اللطميات الشيعية تغزو الأذن الموسيقية في دمشق

اللطميات الشيعية تغزو الأذن الموسيقية في دمشق
اللطميات الشيعية تغزو الأذن الموسيقية في دمشق

مع سيطرة الميليشيات الإيرانية على بعض المفاصل الهامة في العاصمة السورية دمشق انتشرت ظاهرة تسجيل أغاني “اللطميات” والتراتيل الدينية الشيعية في المدينة، بالتزامن مع تحويل المستوى الموسيقي في الحفلات العامة إلى منحى ديني وطائفي، ولتغزو اللطميات الشيعية الأذن الموسيقية في دمشق.

ما إن يحاول المرء الدخول إلى الاستديوهات الموسيقية المنتشرة في العاصمة، سيجد الفرق الكبير بين الماضي والحاضر، حيث تكتظ واجهات المحلات بالأغاني الدينية “اللطميات” التي تتحدث عن منهج ديني وطرق دينية ليست لها علاقة بالذوق الموسيقي العام لدى السوريين.

وبجانب انتشار الأقراص المدمجة الموسيقية في المحلات وعلى البسطات التي تفرش منطقة البرامكة وجسر الرئيس وسط المدينة، فتحت أغلب الاستديوهات الدمشقية أبوابها أمام المغنين الشعبيين لتسجيل تلك اللطميات، ودون وجود أية رقابة من وزارة الثقافة أو جهات أخرى معنية.

عن الحالة التي تشهدها دمشق، ورضا المدنيين عنها، التقى موقع “ليفانت” السيدة “منى أحمد” من سكان المدينة، لتحدثنا: “الموسيقا لغة يفهمها الجميع، تحمل سلماً يجعل روحك تنتشي حين تتلقاها، الموسيقا لغة الحياد في كل شيء، فالجميع يحبها ويفترض أنها لا تعني شخصاً ولا ديناً وإن كانت قد اتسمت في بعض مواقعها بتنوع نسقها”.

وتكمل: “إلا أن ما نشاهده في بعض المناطق الدمشقية، هو أمر مؤسف، حيث انتشرت الأقراص الموسيقية التي تمتاز بتسجيلات دينية “اللطميات” كظاهرة غريبة، كما تحولت بعض المطاعم وأماكن الترفيه إلى منصات لنشر تلك الأغاني، ويروّج فيها المغنين أغانيهم التي تتحدث عن الحسن والحسين، وتنفرد بطابع ديني بحت”.

اللطميات الشيعية تغزو الأذن الموسيقية في دمشق
اللطميات الشيعية تغزو الأذن الموسيقية في دمشق

الغناء الديني أمر نعلمه ونعرفه جميعنا بمسمياته المختلفة “تراتيل، مولوية…الخ”، ولكن أن تدخل اللطميات على الاستديوهات لتسجل بها أغان وتنسخ على أقراص مدمجة ومجهزة للبيع، فهذا أمر يجب الوقوف عليه، ومعرفة أسبابه.

عن تلك الحالة يحدثنا “منير” اسم وهمي، يعمل في إحدى الدوائر التابعة لوزارة الأوقاف في دمشق، يقول: “الأمر في غاية البساطة، فليس للوزارة أو أية جهة سورية أية سلطة على منع تلك الأغاني، أو الثقافة التي يتبناها مراكز تشييع مختصة في دمشق، حيث يشرف قادة من حزب الله وإيران على موضوع نشر الثقافة “التشييعية” في المنطقة”.

ويضيف: “يجب على وزارة الثقافة ونقابة الفنانين منع تسجيل تلك الأغاني، لأنها تحرّض على خطاب الكراهية، وبنفس الوقت تشوّه الحالة الموسيقية الغنائية العامة المرتبطة بالثقافة السورية، ولكن يكل الأحوال ليست لأية نقابة مهنية أو رسمية سلطة على تلك الأمور، وخاصة أن لها ارتباط وثيق ومباشر مع الحرس الثوري الإيراني في دمشق”.

وبحسب مصادرنا تشرف العديد من المعاهد الشيعية على انتشار ثقافة التشييع من خلال الموسيقا والكتب في المدينة، ومن هذه المنظمات والأجسام التابعة لإيران، معهد الشام الإسلامي، معهد رقية، عصائب أهل الحق العراقية، وكتائب أبي الفضل العباس، كلية المذاهب الإسلامية في دمشق، منظمة جهاد البناء الإيرانية، وبعض المنظمات حديثة العهد التي أنشأت بدعم من المستشارية الإيرانية في دمشق.

سيارات المارة في المدينة، والتي يستقلها شباب في بدايات أعمارهم، تصدح منها أصوات موسيقا الراب الشيعية، إلى جانب نغمات الهواتف، وأغاني (الكاسيتات) في وسائل النقل العامة، والتي يبررها بعض المدنيين بأنها أتت تماشياً مع الحالة العامة للمدينة، والتي يسيطر عليها الميليشيات التابعة لحزب الله وإيران.

المغنية السورية الأوبرالية “رشا رزق” كان لها رأي خاص في الموضوع، فتقول: “لطالما كانت ومازالت الموسيقا فن كغيره من الفنون كالتصوير والعمارة والأدب، لها لغتها ودلالاتها وقيمتها الفنية بغض النظر عن قيمة موضوعاتها. وهي كغيرها تحمل إشارات ودلالات وتسيّس من قبل أصحاب المال والسلطة، فبعضهم ينجح في إنتاج ما يحمل من قيمة وصنعة فنية جيدة وذكية، ومنهم من يفشل فنياً حتى لو حمل قيماً إنسانية عالية”.

وتضيف رشا: “ما أشد دهشتي مما رأيت وسمعت ما يحدث في دمشق من استخدام مثير للدهشة والغرابة لموسيقا اللطميات الشيعية خارج مكانها ومكانتها المخصصة، ألا وهي دور العبادة والطقوس الدينية، بحيث تخرج هذه الموسيقا عن جميع قيمها ودلالاتها وتغنى وتعزف في المطاعم وأماكن السهر الليلية، وطبعاً التي يرتادها من يستطيع إليها سبيلاً؛ في بلد يعيش تحت الموت والقصف والخراب والجوع، وتحمل فقط دلالة واحدة ضمن هذه المعطيات الزمانية والمكانية والموضوعية، تحمل رسالة تختصر بجملة وهي “انتصرنا طائفياً على الجميع”.

وتكمل رشا: “فماذا تفعل زينب وفاطمة والحسين في بارات دمشق؟، إنهم يتمايلون سكارى على أشلاء باقي الطوائف، فقط لا غير. ولا غرابة مما يحدث في بلد هجرته العقول والمواهب التي تزهر وتغرد في المهجر، ما شوه وظيفة الفن والموسيقا بل أعطاه أجنحة ليطير”.

دمشق مدينة الثقافة، التي كانت لفيروز وعبد الوهاب وأم كلثوم مكانة كبيرة فيها، حيث كانت صباحات المدينة ترتفع منها صوت تلك الموسيقا، إلا أن الظروف السياسية والحرب القائمة في البلاد كانت لها دور على الأذن الموسيقية لدى البعض.

وخلال حديثنا مع الفنان والموسيقي السوري “سميح شقير” تحدث عن الموضوع، قائلاً: “اعتقد أن هناك مبالغة في الموضوع، ذلك لأن الإيرانيون بوجودهم في دمشق هم من أعطى هذه الصبغة بممارسة طقوسهم في الحميدية والست زينب وأماكن عديدة”.

ويتابع شقير: “بحسب معلوماتي إن هذا الأثر محدود في البيئة السورية ولا اعتقد أن معظم الأغاني الشعبية في الحفلات والأعراس قد تحولت إلى موشحات ولطميات شيعية، بل على العكس أرى أن هناك نفور من هذه الطقوس الوافدة والتي تعبّر عن النفوذ الايراني المتزايد، وهو ما يجعل أغلب فئات الشعب السوري، متمسكين بهويتهم الثقافية والتي يستشعرون أنها عرضة للتهديد من محتل يحاول تسويق الخمينية في بلاد الشام”.

لطالما كان الذوق الموسيقي متنوعاً كما أي شيء عند السوريين، ولكن هذا الهبوط النافر في الذوق العام واتخاذه لخط الإنشاد واللطم يدق ناقوس خطر كبير، ناهيك عن الأجيال القادمة التي هي الآن في مرحلة عمرية صغيرة وتنشأ عليه ليبدو أمامها الشكل المثالي للفن وقولبة أسماعها عليه.

حيث إن القوى التي هيمنت سياسياً وعسكرياً على سوريا وقادت المعارك وقتلت وروّعت وشرّدت أتت بالمقابل لتفرض ثقافتها وأناشيدها على السوريين الذين وجدوا أنفسهم يرددونها باستتباع ديني، طائفي، ثقافي، موسيقي وفني.

ليفانت-دمشق

تحقيق: مايا حناوي

اللطميات الشيعية تغزو الأذن الموسيقية في دمشق