بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج
بحثاً عن هوية جديدة... اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

محمد العويد – تحقيق

التحوّلات السورية في اللجوء قاسية ومريرة، وإن بدت بعض الصور” الفيس بوكية” زاهية وتعاكس المشهد العام، ولعل بحضورها بعض السكينة المؤقتة، لكنها حتماً لا تلغي الجرح النازف والمفتوح منذ سنوات بين عين على الغرب وقلوب تحلم بشرقها الذي هجرت منه عنوة .

استمع لمحدثي الثمانيني،يعود أربعين عاماً للخلف، في ذاكرته تختبئ تفاصيل لم نعِ كنهها وتحوّلاتها الدامية. أحاول عبثاً الربط إن كانت تلك التفاصيل المخفية هي التي مهدت لما نعيشه من أوجاع لا تنتهي  والقبول بقسمة “ضيزى”تتفكك معها الأسرة الصغيرة، وصولاً للوطن الجامع ويبقى عالقاً مشهد أربعين عاما من التهجير، والقلب معلّق بذات الأمكنة الأولى، فهل تعلّق اللاجئون الجدد بذات الأماكن؟ يقارن ضيفي خلال تحضيري لهذا التحقيق، فما أشبه الأمس البعيد بالحاضر القريب.

برلين ” مربط خيلنا”
تحوّلت بوصلة السوري من ” باريس مربط خيلنا” تاريخياًَ إلى برلين، لتبرز ألمانيا الاتحادية كنقطة جذب للّاجئين السوريين، نتيجة التسهيلات المقدَّمة من الحكومة الألمانية فيما يتعلق بالإقامة، ولمِّ الشمل، والمعونة الاجتماعية. وكذلك تجاهلها “بصمة دبلن” التي تفرض على اللاجئ تقديم طلبه في أوّل دولة أوروبية تطؤها قدماه، ما حفّز سوريين كثيرين على اعتماد خيار اللجوء إليها.
فيما تباينت مواقف الدول الأوروبية من لجوء السوريين، فبعضها ينظر إليها من زاوية أمنية، وبعضها الآخر رآها تهديدًا ديموغرافيًا وإخلالًا بالتركيبة السكانية لدول الاتحاد الأوروبي. وبحسب بعض الدراسات فقد شهد الاتحاد الأوروبي  موجةً من المهاجرين، تعدّ الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وتقدر أعدادهم بمئات الآلاف، وصاحبتها عشرات من المآسي الإنسانية الفظيعة، وقد احتل اللاجئون السوريون عناوينها العريضة.
وتشير أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ السوريين يشكّلون أكثر من ثلث العدد الكلي من اللاجئين في العالم (34 في المائة)، وهذه النسبة تنمّ عن حجم الكارثة في سورية، وحجم معاناة الشعب السوري. وقد استقبلت أوروبا منهم 897 ألفًا حتى كانون الأول 2015، بعد أن ارتفع هذا العدد من235 ألفاً في غضون عام واحد فقط. نصف هؤلاء من الأطفال ومعظمهم ينتمون إلى فئة عمرية تُراوح بين 18 و34 سنة. و13 في المئة من اللاجئين هم من حملة الشهادات الجامعية وربعهم حاصلون على الثانوية.
على أن الترحيب” الألماني” سرعان ما أصابه ” الفتور” مع بدايات العام الجاري 2019، وانتقل القلق من بعض الجمعيات اليمينية الى اللاجئ السوري، بعيد تسريبات وتلميحاتٍ لإعادته من حيث قدم. عوامل ساعدت مجدداً للعودة للمربع الأول، حيث يسيطر القلق والحنين،  والتفكير السلبي أن لا طائل من أي محاولات للاندماج وإبراز الهوية الغائبة، فكلّ الجهود ” تذروها ” رياح الأحزاب اليمينية.
يقول “أمجد عدنان”، الحاصل على إقامة ثلاث سنوات في ألمانية: “نعم هذه السنة أعادت الريبة والخوف، وجعلت اللاجئ السوري ينظر إلى مستقبله في هذا البلد بنوعٍ من القلق، وبالأخصّ من العودة إلى سوريا, لافتاً إلى أنّ ثمة عوامل نفسية أصلاً، تؤثر في استقرار اللاجئ السوري.

يوميات الحرب في سورية لم تنته بعد، ثمّة حيرة وخوف يومي على أهلنا هناك، من قتلٍ من جرحٍ، أو من تهجير. وبالتالي بقس هذا الشعور يلازمنا هنا في برلين، وأثّر في اندماجنا بالسرعة المطلوبة. إضافةً لعوامل نشوء الأحزاب اليمينية التي ترفع بكلّ مناسبة شعاراتٍ معاديةٍ للاجئين، وهذا عامل أقسى من سابقه، فكيف نكوّن هويةً في ظل هذا الصراع الداخلي والخارجي”.
على أن الصورة النمطية ليست هي السائدة هناك، فبعض ” المغامرة” افضل من انتظار التقلبات، إذ انطلق المهاجر السوري ليشكّل بداية ملحوظة لهوية تبحث عن حضورها، فحضر رأسمال وافتتحت العديد من المحلات والمطاعم، وفي “شارع العرب” كما يسمّيه محبّوه، نلحظ عشرات المحلات السورية المختصة بالأطعمة والحلويات وتجارة الملابس. مطارح بدت منافسة لأسواق برلين التاريخية فهي تقدّم مذاقا جديداً لسكان وزوار العاصمة، وأسعاراً تفضيلية تريد إيجاد موطئ قدمٍ لها، فترضى بالقليل من المال وجودة الخدمة.
” أتوجّه دوماً إلى هناك، إنّها فرصةٌ مهمة أن تجد كثيراً من معارفك هناك دون مواعيد مسبقة. في شارع العرب تشعر ” بالأريحية”، كما لو كنت هناك في إدلب السورية، أصحاب المقاهي باتوا أصدقاءنا، نمازحهم ولا نحرج حال عدم توفر المال بذات اليوم. كلّ معارفي نلتقي هناك” يجيب عدنان حول أهمية المكان
هويات عائلية مهددة. 
في جلسات العائلة القليلة مقارنةً بأيام سورية، يقبل الصغير” أيهم 8 سنوات” بنهمٍ غير طبيعي للعودة واستذكار أقرانه وألعابهم و”قفشاتهم” ضاحكاً من قلبه، وكأنها حدثت للتوّ قبل عودته من مدرسته الفرنسية. يكرّر الأب مطلبه “لأيهم”: لم لا تحدّثنا عن أصدقائك هنا؟ في المدرسة.. في الحي.. في الرحلات المدرسية.. وفي الأنشطة الرياضية.. لم لا تروي حكاياتك مع مئات منهم على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتابع لساعات طويلة؟ يقول الأب :”غالباً لا إجابة سوى الاستمرار بالحديث عن موسى هناك”.
عائلة “أيهم” تقسّمت، كما لو أنها شطيرة خبز. الزوجة قابعة في بيتها، تنتظر جلسات المحكمة للنطق بقرار الطلاق. الأب يحاول الاندماج عبر دروس الجمعيات المعنية بكبار السن، آمال فرص العمل تنعدم للكبار. خلافات طرأت وتعدّدت أسبابها. التغيرات ليست فردية على العائلة السورية، حيث وصلت فرنسا قبل أربعة أعوام. إذ ثمةّ أسرٌ تشابهها بواقع الحال، لكن لم تقدّم دراسات بحثية تشير لمعطيات تقريبية، لكن كثيراً من غرف التواصل الاجتماعي تفضح المستور.
إلى الشمال من فرنسا تشير دراسة حديثة وضعها الأكاديمي أحمد جاسم الحسين، تشير الى :”أن 25% من العائلات السورية في هولندا شهدت حالات طلاق خلال السنوات الست الأخيرة، فيما يفكر 25% منهم بأبغض الحلال.
يقول الحسين :”إن دراسته أجراها في قرية هولندية تقطنها 40 عائلة سورية، وتمّ أخذ العينات منها بشكل عشوائي، ومن مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والمادية.”ويلفت الباحث الى أن “هذه المجتمعات لا تريد للعائلة أن تظل كقوة اجتماعية، ليسهل للدولة تمرير القوانين والأنظمة التي تريدها، والحوامل الاجتماعية والدينية والفكرية والاقتصادية، التي كانت تسند بقاء الأسرة السورية. لم تعد موجودة هنا، وكذلك لم يعد مفهوم العائلة الكبيرة: الأب والأم والأبناء والأحفاد موجوداً، بل بقي الزوجان فقط”.
وسط الهويات الضائعة، تبرز أخرى مناقضة لها تماماً، تتابع أخبار التفوق والنجاحات لأفراد وأسر سورية في هذه الدولة أو تلك. أيضا ًلا مؤشرات رقمية تسند الباحث، لكنّ العديد من الصفحات الاجتماعية تهتم بهذا الجانب، ويجد به العديد فرصة ليقولوا صوتهم بأهمية التركيز على النجاحات، لخلق بيئة مشجّعة للاجئين الجدد، وتقديم صورة للمواطن الأوروبي تليق بالسوريين وقضيتهم. واحدة من قضايا النجاح التي تابعتها زمنياً ما كتبته إسراء الشرع عن تقديمها لرسالة الماجستير بهندسة العمارة في فرنسا، وكنت سابقاً قبل سنوات تابعت نجاح أخيها” قتيبه”، بتجاوز معوّقات اللغة وتفوّقه، وبات اليوم على أبواب التخرج الجامعي، مختصاً بالمعلوماتية.

تسرد “إسراء” بعضاً من محطاتها :”قبل ذلك كنتُ قد بدأتُ دراسة العمارة في جامعة دمشق، ووصلتُ إلى السنة الخامسة، ولم أُنهِ دراستي، بسبب مغادرتي لبلدي سوريا، وبعدها في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، حيث تم إعادتي إلى السنة الثالثة، حسب قوانين وقرارات الجامعة، و تابعتُ إلى السنة الخامسة، و حصلتُ منها على البكالوريوس، وبذلك مررتُ بثلاث محطات دراسية بثلاث لغات: العربية والإنكليزية والفرنسية ، فطريق العلم بروعة نهايته، يحمل الكثير من العوائق و الحفر .. ولا سيما عندما تكون الهندسة المعمارية هي من تستقبلك بحفرها ذات الأفخاخ “.
وتُضيف إسراء : ‎”فرحة اليوم ممزوجة بغصّة في القلب والألم لكل شهيد، ولكلّ معتقل، ولكلّ مصاب، في سبيل الحرية والكرامة.. في سبيل أن تكون سوريا أفضل…
شبابٌ وأطفال سُلبت حياتهم قبل أن يعرفوا طريقهم، وقبل أن ينتهوا من جمع أحلامهم .. يُشرّفني أن أهدي لهم هذا النجاح، كما أهديه لسوريا وثورتها المباركة.. سوريا التي لم أغادرها ولم تُغادرني يوماً، سوريا التي تطالبنا في كل يوم بالتزوّد بالعلم والمعرفة .. لنعود إليها ونُضمّد جراحها بعلومنا .. ونبنيها بمحبتنا… كي نكون أفضل”.
وكما نجح العشرات اقتصادياً في برلين، فإن اقرأنهم مع فارق العدد بين البلدين، نهجوا ذات المسارات ، فالعشرات من الشباب السوري باتوا جزءاً من منظومة العمل في قطاعات مختلفة في فرنسا، سواء منها ما تعلّق بالوظائف أو الدراسة أو الاقتصاد عبر محلات غذائية ومتاجر بسيطة، وصولاً للاشتراك بالأسواق الشعبية الأسبوعية التي تقام في غالبية المدن الفرنسية بشكل أسبوعي.
صدمة اللجوء ولعلاج
فاجأ خلدون النبواني، الباحث الفلسفي في جامعة السوربون الفرنسية جمهوره السوري ومتابعيه على حسابه الاجتماعي، بدعوة الجميع للعلاج من الصدمات المتتالية، فكتب تحت عنوان “نصيحة بخاصة للسوريين الجدد اللاجئين في أوروبا، إذا وجدت نفسك في حالة ضيق نفسي حقيقي أو في حالة اكتئاب مزمن، أو في حالة اضطراب عصبي، يصل بك حدّ فقدان السيطرة على تصرفاتك، اذهب مباشرة ودون أي حرج أو تردد لمراجعة طبيب نفسي، (ليس محللاً نفسياً أو معالجاً سلوكياً في البداية). تحدّث بصراحة للطبيب، ولا تقاوم فكرة مراجعة الطبيب النفسي. لست مجنوناً كما يُقال غالباً لكلّ من يراجع طبيباً نفسياً. أنت فقط في هذه الحالة بحاجة إلى مساعدة من الخارج، أي من خارج إرادتك وإمكانياتك وتجاربك السابقة. وبالمناسبة وحده من لا نفس له لا يعاني من مشاكل نفسية”.
الدعوة لاقت ترحيباً من الغالبية ممن شاركوا الباحث نظرته، معتبرين أن الظروف التي يمر بها السوري في الغرب مرهقة، وتحتاج لكثير من الاسترخاء، واستشارة طبيب نفسي، نظراً لتفاوت البيئات والثقافات والهويات، وليس آخرها ارتباط السوري بواقع الحال ببلده،  وما يعانيه الناس هناك.
وفي ردّه على سؤال لأحد المعلّقين من سورية، ينصح الباحث: “الشيء الوحيد الذي أعرفه أن بلادنا تفسح رغم كل شيء بأشكال تنفيس كثيرة، ولا تحضر الأمراض النفسية عندنا كما هي في الغرب، وبخاصة للأجانب الذين يشعرون بالضياع،  ويسقطون بسرعة نهب الاضطرابات”.
تقول بعض الدراسات الاجتماعية أن حالة اللاجئ وصدمته بواقعه الجديد، تحتاج زمنياً لمتوسط ثلاث سنوات حتى تمرّ بهدوء، لكن ذات الدراسات تمايز بين أعمار اللاجئين من أطفال وشباب وكبار في السن، وصولاً إلى اختلاف بيئاتهم الأصلية، ومروراً بمواقعهم وظروفهم في بلد اللجوء الجديد، وهو ما يبقي الباب مشرعا على احتمالات المزيد من الزمن.
وتتطابق صدمة اللجوء بأحد جوانبها مع أزمة اللغة لجهة العوامل والوقت وعلى قاعدة “من عرف لغة قوم أمن شرهم وخيرهم “يعتبر شرط اللغة أحد أساسيات الاندماج في غالبية المجتمعات الأوروبية، فأحد شروط الإقامة الدائمة في ألمانيا هو تحصيل درجة من معرفة اللغة الألمانية تؤهل الوافد؛ للسفر والحضر، والمشاركة في الحياة العامة، فيما تشترط فرنسا اللغة للحصول على الجنسية، إضافة لمعايير أخرى وهو ما يعني جملة من التحديات تواجه اللاجئ وعليه تخطيها مجتمعة.
البحث جار
ستبقى مهمة البحث عن هوية السوري في بلدان اللجوء قائمة ومستمرة بمبادرات فردية او جماعية، ويرى البعض أن حضور جمعيات مدنية وأخرى خيرية، عمادها السوري في الغرب سيساهم في السنوات المقبلة بتشكيل الهوية المطلوبة، ويشير العديد الى أن القضية تحتاج لوقت، قد يمتد لأكثر من عقد مبرراً رأيهم أن السوري”ما له بالقصر من الأمس العصر” في إشارة لحداثة زمنية للحضور السوري في عموم المجتمعات الغربية، مقارنةً مع أشقائه العرب، التي يمتد بعضها لعشرات السنين، ويرى أصحاب هذا الرأي بأن قواعد أي هوية يكون عمادها الشباب الذين بدت ملامح نجاحهم تبرز مؤخراً, أما في الحديث عن الهوية بمعناها الاجتماعي، فثمة انقسام بالرأي مردّه أن القارة الأوروبية لا تعترف أصلاً بمثل هذه الهويات الطارئة، إضافة للتباعد الجغرافي بين السوري والآخر، لجهة التوزع والأعداد وذوبان بنسبٍ ملحوظة، وهو ما يفرضه أي مجتمع. إضافة لإشكالية قائمة ان الأصل في الحالة السورية أن الغالبية لم يكونوا منخرطين بالمجتمع المدني وتشكيلاته، والتي هي أصلاً ممنوعة في البلد الأم سورية، وهو ما يعني ان ثمة حاجة للوقت للاعتياد على التنظيم والاستثمار والقبول والمشاركة والعمل الجماعي لدى عموم السوريين في الشتات، وهو ما يبقي السؤال مشروعاً إن كان محدثي الثمانيني ممن صمدوا بوجه ضياع بهويته السورية، أم ثمة آمال باقية بهوية تبرز وتساهم في المستقبل المنشود لسورية وأبنائها.

بحثا عن الهوية الجديدة للاجئين في أوروبا صعوبات الاندماج وآمال المستقبل

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

محمد العويد – تحقيق

التحوّلات السورية في اللجوء قاسية ومريرة، وإن بدت بعض الصور” الفيس بوكية” زاهية وتعاكس المشهد العام، ولعل بحضورها بعض السكينة المؤقتة، لكنها حتماً لا تلغي الجرح النازف والمفتوح منذ سنوات بين عين على الغرب وقلوب تحلم بشرقها الذي هجرت منه عنوة .

استمع لمحدثي الثمانيني،يعود أربعين عاماً للخلف، في ذاكرته تختبئ تفاصيل لم نعِ كنهها وتحوّلاتها الدامية. أحاول عبثاً الربط إن كانت تلك التفاصيل المخفية هي التي مهدت لما نعيشه من أوجاع لا تنتهي  والقبول بقسمة “ضيزى”تتفكك معها الأسرة الصغيرة، وصولاً للوطن الجامع ويبقى عالقاً مشهد أربعين عاما من التهجير، والقلب معلّق بذات الأمكنة الأولى، فهل تعلّق اللاجئون الجدد بذات الأماكن؟ يقارن ضيفي خلال تحضيري لهذا التحقيق، فما أشبه الأمس البعيد بالحاضر القريب.

برلين ” مربط خيلنا”
تحوّلت بوصلة السوري من ” باريس مربط خيلنا” تاريخياًَ إلى برلين، لتبرز ألمانيا الاتحادية كنقطة جذب للّاجئين السوريين، نتيجة التسهيلات المقدَّمة من الحكومة الألمانية فيما يتعلق بالإقامة، ولمِّ الشمل، والمعونة الاجتماعية. وكذلك تجاهلها “بصمة دبلن” التي تفرض على اللاجئ تقديم طلبه في أوّل دولة أوروبية تطؤها قدماه، ما حفّز سوريين كثيرين على اعتماد خيار اللجوء إليها.
فيما تباينت مواقف الدول الأوروبية من لجوء السوريين، فبعضها ينظر إليها من زاوية أمنية، وبعضها الآخر رآها تهديدًا ديموغرافيًا وإخلالًا بالتركيبة السكانية لدول الاتحاد الأوروبي. وبحسب بعض الدراسات فقد شهد الاتحاد الأوروبي  موجةً من المهاجرين، تعدّ الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وتقدر أعدادهم بمئات الآلاف، وصاحبتها عشرات من المآسي الإنسانية الفظيعة، وقد احتل اللاجئون السوريون عناوينها العريضة.
وتشير أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ السوريين يشكّلون أكثر من ثلث العدد الكلي من اللاجئين في العالم (34 في المائة)، وهذه النسبة تنمّ عن حجم الكارثة في سورية، وحجم معاناة الشعب السوري. وقد استقبلت أوروبا منهم 897 ألفًا حتى كانون الأول 2015، بعد أن ارتفع هذا العدد من235 ألفاً في غضون عام واحد فقط. نصف هؤلاء من الأطفال ومعظمهم ينتمون إلى فئة عمرية تُراوح بين 18 و34 سنة. و13 في المئة من اللاجئين هم من حملة الشهادات الجامعية وربعهم حاصلون على الثانوية.
على أن الترحيب” الألماني” سرعان ما أصابه ” الفتور” مع بدايات العام الجاري 2019، وانتقل القلق من بعض الجمعيات اليمينية الى اللاجئ السوري، بعيد تسريبات وتلميحاتٍ لإعادته من حيث قدم. عوامل ساعدت مجدداً للعودة للمربع الأول، حيث يسيطر القلق والحنين،  والتفكير السلبي أن لا طائل من أي محاولات للاندماج وإبراز الهوية الغائبة، فكلّ الجهود ” تذروها ” رياح الأحزاب اليمينية.
يقول “أمجد عدنان”، الحاصل على إقامة ثلاث سنوات في ألمانية: “نعم هذه السنة أعادت الريبة والخوف، وجعلت اللاجئ السوري ينظر إلى مستقبله في هذا البلد بنوعٍ من القلق، وبالأخصّ من العودة إلى سوريا, لافتاً إلى أنّ ثمة عوامل نفسية أصلاً، تؤثر في استقرار اللاجئ السوري.

يوميات الحرب في سورية لم تنته بعد، ثمّة حيرة وخوف يومي على أهلنا هناك، من قتلٍ من جرحٍ، أو من تهجير. وبالتالي بقس هذا الشعور يلازمنا هنا في برلين، وأثّر في اندماجنا بالسرعة المطلوبة. إضافةً لعوامل نشوء الأحزاب اليمينية التي ترفع بكلّ مناسبة شعاراتٍ معاديةٍ للاجئين، وهذا عامل أقسى من سابقه، فكيف نكوّن هويةً في ظل هذا الصراع الداخلي والخارجي”.
على أن الصورة النمطية ليست هي السائدة هناك، فبعض ” المغامرة” افضل من انتظار التقلبات، إذ انطلق المهاجر السوري ليشكّل بداية ملحوظة لهوية تبحث عن حضورها، فحضر رأسمال وافتتحت العديد من المحلات والمطاعم، وفي “شارع العرب” كما يسمّيه محبّوه، نلحظ عشرات المحلات السورية المختصة بالأطعمة والحلويات وتجارة الملابس. مطارح بدت منافسة لأسواق برلين التاريخية فهي تقدّم مذاقا جديداً لسكان وزوار العاصمة، وأسعاراً تفضيلية تريد إيجاد موطئ قدمٍ لها، فترضى بالقليل من المال وجودة الخدمة.
” أتوجّه دوماً إلى هناك، إنّها فرصةٌ مهمة أن تجد كثيراً من معارفك هناك دون مواعيد مسبقة. في شارع العرب تشعر ” بالأريحية”، كما لو كنت هناك في إدلب السورية، أصحاب المقاهي باتوا أصدقاءنا، نمازحهم ولا نحرج حال عدم توفر المال بذات اليوم. كلّ معارفي نلتقي هناك” يجيب عدنان حول أهمية المكان
هويات عائلية مهددة. 
في جلسات العائلة القليلة مقارنةً بأيام سورية، يقبل الصغير” أيهم 8 سنوات” بنهمٍ غير طبيعي للعودة واستذكار أقرانه وألعابهم و”قفشاتهم” ضاحكاً من قلبه، وكأنها حدثت للتوّ قبل عودته من مدرسته الفرنسية. يكرّر الأب مطلبه “لأيهم”: لم لا تحدّثنا عن أصدقائك هنا؟ في المدرسة.. في الحي.. في الرحلات المدرسية.. وفي الأنشطة الرياضية.. لم لا تروي حكاياتك مع مئات منهم على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتابع لساعات طويلة؟ يقول الأب :”غالباً لا إجابة سوى الاستمرار بالحديث عن موسى هناك”.
عائلة “أيهم” تقسّمت، كما لو أنها شطيرة خبز. الزوجة قابعة في بيتها، تنتظر جلسات المحكمة للنطق بقرار الطلاق. الأب يحاول الاندماج عبر دروس الجمعيات المعنية بكبار السن، آمال فرص العمل تنعدم للكبار. خلافات طرأت وتعدّدت أسبابها. التغيرات ليست فردية على العائلة السورية، حيث وصلت فرنسا قبل أربعة أعوام. إذ ثمةّ أسرٌ تشابهها بواقع الحال، لكن لم تقدّم دراسات بحثية تشير لمعطيات تقريبية، لكن كثيراً من غرف التواصل الاجتماعي تفضح المستور.
إلى الشمال من فرنسا تشير دراسة حديثة وضعها الأكاديمي أحمد جاسم الحسين، تشير الى :”أن 25% من العائلات السورية في هولندا شهدت حالات طلاق خلال السنوات الست الأخيرة، فيما يفكر 25% منهم بأبغض الحلال.
يقول الحسين :”إن دراسته أجراها في قرية هولندية تقطنها 40 عائلة سورية، وتمّ أخذ العينات منها بشكل عشوائي، ومن مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية والمادية.”ويلفت الباحث الى أن “هذه المجتمعات لا تريد للعائلة أن تظل كقوة اجتماعية، ليسهل للدولة تمرير القوانين والأنظمة التي تريدها، والحوامل الاجتماعية والدينية والفكرية والاقتصادية، التي كانت تسند بقاء الأسرة السورية. لم تعد موجودة هنا، وكذلك لم يعد مفهوم العائلة الكبيرة: الأب والأم والأبناء والأحفاد موجوداً، بل بقي الزوجان فقط”.
وسط الهويات الضائعة، تبرز أخرى مناقضة لها تماماً، تتابع أخبار التفوق والنجاحات لأفراد وأسر سورية في هذه الدولة أو تلك. أيضا ًلا مؤشرات رقمية تسند الباحث، لكنّ العديد من الصفحات الاجتماعية تهتم بهذا الجانب، ويجد به العديد فرصة ليقولوا صوتهم بأهمية التركيز على النجاحات، لخلق بيئة مشجّعة للاجئين الجدد، وتقديم صورة للمواطن الأوروبي تليق بالسوريين وقضيتهم. واحدة من قضايا النجاح التي تابعتها زمنياً ما كتبته إسراء الشرع عن تقديمها لرسالة الماجستير بهندسة العمارة في فرنسا، وكنت سابقاً قبل سنوات تابعت نجاح أخيها” قتيبه”، بتجاوز معوّقات اللغة وتفوّقه، وبات اليوم على أبواب التخرج الجامعي، مختصاً بالمعلوماتية.

تسرد “إسراء” بعضاً من محطاتها :”قبل ذلك كنتُ قد بدأتُ دراسة العمارة في جامعة دمشق، ووصلتُ إلى السنة الخامسة، ولم أُنهِ دراستي، بسبب مغادرتي لبلدي سوريا، وبعدها في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، حيث تم إعادتي إلى السنة الثالثة، حسب قوانين وقرارات الجامعة، و تابعتُ إلى السنة الخامسة، و حصلتُ منها على البكالوريوس، وبذلك مررتُ بثلاث محطات دراسية بثلاث لغات: العربية والإنكليزية والفرنسية ، فطريق العلم بروعة نهايته، يحمل الكثير من العوائق و الحفر .. ولا سيما عندما تكون الهندسة المعمارية هي من تستقبلك بحفرها ذات الأفخاخ “.
وتُضيف إسراء : ‎”فرحة اليوم ممزوجة بغصّة في القلب والألم لكل شهيد، ولكلّ معتقل، ولكلّ مصاب، في سبيل الحرية والكرامة.. في سبيل أن تكون سوريا أفضل…
شبابٌ وأطفال سُلبت حياتهم قبل أن يعرفوا طريقهم، وقبل أن ينتهوا من جمع أحلامهم .. يُشرّفني أن أهدي لهم هذا النجاح، كما أهديه لسوريا وثورتها المباركة.. سوريا التي لم أغادرها ولم تُغادرني يوماً، سوريا التي تطالبنا في كل يوم بالتزوّد بالعلم والمعرفة .. لنعود إليها ونُضمّد جراحها بعلومنا .. ونبنيها بمحبتنا… كي نكون أفضل”.
وكما نجح العشرات اقتصادياً في برلين، فإن اقرأنهم مع فارق العدد بين البلدين، نهجوا ذات المسارات ، فالعشرات من الشباب السوري باتوا جزءاً من منظومة العمل في قطاعات مختلفة في فرنسا، سواء منها ما تعلّق بالوظائف أو الدراسة أو الاقتصاد عبر محلات غذائية ومتاجر بسيطة، وصولاً للاشتراك بالأسواق الشعبية الأسبوعية التي تقام في غالبية المدن الفرنسية بشكل أسبوعي.
صدمة اللجوء ولعلاج
فاجأ خلدون النبواني، الباحث الفلسفي في جامعة السوربون الفرنسية جمهوره السوري ومتابعيه على حسابه الاجتماعي، بدعوة الجميع للعلاج من الصدمات المتتالية، فكتب تحت عنوان “نصيحة بخاصة للسوريين الجدد اللاجئين في أوروبا، إذا وجدت نفسك في حالة ضيق نفسي حقيقي أو في حالة اكتئاب مزمن، أو في حالة اضطراب عصبي، يصل بك حدّ فقدان السيطرة على تصرفاتك، اذهب مباشرة ودون أي حرج أو تردد لمراجعة طبيب نفسي، (ليس محللاً نفسياً أو معالجاً سلوكياً في البداية). تحدّث بصراحة للطبيب، ولا تقاوم فكرة مراجعة الطبيب النفسي. لست مجنوناً كما يُقال غالباً لكلّ من يراجع طبيباً نفسياً. أنت فقط في هذه الحالة بحاجة إلى مساعدة من الخارج، أي من خارج إرادتك وإمكانياتك وتجاربك السابقة. وبالمناسبة وحده من لا نفس له لا يعاني من مشاكل نفسية”.
الدعوة لاقت ترحيباً من الغالبية ممن شاركوا الباحث نظرته، معتبرين أن الظروف التي يمر بها السوري في الغرب مرهقة، وتحتاج لكثير من الاسترخاء، واستشارة طبيب نفسي، نظراً لتفاوت البيئات والثقافات والهويات، وليس آخرها ارتباط السوري بواقع الحال ببلده،  وما يعانيه الناس هناك.
وفي ردّه على سؤال لأحد المعلّقين من سورية، ينصح الباحث: “الشيء الوحيد الذي أعرفه أن بلادنا تفسح رغم كل شيء بأشكال تنفيس كثيرة، ولا تحضر الأمراض النفسية عندنا كما هي في الغرب، وبخاصة للأجانب الذين يشعرون بالضياع،  ويسقطون بسرعة نهب الاضطرابات”.
تقول بعض الدراسات الاجتماعية أن حالة اللاجئ وصدمته بواقعه الجديد، تحتاج زمنياً لمتوسط ثلاث سنوات حتى تمرّ بهدوء، لكن ذات الدراسات تمايز بين أعمار اللاجئين من أطفال وشباب وكبار في السن، وصولاً إلى اختلاف بيئاتهم الأصلية، ومروراً بمواقعهم وظروفهم في بلد اللجوء الجديد، وهو ما يبقي الباب مشرعا على احتمالات المزيد من الزمن.
وتتطابق صدمة اللجوء بأحد جوانبها مع أزمة اللغة لجهة العوامل والوقت وعلى قاعدة “من عرف لغة قوم أمن شرهم وخيرهم “يعتبر شرط اللغة أحد أساسيات الاندماج في غالبية المجتمعات الأوروبية، فأحد شروط الإقامة الدائمة في ألمانيا هو تحصيل درجة من معرفة اللغة الألمانية تؤهل الوافد؛ للسفر والحضر، والمشاركة في الحياة العامة، فيما تشترط فرنسا اللغة للحصول على الجنسية، إضافة لمعايير أخرى وهو ما يعني جملة من التحديات تواجه اللاجئ وعليه تخطيها مجتمعة.
البحث جار
ستبقى مهمة البحث عن هوية السوري في بلدان اللجوء قائمة ومستمرة بمبادرات فردية او جماعية، ويرى البعض أن حضور جمعيات مدنية وأخرى خيرية، عمادها السوري في الغرب سيساهم في السنوات المقبلة بتشكيل الهوية المطلوبة، ويشير العديد الى أن القضية تحتاج لوقت، قد يمتد لأكثر من عقد مبرراً رأيهم أن السوري”ما له بالقصر من الأمس العصر” في إشارة لحداثة زمنية للحضور السوري في عموم المجتمعات الغربية، مقارنةً مع أشقائه العرب، التي يمتد بعضها لعشرات السنين، ويرى أصحاب هذا الرأي بأن قواعد أي هوية يكون عمادها الشباب الذين بدت ملامح نجاحهم تبرز مؤخراً, أما في الحديث عن الهوية بمعناها الاجتماعي، فثمة انقسام بالرأي مردّه أن القارة الأوروبية لا تعترف أصلاً بمثل هذه الهويات الطارئة، إضافة للتباعد الجغرافي بين السوري والآخر، لجهة التوزع والأعداد وذوبان بنسبٍ ملحوظة، وهو ما يفرضه أي مجتمع. إضافة لإشكالية قائمة ان الأصل في الحالة السورية أن الغالبية لم يكونوا منخرطين بالمجتمع المدني وتشكيلاته، والتي هي أصلاً ممنوعة في البلد الأم سورية، وهو ما يعني ان ثمة حاجة للوقت للاعتياد على التنظيم والاستثمار والقبول والمشاركة والعمل الجماعي لدى عموم السوريين في الشتات، وهو ما يبقي السؤال مشروعاً إن كان محدثي الثمانيني ممن صمدوا بوجه ضياع بهويته السورية، أم ثمة آمال باقية بهوية تبرز وتساهم في المستقبل المنشود لسورية وأبنائها.

بحثا عن الهوية الجديدة للاجئين في أوروبا صعوبات الاندماج وآمال المستقبل

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

بحثاً عن هوية جديدة… اللاجئون في أوروبا وصعوبات الاندماج

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit