسكر البقاء. وتدور سجالات حادة ما بين الأصدقاء وضمن العائلات حول البريكست. كما يشير الأخصائيون النفسيون إلى ازدياد حالات القلق والاكتئاب والتوتر. ولعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي قد أتاح لأي شخص التعبير عن رأيه في العالم الافتراضي دون أن يكون مدعماً بالحقائق في معظم الأحيان. فيما تتزايد الأدلة حول الأضرار الجسيمة التي من المرجح أن يسببها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق. وقد حذّر الخبراء من ارتفاع الأسعار ونقص المواد الغذائية والأدوية وخطر الركود الاقتصادي. كما من المتوقع أن تطرأ أزمة على الاستثمار الداخلي، والتوظيف والصادرات الزراعية. ويعتبر تراجع قيمة الجنيه الإسترليني مؤشراً على تراجع الثقة الاقتصادية.

ليس هناك أي بوادر مرونة من بروكسل، إذ تصر المفوضية الأوروبية، أن اتفاق الانسحاب الذي توصلت إليه بالتفاوض مع ماي لن يعاد فتحه، لا سيما فيما يتعلق بمستقبل الحدود بين جمهورية إيرلندا وإيرلندا الشمالية وهو ما يسمى بند ” الباكستوب” ( الذي تم وضعه لمنع إقامة حدود رسمية بينهما إذا ما عجز الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن الوصول على اتفاقية تجارية طويلة الأمد). ولعل المجال الوحيد للتنازل هو إصدار وثيقة أخرى مقتضبة ـ أي تصريح سياسي ـ حول مستقبل العلاقة بين أوروبا وبريطانيا.

يبدو أن استراتيجية جونسون، بعد أقل من أسبوعين على توليه رئاسة الوزراء، تتمحور حول إقناع بروكسل أنه جاد بشأن الخروج دون اتفاق على أمل أن يؤثر ذلك على أسلوب تفكير العواصم الأوروبية بالنظر إلى التشويش الذي قد يسببه ذلك للدول الأعضاء السبعة والعشرين، مع أن معاناتهم ستكون أشد وطأة بكثير من معاناة بريطانيا.

من الاحتمالات الأخرى المرجّحة إجراء انتخابات عامة مبكرة، والتي سيهيمن عليها ملف البريكست، الذي أصاب حزب المحافظين بشرخ قاتل. إذ يواجه الحزب تحدياً على اليمين السياسي بعد ظهور حزب “البريكست” الذي يتزعمه نايجل فاراج، السياسي الشعبوي والزعيم السابق لحزب استقلال بريطانيا، (والذي يُعجِب دونالد ترامب). إلا أن حزب العمال المعارض، بزعامة جيريمي كوربن يبدو متردداً لأن الكثير من أنصاره يشعرون أنه قد تم استثناؤهم من مزايا عضوية الاتحاد الأوروبي. وقد تعرّض كوربن لانتقادات شديدة بسبب امتناعه عن معارضة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتصريحه عوضاً عن ذلك بأنه قادر على أن يضمن الحصول على اتفاق خروج أفضل من الذي حصل عليه حزب المحافظين، إذا ما أصبح رئيساً للوزراء.

إن الحزب المرشح لتحقيق المكسب الأكبر هو حزب الديموقراطيين الأحرار الذين لطالما عانى ما بين مطرقة المحافظين وسندان العمال. إلا أنه بات الآن القوة الانتخابية الوحيدة التي تعارض البريكست بكل صراحة ووضوح وبأي صيغة كانت.

لعل السيناريو البديل هو إجراء استفتاء ثانٍ – وسط مؤشرات بأن معسكر البقاء في أوروبا قد يربح هذه المرة بالنظر على الأدلة التي برزت حول الأضرار طويلة الأمد التي ستلحق ببريطانيا جراء الخروج من الاتحاد الأوروبي. وبالرغم من كل ما سلف فليس هناك أي ضمان بالخروج من هذه الأزمة عاجلاً. وبغض النظر عما ستشهده أسابيع الصيف القادمة، فمن المتوقع أن تعيش البلاد خريفاً طويلاً حاراً لا يشبه الخريف البريطاني.

بوريس والبريكست

بوريس والبريكست