اليافعون وسنوات اللا انتماء

اليافعون وسنوات اللا انتماء
اليافعون وسنوات اللا انتماء

نور مارتينيليفانت

ما زلت أذكر ذلك الموقف المضحك- المبكي في آن معاً، بعيد مغادرتي لسوريا قبل ما يربو على الستة أعوام، يومها التقيت في تركيا بقريبة لي كانت قد غادرت سوريا قبل اندلاع الثورة السورية، ولم تكن قد عايشت أحداث الحرب اللئيمة وويلاتها..يومها أعطت ولدي جهاز الموبايل ليلعب بإحدى الألعاب، فنظرت إلى ولدي معاتبة.

كانت ردة فعلها أن أكّدت لي أن الألعاب الموجودة على الجهاز مناسبة للطفل، ولا تحتوي على مضمون عنيف..سرعان ما انقلب غضبي ضحكاً..سألتها. “عزيزتي أنت تتحدّثين عن طفل خرج مراراً من روضته يظلله الرصاص، ونجا من حادث تفجير كاد يودي بنا جميعاً!
هل هناك ما يبرّر الخوف من المضمون العنيف بعد كل هذا؟!

لعلّ ولدي من بين القلة المحدودة الذين قيّض لهم أن يغادروا البلاد ويخرجوا من دوامة العنف إلى مرفأ السلامة، ولكنّ الغالبية الساحقة من الآطفال ما زالت تحمل في ذواكرها أو في أجساها ندوباً عميقاً، تجعل موضوع التعافي بعيد المنال.

أكثر من ثماني سنوات مضت..من كان في الحادية عشرة بات اليوم راشداً وفق معايير معظم الدول، وبات يتحمّل مسؤولية تصرفاته..ولكن كيف لطفل –أياً كان انتماء أسرته – أن يحاكم وفق قانون لم يسمع عنه أصلاً؟!

يبقى دور الأسرة هو الأنجع في مثل هذه الحالات، غير أن المشكلة تكمن في وجود هذه الأسرة وترابطها، ففي الداخل السوري وفي الشتات، قُطّعت أوصال العائلات السورية، بفعل النزوح والتشتت من ناحية، ومن خلال ظواهر العسكرة التي تسللت إلى عوالم الأطفال الداخلية والمحيطية، فعمدت جميع الفصائل المسلّحة على امتداد رقعة سوريا إلى تجنيد الأطفال، ليغيب دور الأسرة كمؤسسة تربوية، وتحلّ محلّها لغة العنف ومنطق القوة الذي يفرضه السلاح، والذي يلغي تماماً دور القانون في المجتمعات، ويعطي شرعية للأقوى مهما كبر حجم انتهاكاته، ومهما تطاول على القوانين والنواميس الأخلاقية.

قسم كبير من الشبان، الذين عايشوا هذه الظروف، خرجوا إلى أوربا بعد موجة النزوح الكبرى بين عامي 2015 و 2016، ووجدوا أنفسهم في دول تسيّد القانون وتسلّمه زمام أمرها. غير أنّ امتيازاً من نوع جديد تمكن هؤلاء الفتيان من الحصول عليه، جعلهم يغرقون مجدّداً في دوّامة اللاقانون، ويراكمون تجارب سلبية جديدة من نوع مختلف، تضاف إلى التجارب السلبية التي خاضوها في بلدهم الأم سابقاً، أضف إلى ذلك أن دور الأسرة غاب بشكل مطلق هذه المرة، نظراً لكونهم غادروا بلادهم غير مصحوبين بأسرهم، وتمّت رحلتهم تلك في ظل القوانين السائدة في الاتحاد الأوروبي، وقتها، والتي كانت الوسيلة الأمثل والأقل تكلفة للحصول على اللجوء، إذ أنه كان يسمح يومها للمراهق الذي لم يبلغ الثامنة عشرة بلمّ شمل أسرته.

خرج اليافعون زرافاتٍ وأفراداً نحو أوروبا، بعد أن ضاق الخناق عليهم في دول الجوار السوري، فلا مجال لاستكمال الدراسة، مع محدودية فرص العمل، ناهيك عن التضييق الأمني على هذه الشريحة العمرية، وتعذّر الحصول على تصريح إقامة بشكل قانوني؛ كل هذه العوامل جعلت من أوروبا جنّة موعودة لهؤلاء الشبان، ومرفأ سلامة للأهالي الباحثين عن بارقة أمل بغدٍ أفضل. غير أنّ ما حدث أنّ هذه الدول عمدت بّعيد تدفّق المهاجرين قبل نحو ثلاثة أعوام إلى تعديل القوانين المتعلّقة بمنح الإقامة وحقّ لم الشمل، ما تسبّب بحرمان غالبية هؤلاء الشباب القاصرين من فرصة لمّ شمل أسرهم، وبهذا غاب دور الأسرة تماماً.

جزء لا يستهان به من هؤلاء الشبان القاصرين، تلقّفته عصابات إجرامية، ودفعته نحو المخدّرات وانتهاك القوانين، وهو بنفسه وجد فيما تسرّبه إليه هذه الجهات من توجيهات سلبية، وسيلة لينتقم لنفسه، ويصفّي حسابات كل السنوات السابقة التي ذهبت بين تشتت أسريّ وخوف من الموت، وصولاً إلى ضبابية المشهد المستقبلي، بعد أن بات الحصول على جنسية الدولة الأوربية التي يقيم فيها، ضرباً من ضروب الخيال، بسبب تعقيدات القوانين المعدّلة من جهة، وكثرة المخالفات التي تعطّل إمكانية الحصول عليها، من جهة أخرى.

الشبان المتواجدون في الداخل السوري، تلقفتهم عصابات من نوع آخر، تعتاش على التطرّف، وتعمل على غسيل أدمغتهم، ومنحهم صكوك غفران من نوع جديد، وترسلهم إلى عوالم الموت والجريمة، لتجني أكبر قدرٍ من المكتسبات المادية والسياسية، على حساب هؤلاء القاصرين، الذين غذّت في نفوسهم نزعات تفوق كاذب، لإخراجهم من تحت مظلة العائلة والمجتمع والقانون، وإحكام السيطرة على أدمغتهم، وتوجيه بوصلتهم بما يضمن استمرار منفعتها.

في ظلّ هذه المعضلات الاجتماعية، دفعت هذه الشريحة القسم الأكبر من ضريبة الحرب، وباتت تتحرّك بردّات الفعل تجاه المجتمع بأسره، ولهذا فإنّ ضبط ساعة المجتمع ينبغي أن تتمّ من خلال إخراج هؤلاء الشبان من دوامة اللا انتماء، وإعادتهم إلى مواقعهم الطبيعية، ضمن أسرهم أو على مقاعد الدراسة، أو حتى في مهنٍ حقيقية بعيدة عن تأثيرات الحرب واستثماراتها.

قد يرى البعض أنّ هذه الإجراءات باتت مستحيلة، بعد مرور كل هذا الوقت، ولكن التعافي من الرضوض النفسية حسب الخبراء النفسيين، يبتدئ من تحصين الدفاعات النفسية بالتفكير الإيجابي والعبارات الإيجابية وتجنب العبارات السلبية وعدم الانسياق بعواطفنا خلف مايسرده الآخرون من سيناريوهات سلبية قد لاتخلو من الحقيقة.

ولهذا فإنّ الطريق نحو المستقبل يبتدئ من ردم ثغرات الماضي، وفي ظلّ عالم مجنون يحكمه منطق الحرب والقوة، باتت مهمة إعادة الاستقرار للشبان السوريين تقع على عاتق مؤسسات الأمم المتحدة، والدول العظمى، التي بيدها منح هذه الأسر الشعور بالأمان، من خلال إعادة التوازن لحياتها، واستئصال كل عوامل العنف التي تقوّض كل أشكال القانون من جهة؛ هذا على مستوى الداخل السوري، أما على المستوى الخارجي، فيكفي تسهيل إجراءات لمّ الشمل، أو اللقاء الأسري، لكي تعيد لحياة هؤلاء المراهقين رونقها.

اليافعون وسنوات اللا انتماء

اليافعون وسنوات اللا انتماء

نور مارتينيليفانت

ما زلت أذكر ذلك الموقف المضحك- المبكي في آن معاً، بعيد مغادرتي لسوريا قبل ما يربو على الستة أعوام، يومها التقيت في تركيا بقريبة لي كانت قد غادرت سوريا قبل اندلاع الثورة السورية، ولم تكن قد عايشت أحداث الحرب اللئيمة وويلاتها..يومها أعطت ولدي جهاز الموبايل ليلعب بإحدى الألعاب، فنظرت إلى ولدي معاتبة.

كانت ردة فعلها أن أكّدت لي أن الألعاب الموجودة على الجهاز مناسبة للطفل، ولا تحتوي على مضمون عنيف..سرعان ما انقلب غضبي ضحكاً..سألتها. “عزيزتي أنت تتحدّثين عن طفل خرج مراراً من روضته يظلله الرصاص، ونجا من حادث تفجير كاد يودي بنا جميعاً!
هل هناك ما يبرّر الخوف من المضمون العنيف بعد كل هذا؟!

لعلّ ولدي من بين القلة المحدودة الذين قيّض لهم أن يغادروا البلاد ويخرجوا من دوامة العنف إلى مرفأ السلامة، ولكنّ الغالبية الساحقة من الآطفال ما زالت تحمل في ذواكرها أو في أجساها ندوباً عميقاً، تجعل موضوع التعافي بعيد المنال.

أكثر من ثماني سنوات مضت..من كان في الحادية عشرة بات اليوم راشداً وفق معايير معظم الدول، وبات يتحمّل مسؤولية تصرفاته..ولكن كيف لطفل –أياً كان انتماء أسرته – أن يحاكم وفق قانون لم يسمع عنه أصلاً؟!

يبقى دور الأسرة هو الأنجع في مثل هذه الحالات، غير أن المشكلة تكمن في وجود هذه الأسرة وترابطها، ففي الداخل السوري وفي الشتات، قُطّعت أوصال العائلات السورية، بفعل النزوح والتشتت من ناحية، ومن خلال ظواهر العسكرة التي تسللت إلى عوالم الأطفال الداخلية والمحيطية، فعمدت جميع الفصائل المسلّحة على امتداد رقعة سوريا إلى تجنيد الأطفال، ليغيب دور الأسرة كمؤسسة تربوية، وتحلّ محلّها لغة العنف ومنطق القوة الذي يفرضه السلاح، والذي يلغي تماماً دور القانون في المجتمعات، ويعطي شرعية للأقوى مهما كبر حجم انتهاكاته، ومهما تطاول على القوانين والنواميس الأخلاقية.

قسم كبير من الشبان، الذين عايشوا هذه الظروف، خرجوا إلى أوربا بعد موجة النزوح الكبرى بين عامي 2015 و 2016، ووجدوا أنفسهم في دول تسيّد القانون وتسلّمه زمام أمرها. غير أنّ امتيازاً من نوع جديد تمكن هؤلاء الفتيان من الحصول عليه، جعلهم يغرقون مجدّداً في دوّامة اللاقانون، ويراكمون تجارب سلبية جديدة من نوع مختلف، تضاف إلى التجارب السلبية التي خاضوها في بلدهم الأم سابقاً، أضف إلى ذلك أن دور الأسرة غاب بشكل مطلق هذه المرة، نظراً لكونهم غادروا بلادهم غير مصحوبين بأسرهم، وتمّت رحلتهم تلك في ظل القوانين السائدة في الاتحاد الأوروبي، وقتها، والتي كانت الوسيلة الأمثل والأقل تكلفة للحصول على اللجوء، إذ أنه كان يسمح يومها للمراهق الذي لم يبلغ الثامنة عشرة بلمّ شمل أسرته.

خرج اليافعون زرافاتٍ وأفراداً نحو أوروبا، بعد أن ضاق الخناق عليهم في دول الجوار السوري، فلا مجال لاستكمال الدراسة، مع محدودية فرص العمل، ناهيك عن التضييق الأمني على هذه الشريحة العمرية، وتعذّر الحصول على تصريح إقامة بشكل قانوني؛ كل هذه العوامل جعلت من أوروبا جنّة موعودة لهؤلاء الشبان، ومرفأ سلامة للأهالي الباحثين عن بارقة أمل بغدٍ أفضل. غير أنّ ما حدث أنّ هذه الدول عمدت بّعيد تدفّق المهاجرين قبل نحو ثلاثة أعوام إلى تعديل القوانين المتعلّقة بمنح الإقامة وحقّ لم الشمل، ما تسبّب بحرمان غالبية هؤلاء الشباب القاصرين من فرصة لمّ شمل أسرهم، وبهذا غاب دور الأسرة تماماً.

جزء لا يستهان به من هؤلاء الشبان القاصرين، تلقّفته عصابات إجرامية، ودفعته نحو المخدّرات وانتهاك القوانين، وهو بنفسه وجد فيما تسرّبه إليه هذه الجهات من توجيهات سلبية، وسيلة لينتقم لنفسه، ويصفّي حسابات كل السنوات السابقة التي ذهبت بين تشتت أسريّ وخوف من الموت، وصولاً إلى ضبابية المشهد المستقبلي، بعد أن بات الحصول على جنسية الدولة الأوربية التي يقيم فيها، ضرباً من ضروب الخيال، بسبب تعقيدات القوانين المعدّلة من جهة، وكثرة المخالفات التي تعطّل إمكانية الحصول عليها، من جهة أخرى.

الشبان المتواجدون في الداخل السوري، تلقفتهم عصابات من نوع آخر، تعتاش على التطرّف، وتعمل على غسيل أدمغتهم، ومنحهم صكوك غفران من نوع جديد، وترسلهم إلى عوالم الموت والجريمة، لتجني أكبر قدرٍ من المكتسبات المادية والسياسية، على حساب هؤلاء القاصرين، الذين غذّت في نفوسهم نزعات تفوق كاذب، لإخراجهم من تحت مظلة العائلة والمجتمع والقانون، وإحكام السيطرة على أدمغتهم، وتوجيه بوصلتهم بما يضمن استمرار منفعتها.

في ظلّ هذه المعضلات الاجتماعية، دفعت هذه الشريحة القسم الأكبر من ضريبة الحرب، وباتت تتحرّك بردّات الفعل تجاه المجتمع بأسره، ولهذا فإنّ ضبط ساعة المجتمع ينبغي أن تتمّ من خلال إخراج هؤلاء الشبان من دوامة اللا انتماء، وإعادتهم إلى مواقعهم الطبيعية، ضمن أسرهم أو على مقاعد الدراسة، أو حتى في مهنٍ حقيقية بعيدة عن تأثيرات الحرب واستثماراتها.

قد يرى البعض أنّ هذه الإجراءات باتت مستحيلة، بعد مرور كل هذا الوقت، ولكن التعافي من الرضوض النفسية حسب الخبراء النفسيين، يبتدئ من تحصين الدفاعات النفسية بالتفكير الإيجابي والعبارات الإيجابية وتجنب العبارات السلبية وعدم الانسياق بعواطفنا خلف مايسرده الآخرون من سيناريوهات سلبية قد لاتخلو من الحقيقة.

ولهذا فإنّ الطريق نحو المستقبل يبتدئ من ردم ثغرات الماضي، وفي ظلّ عالم مجنون يحكمه منطق الحرب والقوة، باتت مهمة إعادة الاستقرار للشبان السوريين تقع على عاتق مؤسسات الأمم المتحدة، والدول العظمى، التي بيدها منح هذه الأسر الشعور بالأمان، من خلال إعادة التوازن لحياتها، واستئصال كل عوامل العنف التي تقوّض كل أشكال القانون من جهة؛ هذا على مستوى الداخل السوري، أما على المستوى الخارجي، فيكفي تسهيل إجراءات لمّ الشمل، أو اللقاء الأسري، لكي تعيد لحياة هؤلاء المراهقين رونقها.

اليافعون وسنوات اللا انتماء

اليافعون وسنوات اللا انتماء

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit