مجرّد رقم ... أمهات مع وقف التنفيذ
مجرّد رقم ... أمهات مع وقف التنفيذ

مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

إعداد: اليمام يونس

” إنه مجرد رقم حُفر على الهوية”:
قالتها علا مع ابتسامةٍ غير بارعةٍ كفاية لتخفي غصةً دفينةً، حين سألتها عن عمرها الذي بلغ الثلاثين.

جلسنا نثرثر و نبتسم، كنا خمس فتيات، وعندما كانت ضحكاتنا تغصُّ بمرارة أحاديثنا عن الحب والحرب، كانت فيروز ومن قبله فنجان القهوة رفيق سهراتنا الوفي، يواسون انتظارنا لشيء ما مجهول الهوية. كنا ننتظره جميعًا في هذا البوح الهادئ وسط الحرب الدائرة.

لكل منّا همومه، والهمُّ المشترك لنا جميعًا، سؤال يراود مخيلةَ كلٍّ منّا “هل سأصبح أمّا في يوم من الأيام!!!!”……..

سمارة ذات الثلاثين ربيعًا خريجة “كلية التربية” علوية المنبت، تساءلت كيف لنا أن نصبح أمهات والحرب التهمت معظم الشباب، ومن بقي على قيد هاجر إلى غير رجعة؟
وفي هذا السياق تشير إحصائيات البنك الدولي في 2017 إلى أن عدد القتلى في سورية بلغ أكثر من 400ألف شخص منذ عام 2011 إضافة إلى 5 ملايين طالب لجوء وأكثر من 6 ملايين نازح وفقًا لوكالات أممية.  مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ
 
كما أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود 540 ألف شخص ما زالوا يعيشون في المناطق المحاصرة.
تعتقد سمارة أن هناك جيل كامل هو جيل الثمانينات من الشباب انقرض، إما مات بفعل الحرب أو هاجر إلى الخارج.
“اليوم نحن نواجه فروقات عمرية تجعلنا نتوقف ونرفض الزواج بمن يصغروننا سنَّا بسبب قيود العادات والتقاليد”، وتكمل سمارة: “أنا شخصيًا أرفض الزواج من شاب يصغرني بأكثر من سنتين”، غالبية الفتيات وافقنها على ذلك.  مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

 

نسبة العنوسة … أمهات مؤجلات في زمن الحرب 

لم تعتقد علا خريجة الأدب الإنكليزي أن الحرب سبب جوهري في وجود العنوسة.
تقول علا: “نعم، زادت النسبة، لكن الحرب ليست سببًا أساسيًا في الزيادة، فالعنوسة موجودة قبل الحرب وبنسبة كبيرة.

أخذت نفسًا عميقًا من الأركيلة التي حضّرتها قبل أن نجتمع، ثم أخرجت غمامة كثيفة من الدخان كادت أن تفقدنا إياها، لولا صوتها الذي أرشدنا إليها ما إن عادت لتكمل كلامها، ” أتعرفون السبب؟؟ لماذا العنوسة أساسًا موجودة من قبل وبنسبة كبيرة، لأن عدد الفتيات دائمًا أكبر من عدد الذكور، إذن فهي مستمرة…
وحسب آخر الإحصائيات المعتمدة والموثقة، تبلغ نسبة العنوسة في سورية بحدود الـ %70.  مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

وأما تقرير المسح الديمغرافي المتعدد الأغراض 2017- 2018 فيشير إلى نسبة الذين لم يسبق لهم الزواج ( 10سنوات فما فوق)
47% ذكور و 42.1% إناث، وهنا يعرض التقرير الفئة العمرية من عشر سنوات فما فوق. على ما يبدو فإن نسبة الذكور غير المتزوجين أكبر من عدد الإناث غير المتزوجات.

وعندما قمنا برصد عدد عقود الزواج المسجلة رسميًا في المحاكم بحسب المحافظات السورية في الفترة الواقعة بين 2010 و2017 وذلك عن طريق إعداد جدول جمعت فيه كافة البيانات خلال الفترة المذكورة، اعتمادًا على الأرقام الواردة في المجموعة الإحصائية 2018 الصادرة عن المكتب الإحصائي السوري تبين ما يلي:

في دمشق: العاصمة التي تضم طوائف متنوعةً ولكنّها ذات أغلبية من منبت سنّي، انخفضت نسبة تسجيل عقود الزواج بنسبة 11.7% مع بداية الحرب في سورية، وهذا ناتجٌ عن سوق الشباب إلى الخدمة الإلزامية والاحتياطية في الجيش، إضافة إلى الضحايا جراء الصراع والهجرة بطبيعة الحال.

كما أن نسبة التغيير السنوي لعقود الزواج في دمشق عادت للارتفاع تدريجيًا منذ عام 2012 وأعلى نسبة بلغتها 19.8% في عام 2014 ثم عادت للتناقص في عامي 2016 و2017. إذ سجلت في 2017 نسبة 14.4%مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

بيد أن الزيادة التي حدثت منذ 2013 و2014، كانت أكبر من عدد عقود الزواج في 2010 وحتى عندما عادت وتناقصت في 2016 و2017 بقيت تسجّل معدلًا أعلى من معدلات الزواج المسجلة في 2010.

يعود السبب لحالة النزوح الداخلي من مختلف المناطق التي أصبحت ساحة للصراع، “كحمص ودير الزور والرقة وإدلب وحلب” إلى دمشق، ونستدل على ذلك من عدم تسجيل عقود زواج منذ 2012 في تلك المناطق.

مع الإشارة إلى أن عدم وجود عقود زواج مسجلة في هذه المناطق، لا يدل على عدم وجود حالات زواج، خاصة تلك التي حدثت من مقاتلين أجانب جاؤوا إلى سورية من أجل “الجهاد” وسجلت عقود زواجهم بألقابهم وليست بأسمائهم الحقيقية.
إذ سجلت في إدلب وريفها وريفي حماة الشمالي والغربي 1735 واقعة زواج، سجلتهم حملة «مين زوجِك»، وهذه المناطق كانت في معظمها خاضعة لـ “هيئة تحرير الشام”.

كما سُجّلت في مخيّمات ريف إدلب التي تضم أغلبية من سيدات نزحن من الرقة ودير الزور 350 حالة زواج من مجهولي النسب، إضافة إلى ما يزيد عن 4000 امرأة و 8000 طفل من عائلات الجهاديين الأجانب المتواجدين في ثلاثة مخيّمات شمال شرقي البلاد في المناطق الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، يقيمون في أقسام مخصصة ويخضعون لرقابة أمنية مشددة.

في اللاذقية: ذات الأغلبية العلوية يلاحظ استمرار التناقص في عدد عقود الزواج لكنه تناقص طفيف في بداية الحرب. إذ تناقص العدد بنسبة 0.06% في 2011، وفي 2012 تناقص بنسبة 1.7% ثم ارتفع في 2013 بنسبة 8.5 وفي 2014 زاد بنسبة أكبر بلغت 22.1% .

بيد أن عدد القتلى من السوريين من منبت علوي قارب 150 ألف شاب علوي خلال 6 سنوات،  بحسب وكالة آكي الإيطالية التي نقلت معلوماتها عن مصدر روسي في 2017، جميع الذين قتلوا من المنتسبين لميليشيات غير نظامية، والدفاع الوطني والأفرع الأمنية و عساكر نظاميين في الجيش، أي أنَّ جيلًا كاملًا من الطائفة فُقد.

وذكرت حركة أحرار العلويون المناهضة للأسد بأن أعداد القتلى تجاوزت الـ 133 ألفًا فيما بلغ عدد المُعاقِين 67 ألفًا و3800 مفقود، مضيفة أنه في اللاذقية وحدها لقي “28589” مقاتلًا مصرعهم وأصيب بحالة إعاقة “4568” شابًا.

كما أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل نحو 122 ألف عنصر من قوات النظام السوري والمسلّحين الموالين لها من جنسيات سورية وغير سورية، بينهم 63,820 جنديًا سوريًا و1630 عنصرًا من حزب الله اللبنانيمجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

هذا التناقض في المعلومات الواردة أعلاه، بيّن الزيادة في عدد عقود الزواج في اللاذقية وتناقص أعداد الشباب العلويين له تفسير واحد. وهو أن الزيادة في عقود الزواج عائدة للنزوح الداخلي من مختلف مناطق الصراع إلى محافظة اللاذقية وغيرها خاصة أن نسبة كبيرة من أهالي حلب نقلوا أعمالهم إلى اللاذقية بعد أن تحولت حلب إلى ساحة صراع، ونستدل على ذلك من خلال الجدول بأنه في حلب لم تسجل أبدًا أي عقود زواج منذ 2013.

الأمر نفسه ينطبق على طرطوس ذات الأغلبية العلوية، يلاحظ تناقص في تسجيل حالات الزواج منذ عام 2011 وتناقصت بنسبة 6.6 % واستمر التناقص حتى عام 2014 وسجل هبوطًا بنسبة 5.4% ثم ارتفعت في 2015 بنسبة 19.3% واستمر الارتفاع ولكن بنسب أقل، حتى عام 2016، ثم عاد وانخفض في 2017 وسجل هبوطًا بنسبة 6.2%.

كذلك الأمر فإن عدد القتلى في مدينة طرطوس بلغ “89567” مقاتلًا ، وأُصيب بحالة إعاقة “58216” آخرون بحسب حركة أحرار العلويون المناهضة للأسد.

بيد أن تقرير الميادين ذكر أكثر من 200 ألف شخص قتل خلال سنوات الحرب الدائرة وأنه لا يوجد فيها سوى من هم تحت سن 18 وفوق سن 40، والنساء والعجائز والأطفال. وأضاف التقرير أن المدينة استقبلت ضعفي إمكانياتها من النازحين السوريين من مختلف المناطق لأن مرافقها لم تدمر بسبب الحرب ولكن شبانها معظمهم قتلوا في ساحات القتال التي زجوا بها الأمر الذي يفسر الزيادة في عدد عقود الزواج.

فجأةً، نسمع صوت رصاصٍ بعيد، نوقف مشغل الأغاني ونصغي السمع أكثر، الصوت يرتفع ويصبح أكثر كثافة، يستمر الأمر كذلك برهة من الزمن.

لم نميّزْ أبدًا إن كان صوت الرصاص إعلان موتٍ جديدٍ، أم هو إعلانُ زواجٍ جديد.

نعم نحن في سوريا لسنا خلّاقين في ابتداع وسائل متباينة للتعبير عن المتناقضات “الموت والحياة”، فنكتفي.. بإطلاق الرصاص كوسيلة وحيدة للتعبير عن كل شيء، يستمر الأمر برهةً من الزمن حتى يخفت الصوت تدريجيًا ثم يختفي.

اختلاف ثقافات ووجهات نظر

تضيق سوريا على أبسط أحلامنا، لا أعتقد أنني سأتزوج، مادامت الزيجات المختلطة محرمة. قالت ذلك بيأس، ثم صمتت وزوى جسدها هامدًا لتدع تجعيدة الشفة والعنين تنسجان حكايتها، حينها أخذت نفسًا عميقًا من سيجارتها الملتهبة، ومفرش الطاولة مازال معلقًا بعينيها التي انتظرت طويلًا.

 
بقيت عليا (35 عاماً) خريجة أدب عربي علوية المنبت تحبُّ شابًا مسيحيًا لمدة 12 عامًا دون أن يستطيعا الزواج بسبب قانون الأحوال الشخصية السوري، الذي يستمد مواده من الشريعة الإسلامية. والذي يحرّم زواج المسلمة من المسيحي حتى يشهر إسلامه.

تعتقد علا أن زيجات الطوائف والأديان، بلا جدوى فهي حتماً ستؤدي إلى الطلاق، والسبب هو اختلاف الثقافات والعادات بين الزوجين. وتضيف: “أن الأمر يختلف حين يعيش الطرفان تحت سقف واحد، ستتكشف كل الاختلافات والفروقات، والأمر برمته لن يحلّ مشكلة العنوسة إذا ما سمح به في سوريا، بل ستزيد نسبة الطلاق”.

لكنّ عليا تختلف مع علا فيما يخص العلويين، فهم كبقية الطوائف تنضوي تحت الإسلام بالإسم فقط.
تقول عليا إننا كأقليات، علوية، مسيحية، درزية، اسماعلية،…. نتقاطع في أشياء كثيرة، عاداتنا، أزياءنا المدنية، أسلوب حياتنا، فنحن مثلًا لا نرتدي الحجاب، إضافة إلى أن العمر المفترض لإطلاق كلمة عانس على فتاة يتقارب فيما بيننا، وهو فوق سن الثلاثين ولاشك أن هناك نسبةٌ من الفتيات ذات المنبت السنّي من سكان المدن خارج المنظومة التقليدية الاجتماعية المحافظة.

تعدّل من جلستها قليلًا بعد أن تأخذ رشفة من فنجان قهوتها ثم ترفع يدها قائلة: “تخيلوا أن صديقتي صفاء ذات المنبت السنّي لم تتجاوز بعد 22من عمرها لديها اليوم هاجس العنوسة، هذا دليل على اختلاف ثقافتينا في بعض الأمور الاجتماعية.

نحن عندما كنا “في عمر 22 كنا نلعب حجرة ورقة مقص”، ولم نلقِ في ذلك الوقت بالًا لما يعنيه مصطلح زواج، نتبادل النظرات لثانيتين ثم نغرق جميعًا في موجة ضحك، تستمر حتى تغرق عيوننا بالدموع ، ولم أكن أدري حينها هل كانت  دموعٌ حقيقيةٌ ممزوجةٌ بقهر وخيبة ما، أم أنها مفرزات ضحك يلطّف العبث الذي نعيث فيه.

ساهمت الحرب في سوريا في تفاقم وتزايد ظاهرة زواج القاصرات لأسباب عدّة، بحيث سجّل ارتفاع لعدد الزيجات المعقودة لقاصرات من 7 إلى 30 % في عام 2015، بحسب تقرير أعدّه المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية.

وأشار التقرير إلى أن هذه الظاهرة ترتبط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية، حيث أن انتشارها يختلف تبعًا للبيئة والظروف المحيطة بالفتاة القاصر، موضحًا أن نسبةَ تزويج القاصرات في سوريا قبل الأحداث الدامية بلغت نحو 7 % من مجموع القاصرات السوريات، وأنها أخذت بالارتفاع والزيادة سنة بعد أخرى مع اشتداد الصراع والعنف المسلح، حتى بلغت 30 % عام 2015.

و وفق إحصائيات صادرة عن وزارة العدل في سوريا، فإن هذه النسبة تزيد كثيراً في مناطق الأرياف البعيدة عن العاصمة، إذ أن 60 بالمئة من الزيجات غير المسجّلة في المحاكم الشرعية عقدت على قاصرات.

وتزداد نسبة تزويج القاصرات عند تجمعات النازحين و اللاجئين، وفي تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة جاء فيه: إن 70% من اللاجئين السوريين هم من النساء والأطفال.

وأصدرت المنظمة تحذيرات عدة حول مسألة تزويج القاصرات السوريات في الأردن، وقالت المنظمة بلسان العديد من مسؤووليها: “تشعر بالقلق بشأن الزواج المبكر، الذي ستخدم كآلية للتأقلم مع الأوضاع”.

ويبلغ عدد الفتيات السوريات المسجّلات في سجلات مفوضية اللاجئين العاملة في الأردن، واللواتي يعتبرن في دائرة الخطر ما نسبته 26.3% من عدد اللاجئين, ووفق المصدر نفسه تتباين نسبة تزويج القاصرات بين دولة وأخرى من دول اللجوء.

ووفق تقرير للأمم المتحدة، ففي الأردن هنالك 50% من مجموعات زيجات اللاجئات السوريات زواج مبكر (بحسب إحصائية قضائية في الأردن عن العام 2015)، بينما 32% من حالات الزواج بين اللاجئين في لبنان لفتيات تحت سن الثامنة عشر (وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ونسبة 25% نسبة زواج القاصرات السوريات في مصر

كنا نستعرض بعض هذه المعلومات على أجهزة الموبايل ونحن نثير هذا الموضوع،  ما بين الحزن و بعض الضحك المصطنع، نغرق في صمت مطبق يستمر لعدة ثواني حتى تقاطعه أريج ذات 28 عامًا خريجة أدب فرنسي، قائلة: “أتمنى أن يتوقف اختلاف الثقافات عند حدود الأديان والأقليات”، ننظر إليها جميعًا منتظرين أن توضح، تتابع قائلة: “قد تجدين نفسك غريبة في بيتك، في طائفتك، عند جميع الرجال الذين تعرفتي بهم، لا تنتمين إلى أي من هؤلاء ولن تستطيعي أن تنتمي إلى رجل ما”.

نعم جميعنا كنا نعرف ما تقصده أريج، الفتاة التي خُطبت مرتين وفُسخت الخطبة، في المرة الأولى كان الرجل الأول يشترط عدم خروجها للعمل، معلنًا لها معتقداته حول هذا الأمر بأن الفتاة خلقت فقط للمطبخ والبيت طالما انه يستطيع أن يصرف على البيت، لم يتبين ذلك إلا بعد خطبتها على الرغم من معرفتها به من قبل مدة ستة أشهر، كما أن الثاني لم يكن أكثر انفتاحًا من الأول ووقعت في براثن المشكلة نفسها.

إنها تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين زمنين متباعدين، زمن أمهاتنا القانعات القانتات الراضيات، المكبلات بسياط العيب والحرام والصبر على قسوة الرجل، وبين زمن الانترنت وازدياد وعي المرأة أكثر بحقوقها، وكيانها، واستقلاليتها.
يستمر تواجد من يشبهن أمهاتنا في هذا الزمن، ولكن حالتهن تبدو أشبه بالقبائل التي تلحظها الحداثة فتتجاوزها دون أن تزعجها، هن نادرات وقليلات.

اليوم فتيات سوريا أكثر قوةً ووعيًا، لكن المأساة تكمن في أن البعض من الرجال لم يواكب هذا التطور وهذه المرحلة الانتقالية للمرأة.

مازال الرجل يخبّئ طربوشه داخل رأسه الذي يظهر مرتب الشعر حديثًا، مازال يخبّئ صندوقًا أسودًا، يحمل استبداد الشرق كاملًا يلجأ إليه في كل ليلة، يحمله داخل رأسه أينما ذهب، لأنه مصدر قوته الوحيد في وقت يعوّضه عن الهزائم المتلاحقة التي يتجرعها كل يوم من سلطة مستبدة، ورئيس في العمل مستبد.

أريج كغيرها من معظم فتيات جيلها الجامعيات، لن تستطيع بعد اليوم أن تكون تحت رحمة الاستبداد، لن تستطيع أن تعيش على حافة هذه الهوة السحيقة، غير مستقرة وقلقة، لذلك فضّلت التمسك بحريتها وبما وصلت إليه على أن تكون أما سجينة.

مفاضلة صعبة بين طريقين، كلاهما ينتهيان إلى الوحدة والاغتراب، فإما اغتراب نفسي وإما اغتراب جسدي ، أو كلا الاثنين معًا.

تضع يدها على خدها ثم تغرق في أفكارها، تتجمد كتمثال ونشعر نحن حين ننظر إليها أننا تجمدنا معها جميعًا وتوقف الزمن لسنوات، مرت هذه الثواني ثقيلة علينا جميعاً، وكأننا كنا عالقين في نفق الوحدة المظلم، لا نملك بوصلة للنجاة أو أي بصيص نور يخرجنا مما نحن فيه، إلا أن شيئًا غير متوقع يوقظنا ويعيدنا إلى أنفسنا، مواء قطة كانت قد اقتحمت جلستنا فيما كنا عالقين هناك، في النفق.

الوضع الاقتصادي المزري

لا أندم على ذلك، إلا أن نظرتها سرّبت ندمها، أمسكت خصلة شعرها المصبوغ، واستمرت تقلّبها في حركة عبثية، تحاكي على نحو ما عبثية الحياة التي نحياها.

نظرت إلينا نظرة خاوية من أي تعبير، ثم ابتسمت ابتسامة جانبية تنم عن سخرية عميقة، قائلة لا أدري، ربما مفاضلتي بين شيئين لا يمكن المفاضلة بينهما، أوصلتني إلى هذه الجلسة معكم ، نكفكف ندوب قلوبنا، نستسلم لثبات عميق.
هذا ما بدت عليه سمارة ذات الثلاثين ربيعًا وهي الفتاة الجامعية التي رفضت شابًا كان قد تقدم لخطبتها لأنه فقير الحال، ومتطوع بالجيش.
تعتقد سمارة أن الحالة المادية هي الأساس لأي فتاة تحلم بالاستقرار والزواج، تقول: “كيف لي أن اكتفي بالحب لأطعم أولادي المستقبليين خصوصاً في هذه الظروف، و أوفر لهم حياة كريمة؟ المال ضروري جدًا، بل يمكن اعتباره هو الأساس لأي علاقة، إلا أن الشباب العاطلين عن العمل في سوريا نسبتهم كبيرة جدًا، هذا عدا عن أن العاملين أنفسهم في قطاع الدولة أو قطاع الجيش، يتساوون تقريبًا مع العاطلين عن العمل، فالأجور لا تتناسب أبدًا مع الأسعار السائدة”.

وبحسب المسح الديمغرافي الاجتماعي المتكامل المتعدد الأغراض (2017-2018) الصادر عن المكتب المركزي السوري للإحصاء، فقد بلغ معدّل البطالة في عام 2017 في سورية بشكل عام على المستوى الإجمالي للسكان لعمر 15سنة فأكثر 15.2% أما على مستوى المحافظات فبلغ معدل البطالة في دمشق 11.9% وفي حلب 9.6% في اللاذقية فقد بلغ 14.7% وفي طرطوس 22.4% وهي نسبة مرتفعة.

وحسب المجموعة الإحصائية لعام 2018 الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء في سورية، فإن عدد العاطلين عن العمل (15 سنة فأكثر حسب الجنس والمحافظة بلغ لعام 2017 في محافظة دمشق ذكور 28343، أما الإناث 25921 والمجموع كاملا بلغ 54264 أما في حلب فقد بلغ عدد المتعطلين الذكور 29779، وعدد المتعطلين الإناث 10427، فيما بلغ مجموع المتعطلين ذكورا وإناثا 40206.

وفي اللاذقية بلغ عدد المتعطلين الذكور 34874 والمتعطلات الإناث 41223 ومجموع الإثنين معاً 76098
وفي طرطوس بلغ عدد المتعطلين عن العمل الذكور 47406 وعدد المتعطلات الإناث 42972 ومجموع الاثنين معًا 90378.
وهنا يلاحظ على نحوٍ جليٍّ من خلال الأرقام الواردة أعلاه بأن عدد العاطلين عن العمل في اللاذقية وطرطوس أكبر بكثير من عددهم في حلب و دمشق.

تقول عليا بعد أن تعدّل من جلستها قليلًا” إن معظم العاملين في اللاذقية و طرطوس يعملون إما في قطاع الجيش أو القطاع الحكومي وهذا عائد إلى العقلية السائدة المكرّسة لدى العلويين التي تربط بين شعورهم بالأمان و تقاضي راتب دائم يحميهم من العوز.

بيد أن أعلى سقف لرواتب القطاع العام يبلغ 65000 ولا يبلغه إلا عندما يصل إلى حافة التقاعد، إذ يبدأ من 15 ألف في بداية التوظيف وسطياً ويرتفع تدريجيًا.

تتابع عليا بعد أن ترتشف كأس ماء قائلة: “أما أهل دمشق وحلب ذات الأغلبية السنّية فهم يشتغلون في مجال الخدمات والتجارة وهي مهنة موروثة لديهم أبًا عن جد، لذا فإن معظمهم ينعم بحالة مادية مقبولة إلى جيدة إلا ان الحرب أرخت بظلالها على الفتيات السوريات من المنبت السنّي أيضاً.

تنظر عليا إلى سمارة وترفع حاجبًا وترخي آخر، موجهة كلامها إليها، حسنًا قولي لي الآن من أين لك أن تحصلي على شاب علوي يملك المال، إذا كان هذا الذي قلته قبل قليل هو معظم حالنا؟ تصمت منتظرة ردة فعل سمارة، إلا أن سمارة تكتفي بمط شفتيها للأسفل، ورفع كتفيها على نحو لا مبالي.
إذن… فتشي خارج الطائفة أو كوني راضية بما لديك تقولها عليا على نحو قاطع، فيما كانت تنظر مباشرة في عيني سمارة.
تتابع عليا قائلة: “على أية حال إن معظم السوريين بكافة طوائفهم لا يكتفون بعمل واحد فهم يعملون عملين وثلاثة أعمال إضافية ليأمنوا قوت يومهم، إذا كانت أية أسرة سورية تحتاج شهريًا إلى مبلغ يتجاوز 250ألف ليرة حتى تعيش حياة متوسطة فوق خط الفقر حسب تقديرات حكومية، فعن أي زواج واستقرار يمكن ان نحلم به!”. 

بحسب المسح الديمغرافي متعدد الأغراض فإن متوسط إنفاق الأسرة الشهري في دمشق 136788 ليرة سورية، وفي حلب 101390 ليرة سورية، أما في اللاذقية فقد بلغ 120384 ليرة سورية شهريًا، وفي طرطوس 130523 ليرة سورية وهذا الإنفاق هو أربعة أضعاف الرواتب الممنوحة، هذا عن الانفاق الفعلي الذي يحدث،فماذا عن ما هو مفترضٌ قياسًا بعام 2010؟!.

وحسب دراسةٌ أجراها المكتب المركزي للإحصاء وكشف عنها في 24 شباط الماضي، يقول مدير إحصاءات التجارة والأسعار في المكتب المركزي للإحصاء بشار القاسم: “متوسّط الإنفاق التقديري للأسرة السورية لعام 2018 بلغ 325 ألف ليرة شهرياً، أي ما يعادل أكثر من 700 دولار أمريكي. ما يعني أن الفجوة بين الدخل والمتطلبات الحقيقية للإنفاق تزيد بنحو 8 أضعاف، بالإضافة لانخفاض القوة الشرائية لليرة السورية إلى 91,66% لحساب الدولار الذي يساوي 600 ليرة.

تتابع عليا قائلة: “المشكلة تتجسّد في العاملين بقطاع الجيش، هؤلاء عالقون في الوحل، يتقاضون أجورًا ضئيلة، هذا عدا عن أن إطعامهم من قبل النظام الحاكم لهم يتساوى مع طعام الكلاب، وأغلبه عبارة عن حبة بطاطا مسلوقة أو طعام مكشوف غير صحي، لا يكفي حتى لسدّ الرمق، فينفقون معظم ما يتقاضون على طعامهم..هل حقًا يفكرون بالحب والارتباط؟!”.

تتوقف قليلًا لتتفقد جوالها، ينعكس ضوء الجوال على وجهها فتظهر خطوط وجهها الدقيقة، الشفتين والعينين، تبدو عليا أكبر سنّا حين يسقط وجهها بفعل الجاذبية، تقلب في الجوال لبرهة، لم تجد ما تبحث عنه، تغلقه بحركة سريعة، ثم تضعه على الطاولة بحركة لا مبالية، وتنظر إلينا وكأنها استعادت وعيها قائلة: نعم أين كنا… آآه تذكرت كنا نتحدث عن جوع العساكر، نعم ينفقون معظم أجورهم على الطعام، وأي طعام تطلق ضحكة ساخرة، ثم تكمل قائلة، طعام الندوات المملوكة لصالح الضباط الكبار من رتبة عقيد وأعلى.

من المعروف أن معظم الذكور العلويين انتسبوا للجيش نتيجة التفقير الممنهج الذي اتبعه النظام الحاكم في مناطقه، قراهم فقيرة بالخدمات، وحتى المدارس سيئة.
روّجت عائلة الأسد لنفسها على أنها المنقذ الوحيد لهم من القتل على الهوية لذلك يجب على العلويين أن يقاتلوا كي يحموا أنفسهم وبناتهم من أن يصبحوا سبايا وضحايا.
إلا أن الهدف الأساسي للنظام لم يكن سوى حماية كرسيه من الانزلاق، إذ شكّل العلويون في معظمهم محرقة لتبقى كرسي الأسد ثابته.
أما داعش فتلك حقيقة لا يمكن إنكارها، اضطهدت وقتلت، وعذّبت ونكّلت بالشعب السوري وخاصة الطائفة العلوية ممن وقع بين أيديها.

إذن كيف يمكن لشخص عالق أن يحيا، هذا مستحيل، والمطلوب فقط هو الدفاع عن الكرسي والموت في سبيله.

هل من حلول؟

نجدد قهوتنا ونرفع صوت فيروز، أردناه ضجيجًا يطغى على ضجيج عقولنا وأنين قلوبنا،  نرفع أصواتنا جميعًا ونغني فيروز، نسرد في مرحنا المصطنع، لا نريد سماع شئ آخر. نريد فقط أن نبقى خارج أنفسنا، خارج أرواحنا، وخارج عقولنا، قشور لا نبحر إلى العمق حتى لا نفكر، مجرد قشور.

فجأةً ترفع صوتها أريج، قائلة: “اخفضوا ضجيجكم ، قد نوقظ الجميع هكذا”، نخضع للأوامر ونخفض ضجيج خارجنا، ليعود ضجيج داخلنا فيرتفع تدريجيًا إلى أن يعلو فوق كل شئ، والآن هل من حلول لكل هذا الهزل، هل من حلول لنا أيتها العوانس، تقولها عليا وتكشف عن ضحكة مشوبة بغصة الألم، ثم يضحك الجميع معها.  مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

تنظر علا  إليها نظرة خاوية، ثم تقول، اعتقد أنه ما من حلول فكما قلت لكم من قبل عدد الفتيات يتجاوز عدد الذكر، فمن أين لنا أن نأتي بعدد إضافي من الشباب  ليتناسب مع عدد الفتيات، هل نقوم بالاستيراد مثلًا.  مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

تجيبها عليا بخبث، نكرس تعدد الزوجات فهو مناسب ويفي بالغرض، ثم تعود لسخريتها من كلّ شئ،
إلا أن أريج كانت تملك رأيا مخالفًا، فهي تعتقد أن العائق الاقتصادي يمكن إزالته، وهذا أمر يقع على عاتق النظام الحاكم.
تقول أريج: “يجب على الدولة أن تقدم مساكن شبابية وبأسعار مناسبة ومقسّطة لمساعدة الشباب على الزواج، إين هي القروض؟ من الممكن أن تقدم الدولة قروض زواج ولكن دون فوائد من أجل بداية حياة زوجية، ولا ننسى أبدا تحديد فترة الخدمة الإلزامية والاحتياطية للشباب العالقين في الجيش فترة الحرب كلّها، لقد التهمت الحرب أعمارهم وخبراتهم وهمتهم”.

تعود علا لتتشبث بفكرتها، بعد أن أخذت رشفةً من القهوة الجديدة التي فاحت رائحتها في الهواء ثم تقول لأريج: “كل ما تتحدثين به هراء، ليس هناك حلول حتى تنتهي الحرب، وأنا أعتقد أن الحرب لن تنتهي، لأننا عالقون في دوامة حروب ما أن تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى. نحن جيل علق في متاهة القلق واللاستقرار إلى الأبد، ولا اعتقد أننا سنتمكن من حل هذه المعضلة، معضلة العنوسة”.

نغرق جميعًا في التفكير، ونستغرق مع صوت فيروز يهمس ضعيفًا في آذننا
جميعنا عالقون في نفق واحد، إلا أن كل واحدة منا تجلس في زاوية مختلفة لترسم رؤىً متباينةً فيما بينها، لكنها متكاملةً مثل لعبة البازل إذا ما تمّ تجميعها.

يعود الهواء ليصبح ثقيلًا وباردًا وتعود القطة ذاتها لتنقذنا من نفقنا بموائها العالي، وكأنّ القدر أراد أن يسوقها في كل مرة لتنقذ أحلامنا بغد أجمل.

مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

مجرّد رقم … أمهات مع وقف التنفيذ

شاهد أيضاً

ما الذي يمكّن الحوثيين على الاستمرار؟

 ستة أعوام مضت على الإنقلاب الذي قاده الحوثيون ضد الحكومة الشرعية اليمنية واجتياحهم صنعاء، تاريخ …

أترك رد