الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية … (بالأرقام) حماية المشافي والمراكز الطبية حبر على ورق

الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية ... حماية المشافي والمراكز الطبية كلام على ورق
الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية ... حماية المشافي والمراكز الطبية كلام على ورق

ليفانت_تعليق إخباري

سلام عمران

لم يكن استهداف مشفى جسر الشغور أمس القريب  أو مشفى معرة النعمان من قبل النظام السوري/الروسي حدثًا استثنائيًا إذا ما أعدنا بكرة الشريط المصور أو الاخباري خلال سنوات الحرب. وتكتفي الماكينة الدولية بالمراقبة فقط وتسجيل التجاوزات على الاتفاقيات الدولية، وبدون أي إمكانية إلى اتخاذ تدابير وقائية أو ردعية.

يتكرر سيناريو الضربات مجددا والتنديد الدولي حتى الأمس القريب، فقد استهدفت غارات جوّية أمس الخميس مدنيين في شمال غرب سوريا إضافة للمنشآت الطبّية والعاملين الطبيين، قُوبلت بإدانة من الأمم المتحدة و أمينها العام “أنطونيو غوتيرش”.

وأشار غوتيريش في بيان له إلى تعرّض العديد من المنشآت للقصف يوم الأربعاء، من بينها مستشفى بمعرّة النعمان هو أحد أكبر المؤسّسات الطبّية في المنطقة، وكان تمّ إعطاء إحداثيّاته إلى الأطراف المتحاربين لتجنّب استهدافه.

في عالم اليوم تتقهقر الشرعية الدولية أمام مطارق النفوذ والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، ويصبح الفيتو إسفينًا مخضبًّا بالدم مغلّفًا بجدلية دوغمائيةٍ تطرح تأويلات مطاطةً لتبرر التجاوزات على أنها اختلاف في وجهات النظر.

الفيتو الروسي يلوح في كل اجتماعٍ لمجلس الأمن، ولا نعني هنا ما يتعلق برفض الصين وروسيا ودول أخرى تدخلًا عسكريًا في سوريا، بل فيما يخص التزام الأطراف المتحاربة والتزامها بالحدّ الأدنى بالقانون الدولي واتفاقيات جنيف وحقوق الإنسان.

وسبق لروسيا أن استخدمت “حق النقض” الفيتو، 12 مرة حتى منتصف 2018 ، لمنع صدور قراراتٍ عن مجلس الأمن بخصوص سوريا، منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011 . من بينها 6 قرارات ذات علاقة باستخدام السلاح الكيماوي في سوريا.

نحاول أن نتلمس على مدار السنوات التسع الماضية فعالية و جدوى الشرعية الدولية في إتفاقيات جنيف جميعها ومنظمة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليتين، التي تنص على حماية المدنيين والمنشآت المدنية والأهلية والصحية في أوقات الحرب أيا يكن شكلها، بين دولتين أو ضمن الدولة الواحدة في صراع على استقلال إقليم عن الدولة الأم أو النزاعات والحروب الأهلية والتي تنطبق على سوريا. 

بالتوازي مع الفيتو السياسي يظهر لدينا فيتو على الشأن الإنساني، وليس بالضرورة أن يكون بروتوكوليًا ضمن القواعد المرعية، إنما عرقلة الجهود الدولية الإغاثية والطبية للمنظمات الدولية في المناطق المنكوبة التي تتعرض لقصف وحشي كمنطقة إدلب، ضمن هذه الصيغة يعتبر فيتو بشكل أو بآخر.

إدلب في عين الإعصار.. والقصف لا يستثني المشافي أو النقاط الطبية..

العين الآن على منطقة إدلب ومن هناك تأتي الأخبار حيث تتركز الضربات الجوية الروسية. يسيطر على إدلب مجموعة من الفصائل الإسلامية أقواها وأكثرها نفوذا “جبهة تحرير الشام”. لم تفضِ كل الضغوط الدولية لتحييد المدنيين عن حلبة الصراع المسلّح بين النظام الحاكم في سوريا وقوات المعارضة على اختلاف توجهاتها وتسمياتها وتلك المدعومة من تركيا على وجه الخصوص.

صراع وضع مابين  2.5 إلى 3  مليون مدني بين فكّي الموت أو النزوح الذي وصل إلى 200 ألف نازح حسب مارتا هارتادو الناطقة الرسمية باسم المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتاريخ 21 أيار الماضي.

وأضافت هارتادو أن 105 مدنيين لاقوا حتفهم منذ أن بدأت الضربات الجوية في أواخر نيسان الماضي. 

وحسب تقرير للأمم المتحدة هناك 2.1 مليون منهم يحتاجون بالفعل إلى الدعم الإنساني و 1.4 مليون شخص نزحوا مرة واحدة على الأقل.

مع هذا القصف والغارات الجوية، يتم تهجير نفس الأشخاص مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، فضلا عن وجود ما يقارب 1 مليون طفل 80 ألف منهم على الأقل لا يذهبون إلى أي مدرسة أو مركز تعليمي.

وبالرغم من الاتفاق الذي حصل في العاصمة الكازاخستانية أستانة لاعتبار إدلب منطقة خفض تصعيد ووجوب الحد من العمليات الحربية. لم تنقطع الهجمات الجوية على المنطقة، وحتى بعد الاتفاق/ المذكرة الموقّعة في 17 ديسمبر 2018 بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي تقضي بتعزيز وقف إطلاق النار بمنطقة عازلة طولها 15-20 كم، وإعادة فتح الطرق الرئيسية، وحمايتها من قبل دوريات روسية تركية مشتركة. كل هذا لم يفضِ إلى حل لصالح المدنيين وحماية المشافي والنقاط الطبية على الأقل.

ومنذ ما يقارب 5 سنوات بدأ النظام السوري يستهدف المدارس والمشافي والتجمعات المدنية بشكل عشوائي بحجة أنها تستخدم كمراكز انطلاق للعمليات العسكرية ضده من قبل جماعات إسلامية متشددة حسب وصفه.

وكعادتها تواكب منظمات دولية الحدث السوري وتسجل الخروقات وتصدر البيانات، نذكر هنا تقرير مثلاً لمنظمة  أمنستي  في 3 آذار 2016 وقالت فيه أن النظام السوري وحليفه الروسي يستهدفون المنشآت الصحية بشكل متعمّد منذ بداية عام 2019.

وعلى خط التطورات الأخيرة وزيادة الضربات الجوية الروسية على أهداف مدنية وطبية، سجّل موقع أطباء لحقوق الإنسان في تقرير منشور بتاريخ 22 آيار 2019 أن قوات النظام السوري ومنذ بدء النزاع مع قوات المعارضة ارتكبت وحلفاؤها الغالبية العظمى من 566 هجومًا تم التحقق منه على منشآت طبية في سوريا. لقد حولت تلك الهجمات المرافق الطبية إلى خراب.

HEALTH FACILITIES IN NORTHWEST SYRIA IN MARCH 2019. SOURCE REACH INITIATIVE HUMANITARIAN SITUATION OVERVIEW

وعجزت الأمم المتحدة من خلال الجمعية العمومية أو مجلس الأمن على استصدار قوانين ملزمة تفرض على النظام السوري وحلفائه ضوابط صارمة يتجنب فيها التعرض للمدنيين واستهداف التجمعات الأهلية والصحية، إلا أن الفيتو الروسي أو التعطيل الدبلوماسي كان حائلاً دون ذلك.

واكتفت الأمم المتحدة بمنظماتها الرئيسية والفرعية والمنظمات الدولية الانسانية بالمشاهدة والتنديد وتسجيل الخروقات وكتابة التقارير، ما يهدد برأي البعض الفكرة نفسها التي تقوم عليها الشرعية الدولية وهي الإلزام الإجباري لمخالفي القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.

في تقريرها الصادر الشهر الماضي، الشبكة السورية لحقوق الإنسان أحصت 24 نقطة ومنشأة طبية تم استهدافها من قبل القوات السورية الروسية المشتركة في منطقة خفض التصعيد خلال 4 أسابيع.
وجاء في التقرير أن الاستهداف جاء في معظمه من خلال سلاح الطيران الروسي ما أدى إلى تدمير جزئي أو كلي للمنشأت الصحية والطبية.

وشهدت منطقة إدلب منذ 26 نيسان 2019 أعنف حملة عسكرية منذ اتفاق سوتشي تسببت حتى تاريخ 24 أيار 2019 مقتل ما لايقل عن 265 مدنياً منهم خمسين سيدة و تشريد ما لايقل عن 170 ألف إنسان، نزحوا إلى شمال إدلب وشرقها وشمال وغرب حلب حسب الإفادة الصحفية من كبير مستشاري الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة للمبعوث الخاص إلى سوريا .

ووفقًا للإفادة نفسها، فقد تضررت المنشآت الطبية والخدمات الصحية بشدة في التصعيد الأخير للغارات الجوية منذ 28  نيسان إبريل  الماضي ، ووصل عددها إلى 18 منشأة تم قصفها، في حماة وإدلب وفي حلب. وقتل أربعة على الأقل من العاملين الصحيين.

“يجب دائمًا احترام الوحدات الطبية وحمايتها وبأن  تكون هدفًا للهجمات”، تلك كانت الخلاصة!

 

مراوحة في المكان.. الفيتو المعطّل.. مشاركة الإحداثيات لا تجدي نفعًا

 
فشل مجلس الأمن عدة مرات في استصدار قرارات بالاجماع لحماية المدنيين عملاً بالمواد 41 و 42 من ميثاق الأمم المحدة بسبب الفيتو الروسي .

ووثق تقرير الشبكة 39 حالة اعتداء على منشآت طبية منذ 17 أيلول 2018 وحتى 24 أيار 2019 وقع 29 منها في الحملة العسكرية الأخيرة كان النظام مسؤولاً عن 15 منها.

وطالبت الشبكة في التقرير بوجوب اتخاذ إجراءات إضافية بعد صدور القرارين رقم 2139 و 2254 وبضرورة إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية بما فيها النظام الروسي بعد أن ثبت تورطه في ارتكاب جرائم حرب.

يقول مسؤولو الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان وعمّال الإغاثة، إنهم وثّقوا عشرات الغارات الجوية على العيادات والمستشفيات في الأراضي التي يسيطر عليها فصائل المعارضة، على الرغم من الحماية القوية التي تتمتع بها المنشآت الطبية بموجب القانون الإنساني الدولي كما يفترض!.

وتشترك العديد من المستشفيات في المناطق التي يسيطر عليها فصائل إسلامية من المعارضة، في إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي مع روسيا، بموجب نظام تديره الأمم المتحدة ويشار إليه باسم “التفكك الإنساني“.

لا يبدو أنه يساعد، فقط خلال الشهر الماضي تم استهداف 25 منشأة صحية و  15 منشأة تقريباً خلال شهر أيار وفقًا لمنظمة أمنستي. ويتساءل بعض المسؤولين والناشطين الآن عما إذا كانت “قائمة عدم التعرض” تُستخدم لتحديد وتدمير المستشفيات بعكس ما تأمل وتطلب الأمم المتحدة!

يمكن متابعة مئات المواقع الصحفية كجريدة الاندبندنت البريطانية  و مجلات كالنيويوركر الأميركية و شبكات إخبارية كالبي بي سي  ومنظمات دولية و دول تندد وتستنكر منذ بدايات التصعيد مع التدخل الروسي في 2015 وصولاً للتصعيد الأخير من قبل النظام وحلفاءه على إدلب و غيرها من المناطق فيما يتعلق بتهديد المدنيين وضرب المنشأت الأهلية والصحية. بيد أن اتفاقات ما فوق إنسانية المصالح تحكم مصير هذا العالم وتستوجب الانتظار أكثر لتهديم المهدم أصلاً. 

 

ورصدت الاندبندت  في تقرير نشرته في نوفمبر 2018 أن قوات النظام و حليفه الروسي مسؤولان عن  تدمير 243 سيارة إسعاف تراوحت المسؤولية مابين 60 بالمئة للنظام و 29 بالمئة للطيران والقوات الروسية، وأن المؤسسات الطبية الدولية تعمل على مشاركة إحداثيات المواقع الطبية مع الأمم المتحدة بهدف حماية تلك المواقع من هجمات النظام والروس، إلا أنهم يواصلون استهداف تلك المواقع.

وأشارت الصحيفة أن الاستهداف المتعمد للمراكز الطبية يعد جريمة حرب وفقا للقانون الدولي.

 

وأوضح الطبيب زاهر سحلول رئيس منظمة ” MedGlobal” الدولية لشبكة cbc الاميركية ولصحيفة الاندبندنت، أن تبادل المعلومات مع الأمم المتحدة لم يعد يوفر المزيد من الحماية للمستشفيات، مضيفاً أن خطر استهداف المستشفيات زاد خلال الفترة الأخيرة.

 أحد الموظفين والعامل الطبي في مستشفى الشام في كفرنبل شرح لمنظمة العفو الدولية  كيف أدت غارتان جويتان في 11 أيار مايو 2019 إلى توقف مستشفى الشام عن الخدمة.

ووصف مدير المستشفى كيف تم استهداف المستشفى وإصلاحه عدة مرات منذ عام 2018 ، وقال إنهم ينتظرون توقف الضربات قبل البدء في الإصلاح مرة أخرى.

ووجهت الأمم المتحدة رزمة من الأسئلة حول اعتداء روسيا بواسطة الطيران على مواقع طبية مستشفيات ونقاط طبية تم مشاركة مواقعها مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر والتي بدورها أطلعت الطرف الروسي عليها ولكن يبدو أن هذه الإجراءات الاحترازية المعتادة لا تجدي نفعًا مع روسيا، فيما يبدو إتفاق عالمي مضمر بتصفية الجماعات الجهادية والأصولية المتشددة التي تجمعت في إدلب مهما كانت الخسائر من الأبرياء المدنيين و الطواقم الطبية العاملة.

وطالبت منظمة أمنستي في آذار الماضي مجلس الأمن بأن يسجّل حصول جرائم ضد الإنسانية في إدلب، وفي التقرير المنشور على موقع المنظمة بتاريخ 21 أيار انتقدت المنظمة فشل المجموعة الدولية بحماية المدنيين والمنشآت الصحية في إدلب وحسب بيانات مرفقة فإن ما لايقل عن 300 ألف إنسان لا يحصلون على أي خدمات طبية لعدم توافرها بسبب خروجها عن الخدمة. 

لم تتوقف الهجمات الجوية على إدلب ومع فقدان مئات الالاف من المدنيين أي فرصة للخدمة الصحية بسبب قصف المنشآت الطبية، ولا يبدو ضغط المجموعة الدولية على الطرف الروسي فاعلاً بالقدر الكافي ليُصار إلى ممرات إنسانية بالحد الادنى تؤمن المستلزمات الطبية الضرورية والمعيشية ورفع كفاءة العمل على الحدود السورية التركية  والسماح للمنظمات الدولية بالعمل على الأراضي السورية بفعالية أكبر وهذا أضعف الإيمان بعد حملة طويلة من الصراخ وانتظار الحلول السياسية. 

ويتوقع بعض المراقبين الانفراجات في الملف السوري بعد زيارة غير بيدرسون إلى سوريا قادمًا من موسكو لوضع اللمسات النهائية على ملف اللجنة الدستورية. كما يُرجّح أن يناقش بيدرسون مع النظام مسألة وقف إطلاق النار في إدلب.

الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية … (بالأرقام) حماية المشافي والمراكز الطبية حبر على ورق

الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية … (بالأرقام) حماية المشافي والمراكز الطبية حبر على ورق

الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية … (بالأرقام) حماية المشافي والمراكز الطبية حبر على ورق

الفيتو الروسي في سوريا يقهر الشرعية الدولية … (بالأرقام) حماية المشافي والمراكز الطبية حبر على ورق